Minbar Libya

بقلم سعيد الحاج (باحث في الشأن التركي)

لا يمكن بحال التقليل من حجم التطورات الميدانية الكبيرة والمتسارعة في المشهد الليبي ودلالاتها وبالتالي تأثيرها.

فحفتر الذي بدأ هجومه على طرابلس في نيسان/ أبريل 2019، ثم تمنَّعَ عن توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في موسكو في كانون الثاني/ يناير الفائت ومن بعده مؤتمر برلين آملاً أن يحسم المعركة سريعاً، خسر اليوم معاقله في الغرب الليبي الواحد تلو الآخر، وفي وتيرة متسارعة مثيرة للانتباه.

ولا شك أن ذلك يضفي على حكومة الوفاق الوطني مشروعية ميدانية إضافة للاعتراف الدولي بها، واستقراراً للأوضاع في العاصمة، وتثبيتاً للدور التركي في الأزمة الليبية، وزيادة في حرج حفتر وداعميه الإقليميين. ولعل ذلك من ضمن أسباب السقف المرتفع لتصريحات مسؤولي حكومة الوفاق، الرافضة للتفاوض مع الانقلابيينوالعازمة على تحرير وتوحيدكافة الأراضي الليبية قبل المبادرة المصرية وبعدها.

انهيار غامض لقوات حفتر

رغم صحة كل ما سبق، والدلالات البالغة للتطورات الأخيرة وتأثيرها على مجريات الأزمة، إلا أنه من المبكر الجزم بالمآلات النهائية وتأثير التطورات الحالية على الحل النهائي للأزمة، بل إن التقييمات بهزيمة كبيرة وجازمة لحفتر وقدرة حكومة الوفاق على الذهاب حتى الشرق تبدو مبالغاً فيها إلى حد كبير، لعدة اعتبارات.

ففي المقام الأول، ما زالت المعركة الأخيرة دفاعية بالنسبة لحكومة الوفاق، التي سعت لكسر الحصار عن طرابلس ومحيطها ثم إبعاد قوات حفتر بالتدريج عنها، بعد أن كانت الأخيرة سيطرت على عدد من المدن والبلدات ضمن ما أسمته معركة تحرير طرابلس“.

كما أنه ليس من الواضح تماماً حتى اللحظة السبب الحقيقي لانهيار قوات حفتر بهذا الشكل، أكان بسبب عامل المفاجأة الذي أحدثته قوات الوفاق مستندة للدعم التركي، أم التخبط في التعامل مع المستجدات المتتالية، أم بسبب بعض الأطراف الإقليمية والدولية ضغطاً على حفتر أو تعديلاً في الموقف أو حواراً مع الأطراف الأخرى لا سيما تركيا والولايات المتحدة. وبالتالي، ما زال من المبكر الحديث عن مسار باتجاه واحد لا عودة عنه لمصلحة حكومة الوفاق.

ثالثاً، تختلف معركة الشرق الليبي عن الغرب والجنوب جذرياً. فالشرق هو المعقل الرئيس لحفتر والقبائل الداعمة له، وفيها قوته العسكرية الأهم، فضلاً عن أهميتها الاقتصادية المرتبطة بالنفط. كما أن قرب المنطقة من الحدود المصرية يزيد من أهميتها بالنسبة للأخيرة والمحور الإقليمي الداعم لحفتر وبالتالي يجعل أمر السيطرة عليها مهمة أصعب مما تبدو بكثير.

ومن أهم العوامل المؤثرة في مصير الشرق ومستقبله الموقف الروسي الذي تبدى عبر إرسال مقاتلات مؤخراً لليبيا يمكن قراءتها كتثبيت للوضع القائم في الشرق أو ربما دعم حفتر في هجوم ارتدادي محتمل ضد حكومة الوفاق.

وفي مقابل المركزية والمؤسسية اللتين تمتاز بهما قوات حفتر إلى حد كبير، فقد عانت القوات المنضوية تحت حكومة الوفاق طويلاً من التشتت وغياب وحدة التحكم والقيادة بشكل هرمي ومركزي، وهو الأمر الذي عمل عليه الأتراك بشكل كبير ويبدو أنهم قطعوا فيه شوطاً مؤخراً.

المواقف الإقليمية والدولية

كما أن مواقف القوى الإقليمية والدولية ذات أهمية استثنائية في سياق استشراف مآلات المشهد الميداني والسياسي، ومن مؤشراته الدعم الروسي الصريح والأوروبي الضمني وشبه المشروط للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، في مقابل الموقف التركي المشكك في دوافعها والرافض لها.

