Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

باتت أسوار العاصمة طرابلس عصية أكثر من أي وقت مضى على اللواء المتقاعد خليفة الذي حاول لنحو عام اقتحامها وإسقاط حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا.

.

الجزء الأول

تسببت الهزائم والانتكاسات العسكرية المتلاحقة في انهيار الصورة التي رسمها له داعموه وخاصة الإمارات ومصر وفرنسا، فالضربات الأخيرة التي تلقاها في قاعدة الوطية غرب البلاد وكذلك في المحاور الواقعة غرب العاصمة قد تدفع مموليه إلى إعادة حساباتهم وتغيير رهاناتهم خاصة بعد فشله عسكريًا وسياسيًا والبحث عن ورقة أخرى تمكنهم من مقعد على طاولة أي تسوية مرتقبة للملف الليبي.

الوضع الميداني

إضافة إلى الخسائر الفادحة التي تكبدتها قوات اللواء المتقاعد حفتر جراء ضربات قاسية تلقتها في محاور جنوبي طرابلس ومدن الساحل الغربي كافة وصولًا إلى الحدود مع تونس، فضلًا عن الهزيمة المذلة في قاعدة الوطية الإستراتيجية (غرب)، وبلدتي بدر وتيجي، ومدينة الأصابعة بالجبل الغربي (جنوب غرب طرابلس)، أعلنت حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا سيطرتها على مواقع جديدة في محاور القتال جنوبي طرابلس، مما يشكل ضغطًا إضافيًا على قوات حفتر التي باتت في وضع صعب عقب انسحاب المرتزقة الروس (فاغنر).

وأعلن الجيش الليبي، تدمير 10 آليات مسلحة تابعة لخليفة حفتر، وسيطرته على مناطق إستراتيجية في محوري الأحياء البريةوالكازيرما، جنوبي العاصمة طرابلس، بعد أن عززت قواته مواقعها واقتحمت تمركزات مهمة كانت تحتلها قوات الشرق في محاور الخلةوعين زارة“.

ويأتي هذا التطور عقب نجاح القوات التابعة لحكومة الوفاق في السيطرة خلال الأيام القليلة الماضية على محاور قتال ومعسكرات إستراتيجية جنوبي طرابلس، من أبرزها معسكرا حمزة واليرموك والتكبالي، وبذلك فهي تسيطر تقريبًا على 95% من ضاحية عين زارة.

وفي هذا الإطار، فإن موازين القوى العسكرية في ليبيا تسير نحو ترجيح الكفة بشكل واضح لفائدة حكومة الوفاق لتُصبح الفاعل الرئيسي على الأرض ومن يملك مفاتيح حل الأزمة في ليبيا، بغض النظر عن التجاذبات الحادة والمصالح المُتشابكة فيها، خاصة بعد انكسار الآلة الروسية وما رافقها من صور مذلة لانسحاب مرتزقة الفاغنر.

انسحاب وتصدع

صور وفيديوهات مئات المرتزقة الروس التابعين لشركة فاغنرشبه العسكرية، التي تعتبرها مصادر غربية ذراعًا لأجهزة الاستخبارات الروسية، في اتجاههم إلى واحة بني وليد حيث كانت تنتظرهم طائرة نقل من طراز إليوشنلنقلهم فيما بعد إلى قاعدة الجفرة الجوية على بعد 350 كيلومترًا في الشرق قبل عودة محتملة إلى روسيا، أثارت كثيرًا من الجدل بعد أن تم تداولها على نطاق واسع ومثلت لدى كثير من المحللين والمتابعين للشأن الليبي تحولًا إستراتيجيًا في موازين القوى ودليلًا على فشل الروس في ترجيح كفة حليفهم خليفة حفتر.

ووفقًا لتقرير موسع لصحيفة تاغس تسايتونغالألمانية أكد شهود عيان أن طائرات عسكرية روسية غطت فعلًا عملية الإجلاء، حيث أمر رئيس الوزراء فايز السراج بعدم إطلاق النار على الطائرات، وبذلك يكون هجوم اللواء حفتر على غرب ليبيا قد فشل رسميًا“.

على صعيد متصل، أظهر فيديو نشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي انسحاب قوة عسكرية تشادية تقدر بعشرات الآليات من ليبيا إلى العاصمة التشادية إنجامينا، بحسب أحد العناصر في الفيديو، وبين أن القوة المنسحبة بقيادة الجنرال أحمد إبراهيم عبد القادر كانت تتمركز بمدينة سبها في الجنوب الليبي.

وفي ذات السياق كشفت مصادر إعلامية، أن اشتباكات اندلعت بميناء رأس لانوف النفطي بين مرتزقة الجنجويد السودانيين وميليشيا 106 التابعة لخالد خليفة حفتر، نجل اللواء المتقاعد، على خلفية مستحقات مالية، قتل على إثرها ثلاثة عناصر وأصيب اثنان آخران، مضيفةً أن المرتزقة لم يتقاضوا المنح اليومية التي يتقاضونها منذ انسحاب قوات حفتر من قاعدة الوطية الجوية، فيما نشر أحد المرتزقة السودانيين من الجنجويد والتابع للكتيبة 106 التابعة لخالد خليفة حفتر، صورًا على حسابه الخاص بسبب مشكلة مالية، وتوعدهم بمزيد من الفضائح.

