Minbar Libya

بينما تكثف موسكو من تدخلها في الصراع الليبي، تصّعِد وزارة الخارجية الأمريكية من ضغوطها لمجابهة زعزعة روسيا لاستقرار ليبيا.

نشر موقع «المونيتور» المتخصص في متابعة شؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تقريرًا لمحلل الشؤون السياسية والعسكرية الشرق أوسطية، كيريل سيمينوف، حول مستجدات الصراع الليبي، والتفاهم التركي – الروسي في هذه الساحة، والنتائج المترتبة عليه.

يقول سيمينوف، الخبير غير المقيم في المجلس الروسي للشؤون الدولية، في مستهل التقرير: «إن الولايات المتحدة تكثف ضغوطها على موسكو في خضم زيادة التدخل الروسي في الصراع الليبي، ودورها المتنامي في دعم المشير المتمرد خليفة حفتر، قائد ما يُعرف بـ الجيش الوطني الليبي».

ينوه سيمينوف عن إشادة الخارجية الأمريكية بإعلان الحكومة المالطية في 26 مايو (أيار) احتجاز 1.1 مليار دولار من العملة الليبية المزيفة التي طبعتها شركة جوزناك الروسية بأوامر من المصرف المركزي ببنغازي والتابع لحفتر في شرق ليبيا.

الدور الروسي المزعزع للاستقرار داخل ليبيا

وتعتقد واشنطن أن هذ الحادث يسلط الضوء مجددًا على دور روسيا في زعزعة استقرار ليبيا، وأهمية مجابهة الكرملين في ذلك الصدد. وردت شركة «جوزناك» الروسية بأن فريق الخبراء المعني بالشأن الليبي داخل مجلس الأمن لا يعتبر شحن هذه الأوراق النقدية من روسيا خرقًا لنظام العقوبات.

بدوره، قال الجنرال ستيفن تاونسند، رئيس «القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم، لوزير الدفاع التونسي عماد الحزقي خلال اتصال هاتفي بين الجانبين في 28 من مايو الماضي إنه مستعد لنشر إحدى ألوية المساعدة الأمنية الأمريكية في تونس، مشيرا إلى مخاوف بشأن أنشطة روسيا في ليبيا.

واتفق مسؤولون تونسيون وأمريكيون على التعاون لضمان الأمن الإقليمي ومواجهة التصعيد على الأرض ردا على النشاط العسكري الروسي المكثف. وأفاد بيان صادر عن أفريكوم بأنه «بينما تؤجج روسيا الصراع في ليبيا، أصبح الأمن في شمالي إفريقيا مصدر قلق متزايد. سنبحث عن طرق جديدة لمعالجة مخاوفنا الأمنية المشتركة مع تونس».

وفي 26 من مايو الماضي، أفادت أفريكوم بأن روسيا نشرت طائرات مقاتلة بالقواعد الجوية التابعة لسلاح الجو بالجيش الوطني الليبي التابع لحفتر. وقال ممثلو «أفريكوم»: «إن روسيا أرسلت ما يصل إلى 14 طائرة من طراز (ميج-29) و(سو-24) إلى ليبيا. بيدَ أن البيانات التي نشرها وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، فتحي باغاشا، تبدو أجدر بالتصديق»، بحسب التقرير.

وصرح باغاشا بأن هناك ست طائرات من طراز (ميج-29) وطائرتين من طراز (سو-24) تحت تصرف قوات شرق ليبيا، أو ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي». وعلى الرغم من أن لروسيا علاقة لا تقبل الشك بنقل الطائرات إلى ليبيا، فلم

يعد ممكنًا اعتبار هذه الطائرات روسية؛ بعدما تسلمها سلاح الجو التابع لحفتر، وبات يمتلكها الآن.

