Minbar Libya

ما خيارات الأطراف المتصارعة في ظل الفراغ المتوقع بالشرق الليبي؟

بقلم د. نزار كريكش

خلقت الهزائم المتتالية لقوات خليفة حفتر واقعاً جديداً في الأزمة الليبية، هذا الواقع لم يعد في معركة بين الغرب والشرق الليبي، بل في تنازع بين متطلبات المستقبل وضرورات الحاضر الذي يبدو أنه مليءٌ بالخيارات والمفاجآت.

.الجزء الثاني

تركيا في شمال إفريقيا

منذ الاتفاق الليبي التركي كانت تركيا واضحة في سلوكها تجاه ليبيا، فهي من جانب تريد ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا بما يضمن لها منفذاً لشرق المتوسط الغني بالغاز والنفط وتكسر الاحتكار الذي حاولت دول حوض شرق المتوسط فرضه على تركيا.

كما أن تركيا تريد أن تكون قوة إقليمية يحسب حسابها في ملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وهذا سيعزز دورها في حلف الناتو في المستوى الدولي.

هذه الأهداف تفسر السلوك الذي يسعى لوضع استراتيجية تسعى لزيادة قدرات الدولة الليبية من خلال دعم حكومة الوفاق عسكرياً وسياسياً لضمان قانونية كافة الاتفاقات مع حكومة الوفاق واستمرارها كشريك استراتيجي في المنطقة.

الشرط الأساسي لنجاح هذه الاستراتيجية هو ضمان وحدة ليبيا لأن الشرعية التي قام عليها الاتفاق هو حكومة الوفاق في طرابلس، والحدود الذي رسمت مع حكومة الوفاق هي في المنطقة الشرقية في درنة وبعض المدن القريبة من طبرق.

هذا يؤكد أنَّ هذه الاستراتيجية تسعى لتثبت شرعية سياسية تؤكد هذه الشراكة بين الدولة الليبية ممثلة في حكومة الوفاق والدولة التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.

هذا ما يمكن أن نفهمه بوضوح من خلال تصريحات الأخير حين يقول مثلاً: “أنا على ثقة بأن وحدتنا وتضامننا سيجعلان العالم ينظر بإعجاب إلى تركيا ويعززان وضعنا داخل حلف شمال الأطلسي“.

وفي اللقاء الأخير الذي جمع أردوغان مع السراج في أنقرة تعهد الرئيس التركي بمواصلة دعم حكومة الوفاق وتحدث عن إمكانية استبعاد حفتر من المشهد، وأنه ناقش ذلك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتطورات المتسارعة في ليبيا.

ويبدو أن الدعم التركي لهذه السياسة نابع من مخاوفها من تواجد روسي في شمال إفريقيا، كما أن نجاح الحكومة التركية في تحقيق التوازن في المشهد الليبي يعزز من هذه الثقة ويوحد أهداف حلف الناتو مع المصالح التركية، والأطراف الليبية ترى في أن هذا التدافع يصب في صالحها في نهاية المطاف.

الدب الروسي في المياه الدافئة

لا أحد يعلم كيف سيستمر سلوك الروس في المياه الدافئة؛ لأن السياسة الروسية في ليبيا تبدو امتداداً لسياساتها في التمدد عبر ما يسمى الحرب الهجينة، تلك الحرب الذي تستخدم فيه كافة الوسائل للوصول للأهداف التي يسعى لها بوتين في إعادة التوازن للمشهد العالمي حسب اعتقادهمن خلال عودة روسيا لقوتها العالمية كما كانت إبان الاتحاد السوفييتي.

هذه الاستراتيجية جعلت بوتين يرى إمكانية التمدد في شمال إفريقيا من خلال الملف الليبي، وهذا ما جعل موسكو تدعم حفتر اقتصادياً وعسكرياً لكن الهزيمة الأخيرة للجنرال المتقاعد جعلت روسيا بين خيارين إما أن تستمر في الحرب من خلال التمدد في الشرق الليبي وتجد نفسها لاعباً أساسياً في الأزمة الليبية، أو من خلال المساومة عبر التواجد العسكري لتكون لاعباً سياسياً أساسياً في الملف الليبي كما هو الحال في الأزمة السورية.

