Minbar Libya

بينما يخسر خليفة حفتر، ترهونة، آخر مدينة كان يسيطر عليها في غرب ليبيا، هل تجد باريس نفسها مُستَبعدة من ليبيا؟

نشرت مجلة «بوليتيكو» الأمريكية تقريرًا أعدته الكاتبة الصحفية ريم ممتاز، تحدثت فيه عن الهزائم الأخيرة التي منيت بها قوات ما يعرف بـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر أمام قوات «حكومة الوفاق الوطني» المدعومة من تركيا، وموقف فرنسا إزاء تلك التطورات.

تقول الكاتبة في مستهل التقرير: إن انهيار هجوم الرجل القوي في ليبيا حفتر على العاصمة طرابلس، بفضل التدخل العسكري التركي، كشف عن عدم قدرة أوروبا على تشكيل ملامح النزاع الدائر على حدودها، وترك فرنسا تحاول تحويط رهاناتها في ليبيا.

سقوط شديد الرمزية

ويوم أمس الجمعة، مُنِي حفتر بأكبر هزائمه منذ بداية حملته العسكرية في أبريل (نيسان) 2019. واستغرق الأمر ساعات قليلة فقط من حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من الأمم المتحدة والمدعومة من تركيا، لطرد قوات حفتر من مدينة ترهونة جنوب غرب ليبيا، آخر المدن التي كان يسيطر عليها غرب البلاد.

ينقل التقرير عن طارق المجريسي، الباحث المتخصص في الشؤون الليبية بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قوله: إن سقوط ترهونة كانت له دلالة شديدة الرمزية؛ إذ لم تشهد المدينة معركةً كبيرةً، وهذا أمر مهم لأنها نهاية هذا الفصل، وليس ثمة هجوم آخر غرب ليبيا.

يتابع التقرير الذي ساعد في إعداده جاكوبو باريجازي: دعمت فرنسا حفتر، الأمر الذي جعلها على خلاف مع الشركاء داخل الاتحاد الأوروبي. لكن مع تغير الأمور خلال الأسابيع الأخيرة، حاولت فرنسا بلطف إقناع حفتر، الرجل الزئبقيّ الذي يثقل جعبته بما لا يستطيع حمله، بالمشاركة في محادثات وقف إطلاق النار التي جرى الاتفاق عليها في مؤتمر برلين للسلام في يناير (كانون ثاني) الماضي، قبل أن يفقد حفتر كل مكاسبه العسكرية.

ماذا تفعل فرنسا إذا تقاسمت روسيا وتركيا الكعكة الليبية؟

وصرح مسؤول بمكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «هناك أزمة ليبية تزداد تعقيدًا بسبب التدخلات الأجنبية … إذا تدخل الروس لصالح حفتر والأتراك لصالح حكومة الوفاق الوطني، ثمة سيناريو أسوأ ألا وهو أنهم سيتفقون على إطار سياسي بشروطهما». لكن لا يزال البعض متشككًا حيال حماس فرنسا الجديد لعملية السلام في برلين.

يضيف المجريسي «السؤال الذي يطرحه الجميع هو: هل ينتاب الفرنسيون الهلع لأن تركيا وروسيا على ما يبدو سيقسمان ليبيا بينهما، وستُستَبعَد هي من المشهد، أم هل تحاول فرنسا إنقاذ صورتها والحفاظ على وقف إطلاق النار قبل الانهيار الكامل لحفتر؟»

ويلفت التقرير إلى أن الصراع الليبي يشكل مخاطر أمنية وجغرافية سياسية حيوية بالنسبة لأوروبا. ولكن مع عدم وجود سوى مهمة بحرية ثقيلة الحركة وقليلة الموظفين لمراقبة حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، ودخول العملية السياسية التي بدأتها برلين في طي النسيان، فإن أوروبا لا تكاد تستطيع التأثير على النزاع الليبي.

الموقف الفرنسي «الغامض» إزاء النزاع الليبي

يتابع تقرير «بوليتيكو»: بدلًا من ذلك، فإن تركيا، وروسيا بدرجة أقل، استغلتا الفرصة ونشرتا الأفراد والأسلحة. أما فرنسا فاتخذت موقفًا غامضًا، إذ كانت قلقة من امتداد آثار الصراع من ليبيا إلى منطقة الساحل، حيث تقود القوات الفرنسية مهمة لمكافحة الإرهاب منذ فترة طويلة.