روسيا تتملص من العقوبات عن طريق الأسد

لذلك، قد يكون الأمر مجرد انتهاك روسي لحظر الأسلحة، عوضًا عن كونه مشاركة عسكرية فعلية داخل ليبيا. ونتيجة لذلك، يمكن لأنظمة الدفاع الجوي التركية المتمركزة في ليبيا أن تدمر هذه المقاتلات دون التسبب في مواجهة مباشرة مع روسيا، بحسب الكاتب.

إن منظومات صواريخ «هوك» التركية الموجودة في القواعد العسكرية الليبية والفرقاطات التركية من فئة (ج) (التي كان يُطلق عليها سابقًا فرقاطة أوليڤر هازرد پري) والمجهزة بصواريخ مضادة للطائرات قرابة ساحل ليبيا، من شأنها أن تقلل جدًا من إمكانية استخدام هذه الطائرات.

ويجب الأخذ في الاعتبار أن المقاتلة (ميج-29) مصممة أولا وقبل كل شئ لاعتراض الطائرات، وهي مزودة بقدرات قتالية محدودة للغاية يمكنها تهديد الطائرات التركية دون طيار التي تحلق فوق مواقع ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي»، أكثر من تهديدها للمنشآت العسكرية والوحدات البرية التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن استبعاد أن تكون هذه الطائرات، التي نشرت في ليبيا، تؤول لترسانات النظام السوري وليس روسيا. وبحسب ما أفادت به تقارير إخبارية، فإنه قد جرى التفاوض في أبريل (نيسان) الماضي على إرسال طائرات (ميج–29) سورية إلى ليبيا.

وسلمت روسيا مجموعة من الطائرات المتطورة من طراز (ميج–29) إلى سلاح الجو السوري في 30 مايو الماضي في قاعدة حميميم الجوية الروسية. وربما حصلت سوريا على المقاتلات مقابل تلك التي أرسِلت إلى حفتر. وبالتالي تحاول روسيا استغلال سوريا لحماية نفسها من العقوبات المحتملة جزاء تعاملها مع حفتر.

ميليشيات شيعية تقاتل إلى جانب حفتر

ووفقًا لتقارير إخبارية، يتزايد حاليًا تجنيد السوريين والفلسطينيين المقيمين في سوريا من أجل المشاركة في العمليات العسكرية داخل ليبيا لصالح الجيش الوطني الليبي، وتحديدًا ميليشيا لواء القدس الفلسطينية الموالية لنظام الأسد، التي تستعد للانتشار في ليبيا، ويبدو أن مقاتليها سيكونون قادرين على أن يحلُّوا محل المرتزقة الروس.

وتعبر هذه الخطة عن نوايا روسيا لإخفاء دورها المؤيد لحفتر، وإعادة تكليف النظام السوري بهذه المهمة. وتجد مثل هذه التكتيكات صدى عند الإمارات، الممول الرئيس لحفتر، والتي تعمل أيضًا على إصلاح علاقاتها مع سوريا المدمرة اقتصاديًا. وفي الواقع، قد تقدم أبوظبي مساعدة مالية لدمشق.

وبالرغم من انخراطها في تجنيد السوريين، وتزويد حفتر بطائرات حربية، لا تسعى روسيا لتغيير دفة الحرب. علاوة على ذلك، لا يفترض أن تسمح الإجراءات المتخذة للجيش الوطني الليبي بشن هجوم على طرابلس، بل تهدف بدلًا عن ذلك إلى ضمان استمرار الفعالية القتالية لجيش حفتر في خضم انتكاساته العسكرية، لمنع انهيار جبهاته، وأيضًا بهدف مراقبة تقدم القوات التركية وقوات حكومة الوفاق.

روسيا تدعم خطة عقيلة صالح

إن موسكو متسقة مع خطتها لسحب الدعم السياسي لحفتر، الذي يشكِل عائقًا رئيسيًا – على حد وصف الكاتب – لعملية السلام التي انطلقت خلال مؤتمر برلين حول ليبيا.

وبعيدًا عن رغبتها في مشاركة طبرق وطرابلس في محادثات مباشرة، تسعى روسيا لأن ترى تقدمًا لخطة السلام التي اقترحها رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، والتي أعدها خبراء روس.