نكسات حفتر تتالت ولم تقف عند انسحاب قوات الفاغنر والجنجويد، فرئاسة برلمان طبرق التي كانت تمثل حليفًا رئيسيًا لحفتر من خلال الشرعيةالتي منحته إياها يبدو أنها تسير تدريجيًا نحو التخلص من هذا الرابط، ويظهر جليًا في اللقاءات التي تغيب عنها خليفة حفتر، وآخرها اجتماع رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح بقادة بمليشيا اللواء المتقاعد عبد الرازق الناظوري وصقر الجروشي ومحمد السنوسي وخيري التميمي.

غياب حفتر عن هذا الاجتماع يتزامن مع تسريبات عن خلاف مستمر بين الأخير وصالح، منذ إعلان مجلس نواب طبرق، في 25 من مايو/أيار الحاليّ، رفضه إعلان حفتر تنصيب نفسه حاكمًا على ليبيا، وإسقاط الاتفاق السياسي لعام 2015، فيما تُرجح تقارير أن صالح، وباعتباره وفق ما يسمي نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحةفي إشارة لمليشيات شرق ليبيا، يخطط لتعيين الناظوري خليفة لحفتر، كقائد لتلك المليشيات.

ويرى المحللون أن خسائر حفتر في الغرب تسببت في تصدع داخل معسكره، وكذلك إلغاء اتفاق سياسي مؤخرًا وإعلان نفسه مسيطرًا تمامًا على شرق ليبيا، الأمر الذي أدى إلى نفور العديد من حلفائه السياسيين والقبائل المؤثرة، ومحاولتهم إجراء محادثات استكشافية مع حكومة الوفاق الوطني.

خطوات إلى الوراء

في الخارج كما في الداخل، بدأ العقد ينفرط من حول اللواء المتقاعد، فالداعمون الدوليون يرون أن حملته العسكرية التي أطلقها في أبريل/نيسان 2019 كانت غير فعالة إضافة إلى فشله في إدارة المعركة سياسيًا خاصة بعد توسع دائرة خصومه في منطقة الشرق، وبالتالي فقد تبحث القوى الداعمة وعلى رأسهم روسيا عن بدائل أخرى خاصة بعد أن دعمت موسكو مبادرة سياسية جديدة من رئيس برلمان الشرق، إضافة إلى تأكيد وزير الخارجية سيرغي لافروف خلال اتصال مع عقيلة صالح ضرورة إطلاق حوار ليبي بمشاركة جميع القوى السياسية الفاعلة لوقف التصعيد العسكري.

ويُرجح أن تعدل روسيا موقفها نوعًا ما بعد التطورات الميدانية الأخيرة، فهي من جهة لا تريد بأي شكل من الأشكال الدخول في مواجهة مباشرة مع أنقرة التي تربطها معها علاقات وطيدة وتنسيق كبير في الملف السوري، كما أنها شريك اقتصادي وإستراتيجي وعضو مهم في حلف شمال الأطلسي.

ويبدو أن التطورات الإقليمية الأخيرة ودخول الجزائر على الخط سواء من خلال دعوتها إلى وقف العمليات القتالية في ليبيا والعودة إلى طاولة المفاوضات، أو عبر سعيها إلى تعديل الدستور لضمان المشاركة في عمليات إحلال واستعادة السلام في المنطقة في إطار اتفاقيات ثنائية مع الدول المعنية قد يلجم الآلة العسكرية الروسية في المنطقة.

يجدر بالذكر، أن موسكو جددت دعوتها للرئيس الجزائر عبد المجيد تبون لزيارة روسيا بعد الانتهاء من الوضع الوبائي في الدولتين، وتأتي الخطوة مباشرة بعد تصريحات وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم التي أعلن فيها استعداد بلاده استضافة حوار ليبي للم شمل الفرقاء الليبيين وتقريب وجهات نظرهم، وأكد من خلالها انشغال بلاده البالغ بالتطورات في ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة، وأسفها لما سماه تضارب الأجندات الإقليمية والدولية بشأن ليبيا، وأشار إلى أن تدفق السلاح نحو ليبيا لم يؤجج الحرب الأهلية فحسب، بل ساهم في تسليح المجموعات الإرهابية التي أضحت تهدد أمن المنطقة وتعرقل مسار التسوية السياسية لهذه الأزمة“.

أما الجارة مصر، فهي في موقف لا تُحسد عليه في ظل الهزائم المتتالية لحليفها حفتر وتوجسها من أي دعوة صريحة من حلفائها في باريس وأبو ظبي للانخراط بشكل مباشر في النزاع، فأي خطوة غير مدروسة من القاهرة يُمكن أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع تركيا، وهو أمر لا يؤيده كثير من جنرالات الجيش المصري الغارقين في مستنقع سيناء، وبحسب رسالة حصل عليها موقع أفريكا إنتلجنس، فإن النظام تحت قيادة عبد الفتاح السيسي أصبح يُفكر جديًا في استبدال خليفة حفتر بشخصية أخرى على رأس الجيش، خاصة بعد خسارة قاعدة الوطية العسكرية.

***

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

_________