Minbar Libya

أصبح ينظر إلى معركة سرت بين قوات حكومة الوفاق وميليشيات حفتر على أنها معركة مفصلية في النزاع الليبي، فلماذا يولي الأطراف كل هذه الأهمية الاستراتيجية لسرت التي جعلتها محط أنظار ليس الليبيين فقط بل المنطقة كلها.

وسرت؛ هي مدينة ساحلية تطل على البحر الأبيض المتوسط، وتقع في منتصف الساحل الليبي بين مدينتي طرابلس وبنغازي، وهي مسقط رأس القذافي .

وهي ليست مدينة كبيرة حتى بالمعيار الليبي، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 79 ألف نسمة وفقاً لتقديرات عام 2012.

خط أحمر.. هل سرت جزء من الشرق أم الغرب الليبي؟

تحاول وسائل الإعلام المقربة لحفتر، والدول المؤيدة له تصوير سرت على أنها خط أحمر دولي، ويبدو أنه في ظل إخفاقها في وقف الهجوم بالطرق العسكرية على المدينة فإنها تحاول استخدام العوامل النفسية، تارة عبر تسريب شائعات بأن روسيا أبلغت حكومة الوفاق بضرورة عدم اقتحام سرت، وتارة أخرى بمحاولة الترويج على أن سرت خط أحمر مصري باعتبارها مفتاح الشرق.

والأسوأ محاولة استنفار سكان شرق ليبيا، ومحاولة تصوير الهجوم على سرت بأنه هجوم من غرب ليبيا على شرقها، رغم أن هي جزء من الشرق الليبي وكانت خاضعة لحكومة طرابلس أغلب الوقت منذ إسقاط القذافي.

إذ إن الخطير أن حفتر وعقيلة صالح بعد فشل الهجوم على طرابلس الذي كان يبرر بمحاربة الإرهاب والحفاظ على وحدة ليبيا فإنهما باتا يركزان على الحقوق المزعومة للأقاليم ولاسيما المنطقة الشرقية، وهو ما ظهر في مبادرة عقيلة صالح.

ولأن سرت هي مسقط رأس القذافي، فهذا يجعل جزءاً من سكانها قلقين من حكومة الوفاق باعتبارها ثورية، إلا أن الواقع أن فترة حكومة الوفاق شهدت محاولات لتعويض السكان عن أي انتهاكات وقعت بالمدينة.

وفي مواجهة هذه التلويحات من قبل حفتر وحلفائه.. قال وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا إن حكومته لن تدخل في محادثات سياسية مع قوات شرق ليبيا إلا بعد استعادة مدينة سرت وقاعدة الجفرة.

قلب ليبيا القليل السكان

لفهم أهمية سرت يجب فهم الجغرافيا الليبية، التي تتسم بخلو البلاد من منطقة مركزية.

ففي أغلب دول العالم تتواجد العاصمة في وسط البلاد بين أقاليمها مثل القاهرة وبغداد، أو في إقليم مركزي يميل إلى أنه يكون في المنتصف وأحياناً يكون في طرف البلاد، ولكنه يكون كثيف السكان وغني الموارد (فرنسا) بحيث يسهل السيطرة منه على بقية البلاد.

ولكن جغرافية ليبيا مختلفة

إذ تتكون البلاد من ثلاثة أقاليم طرفية، إقليمان منها بهما كتل سكانية كبيرة وهما طرابلس وبرقة، وخلق هذا تاريخياً قدراً من اللامركزية وأحياناً التنافس بين إقليمي طرابلس وبرقة، حيث تتفوق طرابلس في السكان والثراء، بينما تتميز برقة بقوة العصب والطبيعة الجبلية التي جعلتها مركز مقاومة الاستعمار.

المنطقة الوسطى تصل بين الأقاليم الثلاثة، وهي أقل سكاناً من برقة وطرابلس وأقل في كمية الأمطار التي تسقط عليها وهي فعلياً موزعة بين طرابلس وبرقة.

الأهمية الاستراتيجية لسرت

تقع سرت في الشطر الطرابلسي من المنطقة الوسطى إذا صح التعبير، ويعطيها هذا ميزات جغرافية مهمة للغاية، فهي تمثل نهاية الغرب الليبي، ونقطة انطلاق للشرق.

إذ إنها نقطة مواصلات تربط إقليم طرابلس بإقليم برقة وكذلك إقليم فزان الجنوبي.

فهي على بعد نحو 450 كلم من العاصمة طرابلس ونحو 400 كلم جنوب شرق مدينة مصراتة و600 كلم إلى الجنوب الغربي من بنغازي.

كما تحتوي على قاعدة القرضابية الجوية وميناء بحري، وغير بعيد عنها تقع قاعدة الجفرة الجوية وهي من أكبر القواعد العسكرية الليبية، وتشكل غرفة عمليات رئيسية لقوات الجيش الليبي وغرفة وصل بين مناطق شرق ليبيا وغربها.