تقول فرجينيا كلومبيه المتخصصة في الشؤون الليبية بمعهد الجامعة الأوروبية: «كانت مكافحة الإرهاب هي الإطار العام للسياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة منذ عام 2015»، في إشارة إلى الهجمات الإرهابية التي وقعت في العاصمة باريس عام 2015 والمهمة الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.

بالإضافة إلى ذلك، تحرص فرنسا على الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الإمارات، التي تستضيف قاعدة عسكرية فرنسية، وهي ثاني أكبر مشترٍ للأسلحة الفرنسية، كما تحرص على منع التحركات التركية التي تتزايد حزمًا في ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

تضيف فرجينيا: «لذا ففي السنوات القليلة الماضية، كانت فرنسا تدعم العملية التي تقودها الأمم المتحدة للتوسط في حل سياسي بين الأطراف المتحاربة، بينما تقدم أيضًا الدعم لحفتر»، إذ يُنظر إلى حفتر باعتباره الرجل القوي الذي استطاع منع الجهاديين من إحراز مزيد من التقدم على الأرض.

تواصل مستمر بين فرنسا وحفتر

تكمل الكاتبة تحليلها للمشهد قائلة: بيدَ أن ادعاء حفتر أنه في طليعة القوى المناهضة للحركة الجهادية انهار مساء أمس الجمعة. وقال المتحدث باسم حفتر «لم تعد هذه معركة ضد الإرهاب أو التطرف، بل أصبحت معركة جهاد مقدس».

وفي تصريحات للصحفيين يوم الخميس الماضي قال السفير الأمريكي إلى ليبيا ريتشارد نورلاند: إن ماكرون كان على تواصل مع حفتر. فيما صرح مسؤول بقصر الإليزيه بأن ماكرون عمل كثيرًا على استئناف محادثات وقف إطلاق النار، لكنه رفض تأكيد ما إذا جرت مكالمة هاتفية بين الاثنين مؤخرًا، مكتفيًا بالإشارة إلى محادثة أجرياها في مارس (آذار) الماضي.

واعترف المسؤول بأن فرنسا تتواصل على مختلف المستويات مع حفتر ودائرته، كما تتواصل مع رئيس الوزراء الليبي فايز السراج، الذي أجرى وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان اتصالًا هاتفيًا معه في 31 مايو (آيار) الماضي.

مساعٍ أوروبية لحمل روسيا على الالتزام بحظر الأسلحة على ليبيا

ويوم أمس الجمعة، اعتُمِد بالإجماع قرار مجلس الأمن لتجديد الإطار القانوني لعملية الاتحاد الأوروبي المعروفة باسم «إيريني»، التي تهدف إلى فرض حظر الأسلحة على ليبيا.

ويذكر التقرير أنه على مدى الأسبوعين الماضيين، حاول دبلوماسيون تخفيف الاعتراضات والمخاوف الروسية بشأن هذه العملية. ويوم الثلاثاء الماضي قدمت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية تفاصيل حول نطاق المهمة، وذلك خلال إحاطة مغلقة لمجلس الأمن بناء على طلب روسيا، فضلًا عن اتصالات دبلوماسية بين باريس وبرلين وموسكو، وفقًا لما صرح به دبلوماسي أوروبي بمجلس الأمن.

وقال الدبلوماسي إن الاتحاد الأوروبي يتودد قليلًا إلى روسيا للحصول على تفويض ببدء عملية عسكرية أوروبية… كما أن العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي معقدة بسبب العقوبات التي يفرضها الاتحاد على موسكو منذ ضمها شبه جزيرة القرم، لذا فليس طبيعيًا أن يكون رد الروس بـ «نعم» على الاتحاد الأوروبي.

فورين بوليسي: بعد وصول مقاتلات روسية إلى ليبيا.. هذا هو موقف أمريكا

في غضون ذلك، عززت روسيا من وجودها العسكري في ليبيا عن طريق إرسال مرتزقة سوريين وما يصل إلى 14 من مقاتلاتها لدعم حفتر، مما أعطى قواتها موطئ قدم في ليبيا يمكن أن يهدد مباشرة الحدود الجنوبية لأوروبا، بحسب التقرير.

وامتنعت فرنسا عن إدانة التصعيد الروسي الأخير، على الرغم من أن ماكرون دان تركيا علانيةً لفعلها الأمر ذاته في يناير الماضي. وصرح مسؤول مكتب ماكرون إن جميع الأمور ليست متشابهة داخل ليبيا.

ومضى يقول إن السلوك التركي داخل ليبيا وعلى الحدود البحرية في شرق المتوسط يخلق حقائق على الأرض عند حدود أوروبا بما يهدد أمننا.

__________