Minbar Libya

بقلم خليل العناني

غيرت المكاسب العسكرية التي حققتها الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في ليبيا مؤخرًا من توازن القوى على الأرض وأعلنت حقائق سياسية جديدة.

لم تحرر قوات حكومة الوفاق الوطني العاصمة الليبية فقط من قوات الجنرال خليفة حفتر، بل إنها الآن تسير نحو السيطرة على غرب ليبيا بأكمله.

فبدعم من الطائرات دون طيار التركية ونظام الدفاع الجوي، غيرت قوات حكومة الوفاق الوطني من الوضع ضد حفتر، هذه المكاسب العسكرية توفر فرصة ذهبية للمجتمع الدولي للدفع نحو إنهاء هذا الصراع الطويل في ليبيا.

كما أنها خلقت مساحة نادرة لزيادة الضغط السياسي والدبلوماسي على حفتر للقبول بخطة برلين للسلام المدعومة من الأمم المتحدة، التي ربما ستكون الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب السامة في ليبيا.

المبادرة المصرية

كانت المبادرة المصرية التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي لوقف إطلاق النار في ليبيا قد ولدت ميتة لعدة أسباب:

أولًا؛ إنها مبادرة أحادية الجانب، فقد دُعي جانب واحد من الصراع وهو الجانب الذي تدعمه مصر إلى المؤتمر الصحفي الذي أعُلن فيه عن المبادرة.

ثانيًا؛ هذه المبادرة كانت محاولة لوقف زخم المكاسب التي حققتها قوات حكومة الوفاق الوطني ولوقف تقدمها نحو بقية المدن الليبية التي تسيطر عليها قوات حفتر.

ثالثًا؛ لم تحدد المبادرة أي آليات لتنفيذها وماذا يجب أن يحدث في حال رفض الطرف الآخر للمبادرة.

تحصل حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة ويقودها فايز السراج على دعم تركيا وإيطاليا

وأخيرًا، فإن مصر فقدت مصداقيتها كوسيط أمين في الصراع الليبي منذ دعمها لهجوم حفتر على طرابلس، ولذا فمن غير المرجح أن تحقق مبادرتها عملية سلام مقبولة لجميع الأطراف.

أجندات متضاربة

منذ الإطاحة بالديكتاتور القذافي عام 2011، تعرضت ليبيا لواحدة من أكثر الصراعات الفوضوية السامة طويلة المدى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومثل بقية الصراعات الإقليمية أصبح الصراع الليبي حربًا بالوكالة يقودها متنافسون إقليميون ودوليون بأجندات متضاربة.

جميعهم يسعون لتحقيق مصالحهم السياسية والإستراتيجية والاقتصادية في تلك البلد الغنية بالنفط على حساب استقرارها.

يحصل الجنرال خليفة حفتر على دعم مصر والإمارات والسعودية وفرنسا وروسيا، وعلى الجانب الآخر تحصل حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة ويقودها فايز السراج على دعم تركيا وإيطاليا.

تورط الطرفان في حرب دموية خلال التسع سنوات الماضية مع قليل من الدلائل على انتهاء الصراع قريبًا، منذ 2014 سيطرت قوات حفتر المعروفة باسم جيش ليبيا الوطني على المناطق الشرقية والجنوبية من ليبيا وسيطرت على منشآت النفط في البلاد.

لم يكن جيش ليبيا الوطني ليحقق ذلك دون دعم عسكري وسياسي ودبلوماسي ولوجستي من مؤيديه الإقليميين والدوليين، تعتبر مصر والإمارات والسعودية حفتر حصنًا ضد التطرف، بينما تراه روسيا وفرنسا شريكًا قويًا يستطيع تعزيز مصالحهما الاقتصادية والإستراتيجية في شمال إفريقيا.

بشكل ظاهري، هذه الجهات ملتزمة بخطط السلام والمفاوضات التي تقودها وتسهلها الأمم المتحدة، لكن على الأرض، تعزز سلوكياتهم وإستراتيجياتهم عكس ذلك.