أي إنها تمنح من يسيطر عليها منفذاً إلى قاعدة الجفرة العسكرية الرئيسية التي تقع جنوب سرت.

هل تصبح منطلقاً للتوجه نحو الشرق؟

تمثل سرت نقطة دفاع رئيسية عن إقليم طرابلس ونقطة تمهيدية إذا أرادت حكومة الوفاق تحرير الشرق من سيطرة حفتر، وهو هدف بدأت تتحدث عنه حكومة الوفاق بعد دحر هجوم حفتر على طرابلس.

ولكن بينما يحاول حفتر وعقيلة صالح وداعموه خلق شقاق بين حكومة الوفاق وبين أهل الشرق وتصويرها على أنها حكومة طرابلسية، فإن قيام هذه الحكومة بتحرير شرق ليبيا أمر مستبعد في الوقت الحالي على الأقل.

الهدف القادم.. الهلال النفطي

أكثر ما يخشاه حفتر، وعقيلة صالح، هو أن سرت تفتح الطريق باتجاه منطقة الهلال النفطي في وسط البلاد، بعدما أوقف حفتر إنتاج النفط.

 وسيطرة حكومة الوفاق على هذه المنطقة من شأنها استئناف إنتاج النفط، وضخ المال في أروقة حكومة الوفاق لتستكمل دورها، ومن المعروف أن هذه الحكومة كانت هي تصرف الرواتب لمناطق الشرق الليبي الخاضعة لحفتر.

والأهم أن هذا من شأنه إعطاء حكومة الوفاق زخماً أكبر في علاقتها مع الدول المتطلعة إلى النفط الليبي مثل فرنسا وإيطاليا وروسيا وأمريكا، ويقوي موقفها التفاوضي.

هل يمثل سيطرة الوفاق على سرت تهديداً للأمن القومي المصري؟

سيطرة حكومة الوفاق لن تؤدي إلى تهديد يذكر للأمن القومي المصري، عكس ما يروجه من يحاولون تعبئة الشعب المصري وحكومته؛ لأن سرت كانت دوماً تابعة للحكومات القائمة في طرابلس، وهي جزء طبيعي من الغرب الليبي.

كما أنها كانت خاضعة لقوات حكومة الوفاق قبل أن يقتحمها حفتر في بداية عام 2020، أي إنها ظلت موالية للوفاق لعدة أشهر بعد بدء هجوم قوات حفتر على طرابلس.

كما أن عملية البنيان المرصوص التي نفذتها قوات حكومة الوفاق قبل سنوات هي التي حررت سرت من داعش الذي سبق أن نفذ جريمة نكراء في المدينة بإعدام 21 مصرياً قبطياً مصرياً عام 2015.والأهم أن حكومة الوفاق لم تخف رغبتها في إقامة علاقة طبيعية وسوية مع مصر، بل إن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، سبق أن استقبل فايز السراج وأبرم معه مذكرات تفاهم باعتباره رأس الدولة الليبية.

هذه أسباب انهيار قوات حفتر

بخطى متسارعة وخلال أيام معدودة، انحسر وجود قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر أكثر في غرب ليبيا، بعد سيطرة قوات حكومة الوفاق الوطني على المناطق التي كانت نتنشر فيها قوات حفتر غرب البلاد، وصولا إلى مشارف مدينة سرت شمال البلاد.

وتراجعت قوات حفتر مئات الكيلومترات عن طرابلس ومدن الغرب الليبية رغم الدعم السخي من عدة دول بينها روسيا وفرنسا والإمارات، مما ينبئ بفشل الحملة على العاصمة كما يقول متابعون.

ويرى محللون ومسؤولون حكوميون أن تطوير المعدات العسكرية الليبية بعد الاتفاقية الموقعة بين الحكومتين الليبية والتركية نهاية العام الماضي، ساهمت في تضييق الخناق على قوات حفتر ميدانيا على الأرض.

انهيار غير مفاجئ

وأكد الناطق باسم عملية بركان الغضب مصطفى المجعي أن انهيار قوات حفتر لم يكن مفاجئا، خاصة بعد إطلاق حكومة الوفاق عاصفة السلام نهاية مارس/آذار الماضي.

وقال المجعي غرفة عملية بركان الغضب انتهجت إستراتيجية الاستنزاف وقطع إمدادات قوات حفتر، وصار أي إمداد من الوقود أو الأسلحة أو التموين يأتي إلى المنطقة الغربية يقصف مباشرة من قبل سلاح الجو“.