وبالحديث عن دور أنقرة، من المهم التذكير بأن سيطرة حكومة الوفاق على كامل الأراضي الليبية ليس من أولويات الأخيرة، على الأقل في المرحلة الحالية. ذلك أن مجمل التصريحات الرسمية التركية كانت تتضمن الدعوة لحل سياسي يشمل كافة الأطراف، بعد تحقيق الاستقرار والتوازن في المعادلة العسكرية، وبما يثبت حكومة الوفاق والاتفاق الذي أبرمته تركيا معها.

صحيح أن التصريحات التركية الأخيرة ترفض فكرة إشراك حفتر في العملية السياسية، لكن ذلك قد يكون من باب الضغط واستثمار التقدم الميداني للوفاق، وكأوراق تفاوضية مع مختلف الأطراف لا سيما روسيا، فضلاً عن أن استبعاد حفتر لا يعني بالضرورة سيطرة الوفاق على الشرق.

الولايات المتحدة ليست إلى جانب حفتر بالضرورة، حيث بشّر الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن باحتمال تغير الموقف الأمريكي. روسيا أيضاً ليست منحازة بشكل كامل وعلني له، لأسباب كثيرة منها علاقاته الأمريكية ورفضه التوقيع على اتفاق موسكو وتراجعه الأخير، وبإشارات مثل التواصل المستمر مع عقيلة صالح ودعم مواقفه وتصريحاته، لكن كل ذلك متعلق بحفتر كشخص وليس بالشرق كمنطقة وكيان سياسي بالضرورة.

وعليه، من المستبعد أن تكون أنقرة مهتمة بدعم معركة قد تفتحها حكومة الوفاق في الشرق، وهو الأمر الصعب بالمنطق العسكري كذلك، ما قد يستدعي مواجهة تركية ـ روسية غير مباشرة أعلى سقفاً من مجرد تواجه السلاحين التركي (المسيّرات) والروسي (المنظومات الدفاعية) على الأراضي الليبية كما حصل في الأسابيع الفائتة. ومما يدعم هذا التوجه أن تركيا ليست موجودة عسكرياً بشكل مباشر وقوي في ليبيا حتى اللحظة، وإنما تكتفي مرحلياً بدعم حكومة الوفاق بكافة الوسائل المتاحة.

في المحصلة، ما حصل خلال الأيام والأسابيع الفائتة في ليبيا مفاجئ ومهم وله دلالاته، وسيكون له بالتأكيد تأثير على مسار الأزمة الليبية. بيد أن المبالغة في رفع سقف التوقعات بخصوصه ليست في مكانها، لا سيما الاعتقاد بأن حكومة الوفاق قادرة قريباً وسريعاً على حسم المشهدين الميداني والسياسي لمصلحتها بالقياس على ما أنجزته مؤخراً.

فأولاً، وكما في الأزمات المشابهة، تبدو المواقف الدولية والإقليمية أكثر تأثيراً في المسار من الديناميات الداخلية المباشرة. ومن جهة أخرى ليس هناك معطيات يمكنها الجزم بالمآلات السياسية تحديداً.

ذلك أن تثبيت حكومة السراج نفسها وزيادة أوراق قوتها، بما يجعل إمكانية تهميشها أو استبعادها فضلاً عن القضاء عليها أمراً شبه مستحيل، قد ـ وينبغي أن ـ يساهم في تسهيل التوصل لحل سياسي قائم على قناعة حقيقية باستحالة الحسم العسكري، إلا أن ذلك ليس أمراً حتمياً.

قد تؤدي التطورات فعلاً إلى ترسيخ القناعة بحل سياسي وتسهيل سبل الوصول إليه، لكنها أيضاً قد تؤدي لتقسيم ليبيا على قاعدة الشرق والغرب، تقسيماً ضمنياً وبالأمر الواقع إن لم يكن رسمياً ومعلناً، الآن أو لاحقاً، تقسيماً كاملاً لدويلات أو على شكل فيدرالية أو كونفيدرالية لاحقاً، بشكل شديد الشبه بالأزمة السورية وسيناريوهاتها المستقبلية المحتملة.

****

ميزان الحرب بليبيا تغيّر والمعركة لم تنته

بقلم باسل درويش

قال موقع بلومبيرغإن موازين الحرب الأهلية الليبية قد تغيرت لكنها لم تنته بعد. وأضاف أن الحرب مهيأة لقتال جديد ولا يوجد لدى أحد النفوذ لوقفها حتى الولايات المتحدة.

وأشار في مقال للكاتب بوبي غوش، ترجمته عربي21″، إلى أن ليبيا ولوقت طويل لم يكن فيها ما يدعو إلى التفاؤل إلا أن حكومة الوفاق الوطني المحاصرة لديها ما يمكن أن تفرح له. فلم يعد العدو خليفة حفتر يزعج نواحي العاصمة لأن جيشه في تراجع منذ أسابيع. فقد انتهت محاولة الجنرال الخارج للسيطرة بقوة السلاح على شمالغرب ليبيا فيما دعا حلفاؤه إلى وقف إطلاق النار.