هزيمة مرتزقة فاغنر في ليبيا يبدو أنها كانت مؤلمة لبوتين، فقد صرح أردوغان بذلك حين قال: “روسيا غاضبة مما حدث في ليبيا، لكن روسيا تعرف جيداً أنه من الصعب أن تخلق لها مجالاً حيوياً في ليبيا في وجود كل هذه القوات من الأفريكوم وحلف الناتو والقوات التركية والاتحاد الأوروبي، لذا فإنها ستحاول أن تستفيد من الفراغ الذي خلفه وجود خليفة حفتر في الشرق الليبي من خلال:

  • تواجد عسكري بإعادة تموضع قوات فاغنر ونشر مضادات جوية طويلة الأمد، وهذا ما تذكره تقارير قوات الأفريكوم.

  • أو من خلال بناء شراكات سياسية مع عناصر من النظام السابق أو الدخول مع مصر والإمارات في تحالفات للاستمرار في دعم خليفة حفتر.

وفي نفس الوقت تسعى للاستمرار في عملها عبر شبكة من النشاطات الإعلامية والاقتصادية والعسكرية (الحرب الهجينة) الذي يمكنها من إيصال حليف لها في الانتخابات التي قد تحدث في البلد، وهذا ظاهر من خلال في بيان نشرته قوات بركان الغضبالتابعة لحكومة الوفاق عقب القبض على عملاء روس في ليبيا.

جاء في هذا البيان بأن المخابرات الليبية هي من أحالت البلاغ حول قضية الجاسوسين مكسيم شوغالي وسامر سعيفان للنيابة العامة، بتهمة ارتكابهما أفعالاً مضرّة بأمن الدولة، وجاء في البيان أيضا أن الجاسوسين عملا على تجنيد ليبيين لجمع المعلومات وتدريبهم للعمل مستقبلاً للتأثير في الانتخابات الليبية“.

أمام روسيا تحدٍّ أكبر في ليبيا وهو صناعة التحالفات، فإن الملف الليبي ليس من أولويات السياسة الروسية لكنها تشكل فرصةَ لا يضير روسيا لو استفادت منها دون أن تضر هذه المصالح بتحالفها مع تركيا التي من خلالها تصدر الغاز لأوروبا وتشكل هي وتركيا تحالفاً إقليمياً له قدرة على حل النزاعات في المنطقة دون اللجوء بشكل مباشر للمعسكر الغربي المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية.

سيكون للقدرات الدبلوماسية التركية مع روسيا الدور الأكبر في تحديد خيارات روسيا في ليبيا، هذا بالضبط ما مثلته المكالمة التي جرت بين الرئيسين التركي والروسي والتي تضَّمنت صفقة تُخرج بموجبها روسيا قواتِ فاغنر من سرت ومنطقة الجفرة مقابل أن تضمن تركيا المصالح الروسية في تركيا، الأمر الذي عززته تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يدعو فيها لخروج روسيا من ليبيا.

ليبيا وتأثير الجيران

ما أن هزمت مصر والإمارات في الغرب الليبي حتى أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن مبادرة سياسية تنهي النزاع في ليبيا في إطار مؤتمر برلين، قوبلت باستهجان من بعض الأطراف السياسية في الغرب الليبي حيث رفضها المجلس الأعلى للدولة، وردت قيادات في عملية بركان الغضب بأن لا وقت للتعامل مع الهرطقات التي تأتي من الأطراف المهزومة، حسب تعبير المتحدث باسم الجيش الليبي العقيد محمد قنونو.

في المقابل رأت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي أن التوجه نحو المجال السياسي قد يكون بداية لحلحلة الأزمة الليبية.

المبادرة في تفاصيلها لا يمكن القبول بها وهي غير واقعية؛ لأنها تطالب حكومة الوفاق الشرعية بتسليم أسلحتها لقوات حفتر المتورطة في جرائم حرب معروضة أمام محكمة الجنايات الدولية، لذا فإن الترحيب الذي جاء للمبادرة هو ترحيب بالتوجه نحو السياسة وليس ترحيباً بمحتوى المبادرة.

