Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

ارتباك السياسة المصرية تجاه ليبيا يعود لفترة سيطرة ضباط حركة يونيو مطلع خمسينيات القرن الماضي على مقاليد السلطة، فالعسكر في مصر بقيادة عبدالناصر رأوا، في فترة من فترات حكمهم، في النظام الملكي صدى للرجعية والعمالة للاستعمار،

ثم اضطروا للتعامل مع الدولة الوليدة لأسباب عدة منها نجاح الملك الراحل في منع الهيمنة المصرية، وأخرى تتعلق برغبة النظام المصري في التعاون والتنسيق سياسا واقتصاديا بعد أن صارت ليبيا غنية بثرواتها النفطية.

تبدل اتجاه الضغط والتجاذب ما بعد إدريس وعبدالناصر، فقد سعى القذافي إلى فرض أرادته وتمرير رؤيته بصفته أمين القومية العربيةووريث الزعامة الناصرية، وبحكم طبيعة القذافي العنيفة تحول التجاذب إلى مواجهة وقطيعة امتدت خلال فترة حكم السادات وردح من حكم مبارك.

ولم يتخل القذافي عن ازدرائه للنظام المصري وقيادته إلا بعد وقوعه في مأزق العزلة والملاحقة من قبل الأطراف الدولية.

ولتصبح المصالح هي الفيصل في تحديد طبيعة العلاقة، فالأموال الليبية عرفت طريقها إلى الاقتصاد المصري في شكل استثمارات، مقابل الدعم والوساطة المصرية في مواجهة الضغوط الخارجية والتنسيق الأمني لمواجهة تهديد الجماعات الجهادية.

مصر تسعى لملء الفراغ السياسي

الاتجاه العام للسياسة المصرية بعد ثورة فبراير تغير بفعل الفراغ السياسي وما تبعه من فوضى أمنية ومشاكل اقتصادية كانت لها انعكاساتها الكبيرة على مصر، وبرزت مقاربة الوصاية والتي أسهم في الترويج لها نخبة سياسية وحتى فكرية حركها الشعور بحرمان مصر من ثروة ليبيا وضرورة استغلال هذه الثروة بأي شكل.

تحدث بهذه المقاربة ساسة وإعلاميون وخبراء مصريون، وسلكت هذه الرؤية طريقها إلى دوائر القرار بعد مجيئ السيسي إلى الحكم في 2013م ثم تمرد حفتر على المنظومة الشرعية في 2014م، ليقع التحالف بين الطرفين ويضع النظام المصري كل آماله على حفتر في تحقيق غايته.

لقد كان الدعم المصري لحفتر كبيرا، إذ لم يقف حفتر على رجليه ويصبح رقما صعبا في المعادلة العسكرية والسياسية الليبية إلا بفضل الرعاية المصرية والتي سبقت الدعم الاماراتي بمرحلة، حتى أن حفتر صرح أنه إذا اتخذت مصرا قرار ضد مصلحة ليبيا فسيدعمه.

قد نتفهم الموقف المصري الداعم للبرلمان الذي عين حفتر قائدا عاما للجيش وذلك بُعيد انتخابات 2014م، لكن القاهرة تفانت في الرهان على حفتر والذي كان على حساب استقرار البلاد وضد خيارات الشعب ومصادم للسلطة الشرعية المعترف بها دوليا، المتمثلة في حكومة الوفاق وذلك بعد توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015م.

ارتباك وتناقضات النظام المصري تجلت ما بعد العدوان على العاصمة، فالقاهرة التي سعت للتوفيق بين السراج وحفتر، وهو توفيق منحاز مبعثه اقتراب السراج من جبهة طبرق وثقته في الدور المصري كوسيط، تورطت في العدوان على طرابلس ودعمه طيلة الاثني عشر شهرا.

النظام المصري هو الذي احتضن كافة الفاعلين السياسيين والإعلاميين والنشطاء ليكونوا حربة في صدر الوفاق، وهو الذي أقنع حفتر بفكرة تقاسم الثروة كورقة ضغط وكذريعة لاستمرار الحرب بعد أن فشلت حجة محاربة الإرهاب وتفكيك المليشيات، والهدف هو تأمين حصة من الثروة يمكن أن يكون لمصر منها نصيب في شكل استثمارات ومشاريع الإعمار.