انتهاك حظر السلاح

استثمرت أبو ظبي في حفتر بقوة وزودته بأسحلة متطورة، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة زودت الإمارات حفتر بقوة جوية ومعدات عسكرية متطورة، في انتهاك واضح لحظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة في أثناء ثورة البلاد عام 2011 وأكدته عام 2014.

تكشف التقارير الحديثة أن الإمارات زودت حفتر أيضًا بنظام دفاع جوي إسرائيلي لمواجهة الطائرات دون طيار التركية التي تدعم قوات حكومة الوفاق الوطني.

كان دعم مصر لحفتر واضحًا أيضًا، فقد دعمت هجوم حفتر على طرابلس ووفرت لقواته مساعدات عسكرية ولوجستية ودبلوماسية، يعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حفتر شريكًا أساسيًا في حربه المعلنة على الإسلاميين، مما يجعل حفتر عنصرًا رئيسيًا في رؤيته للأمن القومي.

تخشى القاهرة وأبو ظبي من دور تركيا الإقليمي خاصة بعد توقيع أنقرة وحكومة الوفاق الوطني صفقات عسكرية وبحرية العام الماضي مما يمنح تركيا حصنًا قويًا في منطقة شرق البحر المتوسط الذي يوفر لها مميزات إستراتيجية ضد منافسيها.

بينما اعترفت فرنسا رسميًا بحكومة الوفاق الوطني، فإنها تقف بجانب حفتر من خلال تزويده بالدعم العسكري والاستخباري أثناء هجومه على طرابلس.

بالنسبة لروسيا وفرنسا فطموحاتهما أعلى، فموسكو تنظر إلى ليبيا كفرصة أخرى لتوسيع نفوذها ليس فقط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بل في أوروبا، فدعم حفتر للاستيلاء على طرابلس قد يزود موسكو بمميزات إستراتيجية غير مسبوقة يمكن أن تستخدمها للتأثير في علاقتها بالغرب وخاصة منافسيها الأوروبيين.

وبالمثل تتراوح أهداف باريس بين محاربة المتطرفين والهجرة غير الشرعية من إفريقيا السوداء إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والنفطية والعسكرية، بينما اعترفت فرنسا رسميًا بحكومة الوفاق الوطني، فإنها تقف بجانب حفتر من خلال تزويده بالدعم العسكري والاستخباري في أثناء هجومه على طرابلس.

إستراتيجية متضاربة

انخرط مسؤولون روسيون وأمريكيون مؤخرًا في حرب كلامية شديدة عن ليبيا، فقد اتهم الجيش الأمريكي روسيا بنشر طائرات مقاتلة في ليبيا لدعم مجموعة من المرتزقة الروس الذين يعملون في البلاد، لكن موسكو أنكرت الادعاءات الأمريكية ووصفتها بالمعلومات المضللة.

هذا التبادل يسلط الضوء على تعقيد وكثافة الصراع في ليبيا وتطوره إلى نقطة أخرى في الخلاف بين القوى العالمية والإقليمية، في الحقيقة تبنت أمريكا إستراتيجية غير واضحة ومتضاربة تجاه ليبيا.

فبينما دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوم حفتر على طرابلس، فإن تعليق البنتاغون على الدعم العسكري الروسي يظهر علامات الإحباط والقلق من مشاركة روسيا المتزايدة.

إضافة إلى ذلك، أعرب السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند عن دعمه لالتزام حكومة الوفاق الوطني بالسلام ووبخ القوات التي تسعى لفرض نظام سياسي جديد من خلال وسائل عسكرية أو بالإرهاب.

هذه الرسائل المتضاربة تؤدي إلى نتائج عكسية وتساعد فقط في تقوية منافسي أمريكا خاصة روسيا مثلما نرى في سوريا.

***

خليل العناني ـ كاتب وباحث مصري. يعمل كأستاذ للعلوم السياسية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة، جامعة جونز هوبكنز الأمريكية بواشنطن، وباحثًا في جامعة دورهام البريطانية.

____________

المصدر: ميدل إيست آي