وسيكون على حكومة الوفاق وضع إطار ومبادرة خاصة بها، لأن الذي تسعى إليه ومصر والإمارات هو استغلال هذه المبادرة لتكون أجندة الحل والمرجعية الجديدة التي تمكّن مصر والإمارات أن تحقق سياسياً ما فشلت فيه عسكرياً.

الرد المغربي جاء واضحاً على لسان وزير الخارجية ناصر بوريطة الذي هاتف وزير الخارجية في حكومة الوفاق مؤكدًا أن اتفاق الصخيرات هو مرجعية الحل في ليبيا، الأمر الذي أكدته تونس على لسان وزير خارجيتها.

هذه الردود الإقليمية والتي تمثلت كذلك في الموقف الجزائري على لسان وزير خارجيتها بأن بلاده تسعى لتنظيم حوار بين الفرقاء الليبيين، هي التي تحد من محاولة التغول المصري الإماراتي في الملف الليبي.

وأثار الملف الليبي نزاعاً كبيراً داخل البرلمان التونسي ما يجعله جزءاً من الحراك الذي يشهده الإقليم في الصراع بين قوى التغيير والمشروع الذي تقوده الإمارات والسعودية للاستمرار تحت حكم الأنظمة العسكرية أو استمرار النظام الإقليمي العربي تحت سيطرة السعودية بمعارضة محدودة من دول كبرى مثل الجزائر بعد تأزم الأوضاع في العراق وسوريا.

ويمكن اختصار الأمر بأن المجال الإقليمي والدولي يتداخل في الملف الليبي نظرًا لعنصر الجغرافيا، لكن فيما يبدو أن التأثير الأكبر هو للقوى الكبرى في المنطقة حلف الناتو متمثلاً في تركيا وروسيا وقد جاء الرد التركي على المبادرة المصرية واضحًا بأنّها وُلِدَت ميتة“.

مآلات الأزمة في ليبيا

من خلال ما سبق يمكن القول إن حكومة الوفاق ترى أن تهديدَ حفتر لن ينتهي إلا ببسط سلطانها على كامل التراب الليبي، كما أن التوجه التركي في ليبيا لن يتوقف.

إذا استمرت تركيا بزيادة قدرات حكومة الوفاق عسكرياً وسياسياً فإن تلاقي المصالح بين الطرفين سيعطيهما المبرر والحافز للاستمرار في التوجه نحو الشرق الليبي؛ هذا الزخم سيقابل معارضة سياسية دبلوماسية روسية، وسيقابل كذلك بمحاولات مصرية وإماراتية لمواجهة تركيا عسكرياً من خلال منعها من التقدم نحو الشرق.

نتاج كل ذلك سيعتمد على سرعة العمليات في الشرق الليبي وردود فعل روسيا تجاه أي توجه لقوات الوفاق للشرق. ستحاول مصر والإمارات محاربة تركيا دبلوماسياً ومناوشتها عسكرياً، لكن دون التدخل الروسي سيصعب على مصر السيسي خوض حرب خارج حدودها، ولن يكون مسموحاً للإمارات بخرق استراتيجية حلف الناتو بمنع التواجد الروسي في شمال إفريقيا.

سيشهد الملف الليبي في الأيام القادمة حرب سرديات مختلفة ما بين بناء الدولة وصناعة السلام ودعم الشرعية في المنطقة الغربية وبدعم تركي وأمريكي، في مقابل سردية تسعى للحديث عن تدخل واستعمار تركي لليبيا، كما أنها ستشهد نزاعاً بين المبادرات السياسية، وسيعتمد نتاج تلك المبادرات على قدرة الأطراف المختلفة على ملء الفراغ في الشرق الليبي.

إنه موسم الرحلة إلى الشرق، وهذا هو المشهد القادم، فلننتظر.

***

د. نزار كريكش ـ كاتب وباحث خبير بالشأن الليبي

____________