ذروة التخبط المصري في ليبيا

إعلان القاهرة مثل ذروة التخبط المصري والعنوان الرئيسي للفشل، فقد جاء الإعلان بغرض احتواء ارتدادات هزيمة قوات حفتر في الغرب وما قد يلحق ذلك من تطورات في حال تقدمت قوات الوفاق صوب الحقول والموانئ النفطية.

إعلان القاهرة أراد وقف تصدع جبهة الشرق، ومعالجة الخلاف بين عقيلة صالح وخليفة حفتر، إذ أن انهيار الجبهة الشرقية سيكون طامة كبرى لنظام السيسي، فظهر عقيلة وحفتر متوافقين في القاهرة بعد أن وصل الخلاف بينهما إلى حد اتهام بعض أنصار عقيلة حفتر بتدبير محاولة اغتيال للأول.

أيضا أراد النظام المصري أن يحرك ماء السياسة الدولية الراكد بعد أن أخذت الأطراف الدولية موقف المتفرج من هزيمة قوات حفتر في الغرب، وتتحمل القاهرة وزر ذلك بمشاركتها في دفع حفتر لرفض اتفاق موسكو ـ أنقرة في ديسمبر وما تبعه من مقررات وقرارات عقب اجتماع برلين.

أراد نظام السيسي بمبادرته الالتفاف على مجريات الأحداث العسكرية بمخاطبة المجتمع الدولي بأن من يرفض وقف إطلاق النار ويستمر في العدوان هما حكومة الوفاق وحليفتها تركيا، وليس حفتر، وأن القاهرة، بالفعل وليس بمجرد القول، تسعى إلى تغليب السياسة على الاقتتال.

التحدي أمام إعلان القاهرة لم يقتصر على المضمون الذي لم يعترف بالتطورات الحقيقية على الأرض ولا يقيم للحكومة المعترف بها دوليا وزنا، التحدي يكمن في فشل القاهرة في إقناع دول الجوار الليبي وفي مقدمتها الجزائر، فضلا عن الأطراف الدولية، بالمبادرة، ووجدت القاهرة نفسها في مواجهة واشنطن التي تحفظت بشكل صريح على المبادرة واعتبرتها تغريدا خارج السرب.

مأزق النظام المصري اليوم في لجوئه إلى روسيا لضمان مصالحه في ليبيا، وهو ما يضعه في مواجهة الولايات المتحدة، ولا خيار له لتفادي غضب واشنطن إلا أن ينقلب على سياسته السابقة ويقترب من حكومة الوفاق، ليخرج من مغامرته صفر اليدين.

أعتقد أن مناورات القاهرة لن تتوقف، وإذا استطاع النظام المصري أن يعيق أي اتفاق لا يضمن له موطأ قدم في رسم ملامح حاضر ومستقبل ليبيا فلن يتردد في الأخذ به ولو أدى ذلك إلى التحريض على تقاسم السلطة والثروة أو حتى تقسيم البلاد.

******

السيسي ومأزقه الليبي: يدوس على حفتر ويحاور انقرة؟

بقلم طارق الكحلاوي

السياسة الخارجية الخرقاء للسيسي في أكثر من ملف لا تحتاج محاججات كثيرة.. انبطاحه الكلي لنتنياهو وقبوله بـخطة ترامب، وسوء إدارة ملف منابع النيل وسد النهضةالإثيوبي، وتفريطه في الجزر المصرية تيران وصنافيرللرياض، ودعمه منظومة الجنرالات الجدد في الخرطوم ضد الشعب السوداني، بما يهدد العلاقة الاستراتيجية مستقبلا مع الجار الجنوبي.

لكن ربما الملف الأكثر تعبيرا عن مأزق السيسي الإقليمي هو في مستوى حدوده الغربية، بعد اتباعه التعليمات الإماراتية ودعم الخيار العسكري لحفتر دون التفكير كثيرا في خط الرجعة.

ارتدادات التوتر الليبي على مصر وتحول ليبيا إلى طرف معاد يمس أركان وضع مصر الإقليمي، ولن تتضرر الإمارات البعيدة آلاف الأميال من انهيار حفتر مثلما ستتضرر منه القاهرة.

والآن على السيسي القيام باستدارة بهلوانية حتى يمكن أن يلاحق الأحداث، لكن الدوران بسرعة يمكن أن يؤدي للدوار وفقدان التوازن، وكشف مواطن الضعف.

بداية، حرص السيسي أن لا يكون بجانبه فقط القائد العامالمنهزم، بل جلب أيضا عقيلة صالح، في إشارة إلى أن المستقبل لن يكون حفتريا، وأن صالح والعبيدات الرافضين لتفويض المشير يستحقون تبجيل القاهرة.