ورفضت حكومة الوفاق وتركيا التي تدعمها دعوات وقف النار وتتقدم قواتها نحو الهلال النفطي، وهو مجموعة من الموانئ النفطية المهمة لصادرات الطاقة الليبية.

ولفت الموقع إلى أنه وبالإضافة إلى الفرح والتوقعات، فإن سكان طرابلس سيشعرون بالشماتة من الأخبار التي كشفت عن عملية خداع تعرض لها حفتر على يد مرتزقة ورجال أعمال غربيين، ضحكوا عليه وأخذوا منه 50 مليون دولار، على أسلحة لم يوفروها له بالمعايير المطلوبة.

لكنه أشار في الوقت ذاته، إلى أن الحرب الأهلية لم تنته بعد. ورغم دعوة معظم الدول المنخرطة فيها إلى وقف إطلاق النار إلا أنها لا تستطيع جلب المتحاربين إلى طاولة المفاوضات، فكل من حكومة الوفاق الوطني وقوات حفتر لديهما أهداف ومكاسب يجب تحقيقها.

وتدخل الرئيس دونالد ترامب في الحوار حول ليبيا من خلال الإتصال بالرئيس التركي والمصري الداعمين الرئيسيين لكل من حكومة الوفاق وحفتر على التوالي.

إلا أن ترامب لن يتدخل في الحرب في أجواء انتخابية. وبدون قوات على الأرض فلا تستطيع واشنطن أو بروكسلعاصمة الاتحاد الأوروبي التأثير بقوة على المتحاربين في ليبيا. وتأثيرهما محدود على داعمي الحرب الخارجيين. وجاء التذكير أن الحرب لم تنته هذا الأسبوع عندما قام مسلحون بإغلاق حقل نفطي لم يعد للعمل لعدة أيام. وتم إغلاق أنبوب غاز إلى إيطاليا لفترة قصيرة.

وتوقفت الصناعة النفطية الليبية بشكل كامل تقريبا منذ كانون الثاني/يناير عندما أوقفت قوات حفتر العمل في المنشآت النفطية، وهو ما أدى لخسائر بالمليارات لشركة النفط الوطنية.

وانحرف تركيز الحرب الآن إلى ميناء سرت، وهو البوابة الرئيسية للهلال النفطي. ويبدو أن الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر يحضر لمعركة طويلة، بشكل يعيد ذكريات حرب الشوارع عام 2011 في مدينة مصراتة. ولا يعرف إن كان حفتر سيكون قادرا على استدعاء المرتزقة الروس والسوريين الذين نقلوا إلى مناطق الشرق. ولا حتى الطائرات الروسية التي وصلت إلى قاعدة الجفرة.

ويبدو أن حلفاء الزعيم المتمرد، روسيا والإمارات ومصر راغبون بنوع من التسوية التي تؤدي إلى تقسيم فعلي للبلاد. وفي حديثه مع ترامب استطاع عبد الفتاح السيسي الحصول على دعم أمريكي لوقف العمليات القتالية.

إلا أن تركيا الداعمة الرئيسية لحكومة الوفاق تخشى من حيلة، ولهذا وصفت المبادرة بأنها محاولة لإنقاذ حفتر. ويريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حفتر خارج اللعبة ليس من سرت ولكن من العملية السياسية كلها.

وتمثل ليبيا بالنسبة لأردوغان نقطة مضيئة، بحسب الموقع، وسط فضاء اقتصادي وجيوسياسي بائس. وبعد مكالمته مع ترامب قال أردوغان: إنه توصل إلى نوع من التسوية حول مستقبل ليبيا“.

وأشار بلومبيرغإلى أن تركيا تريد من الولايات المتحدة لعب دور مهم في الساحة الليبية، لإخافة روسيا ودفعها لقبول تسوية مع أنقرة.

وتحدث أردوغان مع فلاديمير بوتين وناقشا وقف إطلاق النار، ولا يوجد ما يشي بوجود طبخة تسوية بين الوفاق وحفتر كما فعلا في كانون الثاني/يناير.

وفي ذلك الوقت كان حفتر هو الذي فر، حيث راهن على شروط أفضل تقربه نحو أبواب طرابلس. ولكن زعيم التمرد الذي حاصر العاصمة أصبح نفسه محاصرا، وربما كان يبحث عن انتصار قبل الموافقة على وقف إطلاق النار أو يريد منع تقدم قوات الوفاق في سرت.

__________