Minbar Libya

بقلم محمد عمران كشادة

إن سقوط قاعدة الوطية بيد قوات حكومة الوفاق الشرعية يعد مؤشرا قويا على انهيار مشروع حفتر في غرب ليبيا.

.الجزء الأول

لا شك بان استماتة حفتر ودولة الامارات التي تدعمه بقوة للحفاظ على القاعدة، وإرسال منظومات الدفاع الجوي الروسية نوع بانتسير والتي تبلغ تكلفتها عشرات الملايين من الدولارات يؤكد أهميتها الاستراتيجية.

وانه كان يراد لها بان تلعب دور كبير في سير المعارك في غرب ليبيا، وهو دور ازدادت خطورته في ظل التدخل الروسي على الأرض عبر مرتزقة شركة الفاغنر . كما كانت دولة الامارات تريد أن تضمن السيطرة على قاعدة الوطية، بما

يمكنها من الحصول على موطئ قدم في موقع استراتيجي على مقربة من حدود تونس والجزائر، سقطت القاعدة المحصنة بتضاريس الجغرافيا والإنشاءات العسكرية، وتردد صدى سقوطها مزلزلا على خرائط الجغرافيا الليبية لتبدأ قوات حفتر في الانهيار الكبير، وتتراجع مسافة 3 كم بعيدا عن مواقع تمركزها حول طرابلس.

قاعدة الوطية: الأهمية الاستراتيجية

ظلت قاعدة الوطية لفترة طويلة بمثابة العقدة التي تحول دون توحد كل المنطقة الغربية ، لأنها منحت حلفاء حفتر القدرة على الفعل، والتحصن في موقع استراتيجي هام. كما كانت تمثل تهديد خطير لمدينتي الزاوية وزوارة وكل مدن غرب ليبيا التي ترفض مشروع حفتر .

الأربعاء 25 مارس 2020م انطلقت عملية عاصفة السلام واستهدفت قاعدة الوطية الاستراتيجية في غرب ليبيا ، رغم أهمية الهجوم إلا انه كان محدود النتائج ،ولم يتم تحقيق الهدف ألأهم وهو السيطرة على القاعدة شاسعة المساحة والمحصنة جيدا ، كما أن غياب التنسيق بين قوات حكومة الوفاق أدى إلى نتائج عكسية أيضا.

وفي الثلاثاء 5 مايو عام 2020م كانت هناك عملية هجوم ثانية لم يكتب لها النجاح، إلا أن يوم الاثنين 18 مايو عام 2020م كان تتويج لكل الجهود السابقة وتم تحرير قاعدة الوطية.

خريطة غرب ليبيا

توضح هذه الخريطة أهمية قاعدة الوطية، فهي ليست على مقربة من حدود تونس والجزائر فقط، بل يمنحها موقعها الاستراتيجي ميزة بأن تكون نقطة هامة لأي عمليات عسكرية في منطقة البحر المتوسط ، ليس بعيد كثيرا من موقع قاعدة الوطية جزر مالطا وصقلية، ومضيق الرأس الطيب الذي يربط ما بين حوضي شرق وغرب البحر المتوسط.

ولعل الأمريكيين عندما قاموا ببناء قاعدة الوطية في خضم أحداث الحرب الحرب العالمية الثانية كان يدركون جيدا ما قاله الأميرال الأمريكي والخبير الاستراتيجي الفريد ماهان:” إن البحر الأبيض المتوسط سيكون لسيد واحد، وسيقع تحت هيمنة قوة عظمى مسيطرة ستدفع بامتيازاتها في كل الاتجاهات، أو انه سيكون مسرحا لصراع دائم “.

لا شك بأن وجود البانتسير الروسية ومرتزقة الفاغنر في قاعدة الوطية لا يروق للأمريكيين. لن يسمح للروس بالاستمتاع بالمياه الدافئة في هذا المكان، لابد بأن الأمريكيين يعلمون جيدا بأطماع الروس في منطقة أبوكماش على البحر المتوسط منذ أيام الدولة القره مانلية.

معلومات عن قاعدة الوطية الجوية

الاسم السابق قاعدة عقبة بن نافع وبناها الأمريكيين عقب الوصاية الدولية الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا وأمريكا علي ليبيا المستعمرة الايطالية السابقة في عام 1942م .
تقع القاعدة جنوب العجيلات وتابعة إداريا لمنطقة الجميل ، وتتسم القاعدة بموقع استراتيجي هام حيث أنها تغطي كافة المنطقة الغربية وتستطيع تنفيذ عمليات قتالية جوية ضد أهداف عسكرية إن دعت الحاجة للدول المحيطة بليبيا وهي تونس والجزائر. وهي ذات بنية تحتية عسكرية كبيرة حيث تستطيع القاعدة استيعاب وإيواء 7 ألاف عسكري.