ثم قرر إعلان مبادرة سياسية زمن الهزيمة، بما يجعلها إعلانا للهزيمة بدون أن يكون لها أثر فعلي، حيث لن ترضى قوات حكومة الوفاق بكسر لحظة انتصارها بوقف إطلاق النار، ولن ترضى القوى الإقليمية الداعمة لها، وعلى رأسها تركيا، بالاستجابة إليها ما دامت في حالة صعود، ولن يرضى الروس بها لأنهم يعتقدون أنهم يمسكون بالمبادرة وليس القاهرة، على أساس وزنهم العسكري الميداني بفاغنر وطائرات الميغ والسوخوي في الجفرة.

حتى الولايات المتحدة لم تستطع إلا أن تترك السيسي في التسلل من خلال تصريحات علنية تؤكد على أنها عمليا غير صالحة، وأن الأولوية للمسار الأممي. إذ قال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية للشرق الأوسط، إن المبادرة تشمل بعض البنود المفيدة“.

ثم أضاف: “إلا أننا نعتبر أن العملية الأممية ومنصة برلين تشكلان إطارا أكثر فعالية لإطلاق المفاوضات من أجل تحقيق تقدم في مسألة وقف إطلاق النار“.

الرسالة واضحة هنا ولو أن الصياغة أتت ببعض التأدب: مبادرة السيسي أتت في الوقت الضائع.

تغرق قاهرة السيسي في الرمال الليبية، ولا أدل عن ذلك من سعيها لنشر شائعة عبور القوات المصرية الحدود وغزوها الجار الغربي.

على مدى عشرات السنين كان هناك دوما شعور بالضجر من الانفلاتات الليبيةفي القاهرة، ونوع من الشعور بالوصاية والاعتقاد بأن السطوة العسكرية قادرة على تعديل الأمور.

نستحضر في هذا السياق المغامرة العسكرية للسادات سنة 1977، والتي احتلت أجزاء من الأراضي الليبية ومكثت فيها لمدة أربعة أيام، قبل تدخل وساطات دولية وانسحاب القوات المصرية. لكن لم يفعل ذلك إلا تأجيج الشعور المعادي لمصر وتقوية العقيد.

الورقة الأكثر أهمية التي تعمل عليها القاهرة هي تحقيق الامتداد المصري في ليبيا عبر قبائل أولاد علي. 1200 كلم من المناطق الصحراوية الخالية باستثناء بعض الواحات، والتي يستحيل أن تغلقها القدرات العسكرية المصرية مهما تطاوست، وكانت دائما مجالا للاختراقات السهلة.

العشماوي الذي انتقل من سيناء إلى ليبيا أرسل مجموعات داعشية عبر ذلك المجال، وكانت تتنقل بسهولة على جانبي الحدود.

حدود رخوة لا يمكن تأمينها بشكل عسكري كلاسيكي، ومن هنا تأتي أهمية حزام بشري قبلي ممثلا في فيدرالية القبائل المصريةالليبية، أولاد علي، الممتدة بين الصحراء الغربية المصرية إلى الداخل الليبي في مساحة تقارب 500 كلم، والتي هاجرت من ليبيا إلى مصر منذ القرن السابع عشر.

ليس سرا سعي القاهرة لتجنيس هؤلاء وتحقيق اختراق اجتماعي في الشرق الليبي، لكن ذلك سيتطلب وقتا، والوقت ليس في صالح القاهرة.

لا يوجد أمام السيسي سوى مناورات السياسة، وبعكس ما يعتقد لا يملك المبادرة. ولم يعد أمامه خيارات كثيرة، سوى أن ينضبط لتوازنات الواقع، ويفكر جديا في مفاوضات مباشرة مع الطرف التركي.

تصريحات وزير الخارجية التركي التي اعتبرت أن المبادرة المصرية ولدت ميتة، تضمنت الشروط التركية لفتح قناة تفاوضية مع القاهرة؛ عبر القول إن أفضل شيء بالنسبة لمصر أن تتعاون مع تركيا، وأهم بنودها التخلي عن حفتر.

ربما تتحرك الإدارة العميقة للدبلوماسية المصرية وتحرك بعض العقل في رأس السيسي، للتفكير في المصالح الجيوسياسية المصرية بعيدا عن الصلف الإماراتي وتعليماته. ننتظر ونرى!
_________