Minbar Libya

بقلم قطب العربي

الهزائم المتتالية التي منيت بها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في الغرب الليبي دفعت نظام السيسي للمسارعة بدعوة حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، اللذين أدركهما الغرق، إلى لقاء عاجل في القاهرة لتدارس الموقف، وبحث طرق الإنقاذ العاجلة، وتمخض الجبل فولد فأرا.

تمثل ذلك في مبادرة سياسية أعلنها السيسي في مؤتمر مشترك مع ضيفيه الليبيين، وكان أبرز بنودها هو وقف القتال يوم غد الاثنين، مع التحرك لانتخاب مجلس رئاسي تحت إشراف دولي يمثل الأقاليم الليبية الثلاثة.

وحين يتحدث السيسي عن وقف إطلاق النار خلال 48 ساعة فإنه لا يملك سلطة لتنفيذ ذلك، ولكنه يستهدف حشد ضغط دولي داعم له. ورغم أن بعض العواصم عبرت عن ترحيبها بمبادرة السيسي، وأهمها واشنطن وموسكو وباريس، إلا أن هذا الترحيب سيبقى في إطار شكلي مجاملاتي“.

كما أن فكرة انتخاب أو اختيار مجلس رئاسي من رئيس ونائبين التي طرحتها مبادرة السيسي ليست جديدة، فهي مطروحة دوما على كل طاولات الحوار السابقة، وبالتالي فإن المبادرة التي طرحها وانصرف دون السماح بأي أسئلة للصحفيين؛ لم تأت بجديد. وهي مجرد قفز في الهواء، وقد ولدت ميتة بعد إعلان رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا رفضها، وكذا سخرية المتحدث العسكري لقوات الوفاق منها عقب إعلانها مباشرة.

وكل ما يريده السيسي الآن من خلال هذه المبادرة هو حجز مكان له على طاولة المفاوضات التي قد تنطلق قريبا في إحدى العواصم الكبرى المعنية بالأزمة الليبية، سواء برلين أو موسكو أو روما، أو ربما جنيف.

استدعاء السيسي لحفتر وصالح استهدف أيضا إعادة الدفء للعلاقة بينهما، بعد أن اعتراها البرود والوهن مؤخرا نتيجة الهزائم المتتالية لقوات حفتر، والتي دفعت عقيلة صالح (وبنصائح روسية) لتقديم مبادرة سياسية لتشكيل مجلس رئاسي ثلاثي وحكومة وصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية جديدة.. الخ،

وهي المبادرة التي رد عليها بشكل إيجابي فايز السراج رئيس حكومة الوفاق مع رفض لبعض بنودها، وخاصة ذاك الذي فُصّل خصيصا للإبقاء على حفتر وزيرا للدفاع وقائدا للجيش دون تسميته مباشرة.

كما أن العلاقة بين حفتر وعقيلة صالح توترت بعد إسقاط حفتر للاتفاق السياسي (اتفاق الصخيرات2015)، ودعوته الليبيين للنزول لإسقاط هذا الاتفاق، ولتفويضه على شاكلة تفويض السيسي، حيث إن إسقاط هذا الاتفاق يعني مباشرة إسقاط عقيلة صالح وبرلمانه باعتباره من مخرجاته.

وللطرافة فهذا البرلمان هو الذي عيّن حفتر قائدا عاما لما يسمى الجيش الليبي، وهو الذي منحه رتبة المشير، وبالتالي فقد سارع السيسي لإنقاذ هذه العلاقة التي تزداد تدهورا بين حفتر وصالح مع تزايد الهزائم وتوالي تقدم قوات الوفاق.

فنظام السيسي الذي استثمر في الرجلين كثيرا لتنفيذ أجندته في ليبيا لا يريد أن تتدهور الأمور بينهما أكثر من ذلك، وهو ما سينعكس سلبا على أحلامه.

السيسي الذي كان الداعم الأكبر لاستمرار الحرب حتى تحقيق مشروعه كاملا بتولية حفتر رئيسا لليبيا، وضيفاه الليبيان اللذان كانا أيضا دعاة حرب لا هوادة فيها، يستغيثون العالم الآن لوقف المعارك، ويستجدون السلام الذي طالما رفضوه من قبل في العديد من المحاولات، والتي كان آخرها لقاء موسكو في كانون الثاني/ يناير الماضي، والذي هرب منه حفتر ليلا دون التوقيع على اتفاقه النهائي.

وكذا مؤتمر برلين في كانون الثاني/ يناير أيضا، الذي لم يلتزم حفتر بدعوته لوقف القتال، وهو ما منح حكومة الوفاق مبررا لإطلاق عملية عاصفة السلام في 27 آذار/ مارس، والتي حررت بموجبها مدن الساحل الغربي وقاعدة الوطية ومدينة ترهونة، وانطلقت لتحرير ما تبقى.

في المقابل، فإن حكومة الوفاق التي نجحت في تحسين وضعها كثيرا مؤخرا بعد انتصارات قواتها وتحرير المناطق التي سبق لحفتر احتلالها في المنطقة الغربية، تبدو مصممة على استكمال عملياتها لتحرير بقية المواقع الاستراتيجية، سواء قواعد عسكرية أو حقول نفط.

كما أن رئيسها فائز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري جددا رفضهما لأي دور سياسي لخليفة حفتر، وعدم الجلوس معه على طاولة واحدة، وإن كان هذا لا يعني رفض فكرة الحوار مع بقية القيادات الشرقية. بل إن السراج كما ذكرنا رد بشكل إيجابي على مبادرة عقيلة صالح حين طرحها في نهاية نيسان/ أبريل الماضي.

كما أن اتفاق الصخيرات نفسه يكلف كلا من البرلمان والمجلس الأعلى للدولة بإدارة حوار سياسي لحسم أي خلاف. والمعروف أن البرلمان الحالي أصبح يمثل المنطقة الشرقية من خلال رئاسة عقيلة صالح له، بينما يمثل المجلس الأعلى عمليا الغرب برئاسة خالد المشري له.

هزائم حفتر المتتالية تمثل هزائم لنظام السيسي وبقية محور الشر العربي، وما لم يستطع السيسي ومحور الشر فعله بالحرب، والدعم العسكري والمالي، فإنهم يسعون لفعله الآن عبر مبادرة سياسية غير واقعية لا ترى التغييرات الجارية على الأرض الليبية، وتعيش في واقعها الافتراضي. وهي لا ينطبق عليها وصف المبادرة لأن المبادرات عادة تراعي الأطراف التي تستهدفها، وتتم بعد تشاور معها، أو استمزاج مواقفها، ولكننا أمام قرار، وكأن من يطرحه يملك أدوات تنفيذه بالقوة، وهو أمر غير حقيقي.

الخوف الآن هو أن السيسي لا يجد أمامه منفذا سوى التحرك لتقسيم ليبيا، ليشكل دولة على مقاسه في إقليم برقة، ويعين على رأسها جنرالا مواليا له، ولكنه (ولسوء حظه مجددا) لن يكون حفتر، لأن الجنرال لا ينتمي للشرق الليبي اجتماعيا، بل للغرب، وهكذا تبدو كل الأبواب موصدة في وجه السيسي في ليبيا.

__________