بدورها تدرك أنقرة مدى صعوبة أن تكون لها اليد العليا ضد الجيش الوطني الليبي بينما تدعمه روسيا، وبالتالي يجب أن تكون موسكو وأنقرة قد اتفقتا على ضرورة إعادة إطلاق عملية برلين للسلام، التي بدأت في يناير (كانون الثاني) عام 2019، ولكن بشروطهما، التي ستضمن دورًا رياديًا للبلدين في التسوية الليبية.

وفي اتصال هاتفي جرى في 18 مايو الماضي بين الرئيسين التركي والروسي، أفاد بيان صادر عن الكرملين بأن بوتين وأردوغان شددا على ضرورة الاستئناف السريع للهدنة غير المحدودة وإطلاق حوار بين الأطراف الليبية على أساس قرارات مؤتمر برلين الدولي.

وفي أعقاب البيان بوقت قصير، انسحب المرتزقة الروس من الخطوط الأمامية قرب طرابلس، كما غادرت قوات مجموعة فاجنر الروسية مدينة ترهونة وتوجهت إلى بني وليد والجفرة.

تراجع روسي يعكس تفاهمًا مع أنقرة

قد تجعل هذه الخطوة، بحسب الكاتب، حفتر أكثر تقبلًا لمبادرات السلام؛ بعد تجريده من الدعم، وظهور عدم جدوى أي محاولات أخرى للاستيلاء على طرابلس. فمع عدم وجود دعم عسكري روسي، اضطر الجيش الوطني الليبي للانسحاب من العديد من النقاط الرئيسة قرب العاصمة طرابلس.

ومن المحتمل أن تكون روسيا قد فعلت ذلك جزئيًا لتلبية مطالب رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، بحسب التقرير. ففي يناير 2019، اشترط السراج على طاولة المفاوضات الروسية، عودة قوات الجيش الوطني الليبي لمواقعها، للموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار وإجراء محادثات مع الطرف الآخر.

وقال خبير الشؤون الليبية جلال حرشاوي، وهو زميل باحث في وحدة أبحاث الصراع التابعة لمعهد كلينجنديل للعلاقات الدولية في لاهاي، لموقع لمونيتور: «يعكس انسحاب المرتزقة الروس تفاهمًا بين موسكو وأنقرة. وسحبت مجموعة فاجنر مساهمتها في هجوم حفتر في جنوب طرابلس.

في الوقت نفسه، عززت المجموعة الدفاع عن الجفرة وسرت، مع العلم أنها تمتلك فعليًا خيار منع أي توغل محتمل لقوات حكومة الوفاق الوطني إلى الجنوب».

التفاهم الروسي – التركي يزعج الدول المشاركة في الأزمة

يكمل الكاتب تحليله للمشهد قائلًا: مما لا شك فيه أن الدول الأخرى المشاركة في الأزمة الليبية تشعر بالانزعاج إزاء الخطوات التي اتخذتها روسيا وتركيا. وستحاول الأطراف الأخرى المعنية بالصراع، إضافةً إلى الولايات المتحدة، منع الوصاية الروسية – التركية على عملية السلام.

ولم تنضم روسيا إلى التحالف المناهض لتركيا الذي أعلنته مصر، والذي يضم اليونان، وقبرص، والإمارات، وفرنسا، لمواجهة التحركات التركية في ليبيا وشرق المتوسط. وقد يكون لدى روسيا أيضًا مساحات غير ظاهرة من الاهتمام المشترك مع تركيا في المنطقة.

على سبيل المثال، يمكن أن يعوق تنفيذ اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية بناء خطوط أنابيب الغاز بين مصر، وقبرص، وإسرائيل لنقله إلى أوروبا.

وبالتالي سيكون أمام روسيا عدد أقل من المتنافسين على الغاز الذي تزود به الاتحاد الأوروبي عبر تركيا.

_____________