Minbar Libya

ما خيارات الأطراف المتصارعة في ظل الفراغ المتوقع بالشرق الليبي؟

د. نزار كريكش

خلقت الهزائم المتتالية لقوات خليفة حفتر واقعاً جديداً في الأزمة الليبية، هذا الواقع لم يعد في معركة بين الغرب والشرق الليبي، بل في تنازع بين متطلبات المستقبل وضرورات الحاضر الذي يبدو أنه مليءٌ بالخيارات والمفاجآت.

الجزء الأول

الأزمة الليبية امتدت منذ عام 2014 بعد الانقسام الدستوري الذي أحدثه الانقلاب الذي قاده خليفة حفتر، تحول معها النزاع في ليبيا من نموذج الاحتراب الداخلي إلى الحرب بالوكالة حين استعانت عملية الكرامةبالإمارات ومصر وفرنسا ومعها السعودية للاستمرار في مشروع السيطرة على ليبيا

فما الذي يحدث في ليبيا، وكيف لتلك الجيوش التي جابت الأراضي الليبية الشاسعة من شرقها لجنوبها إلى غربها أن تنهار بين عشية وضحاها؟

كيف لتلك القوات المجنزرة أن تفِرَّ خلال أيام من مساحة قدرها 200 ألف كيلومتر مربع من الغرب الليبي؟

وكيف لكل تلك الآلةِ المسلحةِ التي أنفقت عليها الإمارات مليارات الدولارات أن تنهار كل ذلك الانهيار؟

خُطة السيطرة السريعةعلى العاصمة فشلت

بدأ مشروع السيطرة على ليبيا من الشرق الليبي، واستمر للجنوب لكن الخطوة الأخيرة كانت في التوجه نحو العاصمة من خلال قاعدة الجفرة في وسط البلد.

وتظهر الوثائق التي وُجدت في مدينة غريان بعد فرار قوات حفتر منها أن المخطط كان بالفعل يهدف إلى سيطرة سريعة وأن يحاط بالعاصمة من سبعة محاور، وأن حجم الآلة العسكرية التي استخدمت لم تكن مجرد مغامرة غير محسوبة العواقب، إذ يكفي أن نعرف أن عدد الجنود الذي نزلوا من جبل غريان إلى العاصمة قدر بـ12 ألف جندي مدججين بالسلاح، وأن منظومات الدفاع والآليات التي وجدها الثوار قد تعادل آلة السلاح التي تركها القذافي في ليبيا بعد سقوطه.

إدراك حجم التغيير الذي سيطرأ على المشهد الليبي بعد هذه الخسارة الفادحة يتطلب منّا أن ندرك السياق العام للنزاع، وأن نتعرف على الاستراتيجيات التي سيتخذها كل طرف من الأطراف المنخرطة في الصراع الليبي من القوى الإقليمية والدولية، وهذا ما سنحاول أن نرسم ملامحه.

سياق النزاع الليبي

دون أن نخوض في أدبيات التاريخ الطبيعي للنزاعات الدولية، نلتقط من ذلك التاريخ فكرة أساسية وهي المسار الكلي الذي عرفه التاريخ لتلك النزاعات، فإن أغلب النزاعات التي لم تستطع القوى المتمردة فيه أن تدخل للعاصمة كانت نهايتها بالدخول في مسار سياسي انتهى بانتخابات، وانتهى الأمر بجنرالات الحرب في المحاكم الدولية بعد أن قضت الدول العظمى مآربها.

هزيمة حفتر على أسوار طرابلس تعني أن مركز الدولة الليبية لم يعد محلاً للنزاع، وأن الأطراف التي كانت تحاول السيطرة على المركز هي محل النزاع وأن عليها إما أن تنفصل عن المركز أو أن ترضى بالدخول في حوار سياسي.

وبالتالي ما يحدث في ليبيا الآن هو انتقال من النزاع حول الدولة ومؤسساتها، إلى التفاوض حول ضم الشرق الليبي إلى الغرب، وهذا سيعتمد على عدة محددات أساسية:

  • قدرة الأطراف الليبية على صناعة مشروع وطني جامع

  • السلوك التركي تجاه الملف الليبي

  • سلوك الدولة الروسية تجاه الملف الليبي

  • خيارات الأطراف المهزومة في معركة

هذا السياق يجعلنا أمام سيناريو النهايةللأزمة الليبية التي ستعتمد على تلك المحددات؛ دعنا نأخذها واحداً تلو الآخر، مع العلم بأن محددات أخرى كسلوك الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا أو مصر والإمارات سيؤخذ تبعاً للسلوك التركي والسلوك الروسي.

خيارات الأطراف الليبية

وجدت حكومة الوفاق نفسها أمام نصر كبير وظهر للعيان إمكانية أن تعيد سلطتها على الأرض الليبية، وفيما يبدو أن العملية التي أطلقت في طرابلس تحت اسم عاصفة السلاملم تكن فقط لطرد قوات حفتر من طرابلس والمنطقة الغربية بل هي لتحرير سرت وقاعدة الجفرة وسط ليبيا، ومن ثم الانتقال للشرق الليبي.

هذا ما شرحه الرئيس التركي في حديثه أمام مجموعة من الصحفيين الأتراك في إحدى القنوات التركية، وهذا ما يمكن فهمه من خلال متابعة مضمون الخطابات التي يقدمها القادة العسكريون النظاميون في الجيش الليبي في المنطقة الغربية.

هذا التوجه يبدو أنه أحد الخيارات التي تجده حكومة الوفاق أمامها لأنها صنعت سردية واضحة أثناء الحرب، وهي تحرير البلاد وعدم القبول بخليفة حفتر كطرف سياسي.