ويعتقد المجعي في تصريحه للجزيرة نتأن الروح الانهزامية التي أصابت قوات حفتر بعد تخلي مرتزقة فاغنر عنهم، ساهمت في سقوطهم دراماتيكيا في أيام معدودة، رغم توفر العتاد والذخيرة اللذين عثرت عليهما قوات الوفاق في ترهونة والمناطق المحررة.

وأشار إلى أن الاتفاقية الأمنية الليبية التركية مكنت قوات الوفاق من تعطيل طيران حفتر فوق طرابلس، إضافة إلى ضرب الدفاعات الجوية والخطوط الخلفية لقواته.

واعتبر أن صفحة حفتر ومشروعه الاستبدادي القادم من خلف الحدود يطوى بعودة سرت إلى سلطان حكومة الوفاق، مشيرا إلى أن داعمي حفتر قد يبحثون عن بديل له.

عجز وتصدع

ومن وجهة نظر عضو المجلس الأعلى للدولة بالقاسم دبرز، فإن من أسباب تقهقر وتراجع مسلحي حفتر: العجز عن تحقيق أي تقدم على الأرض طوال الأشهر الماضية، مما تسبب في تصدع في الجبهة الداخلية.

وأضاف دبرز للجزيرة نت أن السيطرة على مدن الساحل الغربي وتحرير قوات حكومة الوفاق قاعدة الوطية الجوية الإستراتيجية المهمة، كانت الضربة القاصمة التي أنهت أحلام حفتر“.

وأوضح أن تحرير محاور جنوب طرابلس عجل ببسط السيطرة على مدينة ترهونة وانهيار قوات حفتر في مناطق أخرى، وتراجعها لأكثر من 450 كيلومترا.

الاتفاق الليبي التركي

وبدوره، يؤكد القيادي في الجيش الليبي العميد الطاهر الغرابلي أن من أكثر العوامل أهمية في انهيار قوات حفتر هو تعزيز القدرات القتالية لقوات حكومة الوفاق بعد الاتفاق الليبي التركي، وهو أمر لا يخفيه أحد.

وأردف قائلا هناك تعزيزات قتالية من طيران مسير وعربات متطورة وأسلحة مختلفة أضيفت إلى قوات حكومة الوفاق، إضافة إلى إيمان شبابنا بالقضية التي يدافعون عنها وهي التي صنعت الفارق“.

وصرح الغرابلي للجزيرة نت أن قوات حفتر هي عبارة عن مليشيات غير موحدة متعددة الجنسيات، وهو ما سبب ضعفا في قوتها وتماسكها وانهيارها سريعا، بعد الخلل في المواقع القتالية الدفاعية التي لم يستطع حفتر سدة فجوتها.

ويرى الغرابلي أن المهمة المقبلة لقوات الوفاق هي استغلال الظرف الذي تمرّ به قوات حفتر بالسيطرة على كامل الجنوب الليبي المهيأ الآن، إضافة إلى تحرير الجفرة والمناطق المحيطة.

واعتبر أن سرت هي مفتاح المنطقة الشرقية والخط الدفاعي القوي الذي تتحصن عنده مليشيات حفتر والجبهة الشعبية التابعة للنظام السابق، مشيرا إلى أن تحرير سرت يسهل العمليات العسكرية إلى مدينة أجدابيا شرقا.

قوات الوفاق بعد دخولها مناطق داخل الحدود الإدارية لسرت (الأناضول)

خط دفاعي حصين

من جهته، أكد الخبير العسكري عادل عبد الكافي أن إرادة الجيش الليبي والوحدات المساندة في حكومة الوفاق على مدى أكثر من عام، في إقامة خط دفاعي لصد المرتزقة ومسلحي حفتر، ساهم في انتهاء العمليات العسكرية حول طرابلس.

وتابع قائلا التطور في العلاقة بين الدولة الليبية والتركية أحدث توازنا سياسيا وعسكريا، بعد جلب بعض الأسراب من الطائرات المسيرة والمعدات العسكرية المتطورة التركية، والتعامل باحترافية أكبر لاستهداف مواقع مسلحي حفتر“.

وأوضح عبد الكافي للجزيرة نت أن الدول الداعمة لحفتر وعلى رأسها الإماراتفشلت في مجاراة القوة التركية، رغم وجود قوات إماراتية في قاعدة الخادم الجوية ومرتزقة فاغنر الروسية ومرتزقة تشاديين وجنجاويد وبعض المليشيات المحلية.

وأفاد عبد الكافي بأن طول خط إمداد حفتر من بنغازي شرقا إلى طرابلس، ساهم مع طول مدة الحربفي سهولة استهداف قواته وانكشافها لمئات الكيلومترات أمام الطيران المسير.

واعتبر أن آخر ورقة يغامر بها حفتر بعد دخول قوات الوفاق إلى سرت، هي إشعال الصراع على حقول وموانئ النفط الواقعة في منطقة الهلال النفطي وسط ليبيا.

___________