تم بناء القاعدة علي أساس التحصينات المحيطة بها من التضاريس الجغرافية، بالإضافة إلى أن القاعدة تمتلك اكبر تحصينات خارجية، حيث أن اغلب المطارات العسكرية الأخري في ليبيا بنيت علي أساس وقوعها في مدينة إستراتيجية مثل قواعد معيتيقة وبنغازي ومصراتة والجفرة وسرت وطبرق وسبها والكفرة ووادي الشاطئ ومرتوبة.

كانت القاعدة في عهد القذافي مركز عمليات لأسطول مقاتلات الميراج، وقد اتسمت القاعدة بالغموض منذ الثمانينات من القرن الماضي، وتعرضت لقصف مكثف من طيران الناتو في عام 2011م ولكنها حافظت علي معظم بنيتها التحتية الأساسية، إلا أن معظم الأضرار لحقت بالطائرات الرابضة ومستودعات الذخيرة بالإضافة لمراكز الرصد والدفاع الجوي.

السؤال المهم هنا هو: ماذا يعني سقوط قاعدة الوطية، وأي مكاسب عسكرية وسياسية تحققت لحكومة الوفاق الشرعية.

بغض النظر عن أهمية قاعدة الوطية في الحرب على طرابلس ، نظرا لقربها الجغرافي حيث تقع على مسافة 140كم جنوب غرب طرابلس، وحاجة حفتر لها في استخدامها كقاعدة لطائراته التي تستهدف طرابلس، فهي أفضل من القواعد الجوية في الجفرة والقرضابية بالقرب من سرت.

إلا انه للقاعدة مهام أخرى، وكان يعول عليها حفتر كثيرا في غرب ليبيا، كما كانت القاعدة أشبه بقنبلة موقوتة إن صح التعبير، إذ يمثل الصراع حولها تحدي كبير لقوى الثورة في غرب ليبيا للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ، بعيدا عن الصراعات الجهوية وحسابات النفوذ بين القوى السياسية المتصارعة، ناهيك عن خطورة دورها في تعزيز مواقع حفتر في مدن الساحل الليبي غرب طرابلس.

ولكي نفهم أكثر بعض الحقائق عن دور وأهمية قاعدة الوطية في مشهد الصراع الليبي يمكن أن نحصرها في النقاط التالية:

أإن قاعدة الوطية بموقعها الاستراتيجي كانت تمثل ورقة رابحة في يد أنصار حفتر من الزنتان والرجبان، فهي تمنح لهم القدرة على التحرك في مساحة واسعة في غرب ليبيا، وهي خط الدفاع الاول عن الزنتان والرجبان في الجبل، تواجد قوات من الزنتان والرجبان في قاعدة الوطية يجعلهم قادرين على إبعاد المعارك عن مدنهم في الجبل.

لا شك بان انقسام الزنتان ما بين مؤيد ومعارض لمشروع حفتر في غرب ليبيا يمثل إشكالية مستعصية على الحل في الأمد القريب، الزنتان في هذه المعركة الدائرة على أطراف طرابلس لم تدخل بكل ثقلها نظرا لان جزء منها موالي لحفتر.

وهذا الجزء الموالي لحفتر لديه تحالف مع جزء أخر من مدينة الرجبان المجاورة موالي لحفتر أيضا. خطورة هذه التحالفات المؤيدة لحفتر في غرب ليبيا تجعل المنطقة أمام سيناريو خطير وهو احتمال تفجر معارك شبيهة بما جرى في فجر ليبيا عام 2014م بل اشد منها وأكثر تعقيدا نظرا للدعم الروسي الذي يتلقاه حفتر ، وقدرته على جلب مزيد من المرتزقة من سوريا وإيران عبر الخط جوي دمشق بنغازي أو اللاذقية بنغازي .

ناهيك عن المرتزقة الأفارقة الجنجويد وغيرهم من تشاد والنيجر والسودان. بل وصل الأمر إلى حد جلب المرتزقة من اليمن من حلفاء الامارات من مقاتلي الحراك الجنوبي. هذه الأخطار والتحديات المصيرية تكون أكثر قابلية للتحقق وقاعدة الوطية في يد حلفاء حفتر .

يتبع في الجزء التالي

***

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

__________

(وحدة ليبيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية بتونس)