لكن بالطبع هذا ليس الخيار الوحيد لحكومة الوفاق، فأمامها ثلاثة خيارات:

  1. خيار المضي في العمل العسكري

  2. خيار الجلوس لطاولة المفاوضات

  3. خيار مزدوج بين السياسي والعسكري

أما الخيار العسكري فيعني أن حكومة الوفاق تسيطر على الموانئ النفطية وهذا ما يبدو أن الحليف التركي قد اتفق مع حكومة الوفاق حوله من خلال تصريحات الرئيس أردوغان والقيادات العسكرية لحكومة الوفاق؛

وبعد سيطرتها على الموانئ النفطية تبدأ في الضغط على حفتر في الشرق الليبي ليبدأ حراك شعبي مدني وعسكري يحاول الإطاحة بخليفة حفتر، وهنا يمكن أن تستمر مصر والإمارات في التنكيلبالشعب الليبي.

هناك بعض التصورات لذلك في الغرب الليبي، لكن هذا سيعتمد على استمرار الدعم التركي والخيارات السياسية التي ستطرح في المجتمع الدولي، لكن فيما يتوفر من معلومات أنه خيار مطروح وبقوة وله صلة بالواقع الليبي.

لكن هذا الخيار بمفرده لن يحل الأزمة الليبية لأن الدولة الليبية بالفعل لم تنجز شيئاً من متطلبات مراحل ما بعد النزاع، وهي بذلك ستحتاج لمشروع سياسي لأن عودة النزاع لأسباب مختلفة أمر محتمل إذا لم يكن هناك تحول جوهري في المقاربة التي تنظر الأطراف الليبية للنزاع من خلالها.

الخيار السياسي في هذه المرحلة قد يكون متاحاً لحكومة الوفاق، إلا أن مصر سارعت في وضع إطار سياسي جديد تريد أن تدخل فيه حكومة الوفاق وقوى الثورة في ليبيا، وهذا سيعني توقف النزاع المسلح في سرت وما حولها وتبقى الموانئ النفطية موضع نزاع.

وهذا سيعني أن ماراثوناً من الحوارات سيبدأ ويحاول كل طرف من الأطراف الاستفادة من الوضع العسكري الذي انتهت إليه، ولأنَّ كل طرف يملك قدراً من السيطرة والداعمين المستعدين للعودة للدعم بالسلاح كالإمارات وروسيا فإن عودة النزاع في أي لحظة من اللحظات ممكنة.

أما دمج الخيار العسكري بالسياسي فهو أحد الخيارات التي تطرح في الأوساط السياسية الليبية وفيها تعتمد القوى العسكرية لحكومة الوفاق على الزخم الذي حققته في طرابلس لنقل المعركة في معقل قوات حفتر مع تقديم مشروع يضع البلد على قاعدة دستورية وانتخابات تحقق سلطة شرعية.

وفي نفس الوقت يحقق حالة من الاستقرار قد تحقق حالة من الاطمئنان للدور الذي تقوم به تركيا بأنه سيفضي في النهاية إلى الاستقرار، وهذا سيعتمد على القدرة العسكرية والدبلوماسية التركية، وسيعتمد كذلك على قدرة الأطراف الليبية على استعادة ملكيتها للأزمة الليبية عبر تقديم مشاريع واقعية وفاعلة تحقق المصالحة السياسية والاجتماعية في البلاد.

خيارات حفتر وداعميه

في هذا الجانب تبدو خيارات حفتر محدودة، فهو مهزوم وقد فشل في المشروع الذي أقحم شركاءه فيه.

لكن من غير المتوقع أن مصر والإمارات سترفع يدها عن خليفة حفتر بالشكل الذي يصوره البعض بأن حفتر قد خرج تماماً من المشهد، لكن الواقع يقول إن استمرار حفتر يعطي خيارات كثيرة لمصر والإمارات في منطقة هي في النهاية جزء أساسي من الصراع في شرق المتوسط وفيها موانئ وحقول نفطية قد تكون وسيلة ضغط كبيرة للدول الداعمة لخليفة حفتر.

لكن أمام حفتر الآن تحديات كثيرة في الشرق الليبي وهي أصعب من التحديات التي واجهها من قبل، لأن صورته قد اهتزت تماماً، ولأن الإمارات لن يكون مجدياً لها الاستمرار في مشروع يبدو كتب عليه الفشل، لذا سيكون الشرق الليبي محلاً لأجندات إماراتية تنسق فيه مع الجانب المصري.

عامل آخر قد يؤثر في الشرق وهو صعود بعض التيارات كـ التيار الفيدرالي الذي قد يسعى للحديث عن تقسيم البلد كخيار وحيد لحل الأزمة الليبية. هذا الخيار لن يرضاه حفتر وداعموه إلا في حال يئسوا من تحقيق أي نتائج على الأرض.

ويعتقد أن الإمارات ومصر قد فشلتا في مشروعهما تجاه ليبيا بدعمهما لحفتر، وأن تغيير المقاربة تجاه الملف الليبي من خلال مبادرة سياسية كما فعلت مصر مثلاً لن يكون له تأثير على حركية الصراع.

إن حجم التدخل الإماراتي والمصري العسكري في ليبيا سيجعلها غير قادرة على مواجهة التغيرات السريعة التي يشهدها الواقع الليبي فكما أن الماء لا يجري في النهر مرتين فلا يمكن لمصر والإمارات أن تعود للمشهد الليبي إلا من بوابة واحدة هي المطالبة بانفصال الشرق عن الغرب الليبي، أو من خلال الاحتماء بدولة مثل روسيا ليبقى لها نصيب من التأثير في الأزمة الليبية دون أن يكون لها دور الصدارة، حيث انتهى ذلك العهد.

البقية في الجزء الثاني

***

د. نزار كريكش ـ كاتب وباحث خبير بالشأن الليبي

____________