Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

تزامنًا مع الهزائم المتتالية للواء المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من الإمارات ومصر والسعودية، وتكثيف قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليًا استعداداتها لاقتحام مدينة سرت، يُسابق رعاة قوات الشرق الزمن ويسارعون في وتيرة حراكهم الدبلوماسي في عدة عواصم معنية بالأزمة الليبية من أجل وقف الحرب.

وذلك دعمًا للمبادرة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التي في ظاهرها إعلان لاستئناف مسار العملية السياسية، وفي باطنها، إعطاء خليفه حفتر مهلة للملمة شتات قواته المنهزمة وإعادة ترتيب صفوفه درءًا لأي انتكاسة كبيرة أخرى، الأمر الذي رفضته حكومة طرابلس جملةً وتفصيلًا معلنةً استكمال عمليات تحرير المدن الليبية من الغرب إلى الشرق.

الدعوات المتواصلة لدفع الحكومة الشرعية إلى الجلوس لطاولة الحوار والعودة للحل السياسي السلمي، ترى فيها الوفاق المنتصرة على الأرض حقنة لإعادة الروح لجسد العسكر المنتكس على أسوار العاصمة وفي ترهونة.

وهي خدعة حرب لوقف انتصاراتها أمام جيش مدعوم من أكثر من جهة (الإمارات ومصر والسعودية وروسيا وفرنسا والجنجويد)، كما يعتبره مراقبون، المخرج الوحيد للقوى الداعمة لحفتر من أجل الخروج من المتاهة والمأزق والمحافظة على الحد الأدنى من المصالح، وهي خطوة أولى ستعقبها أخرى قد تنتهي بإخراج اللواء من المشهد برمته.

سرت.. الحسم

بات من المؤكد أن الحرب الفاشلة التي قادها اللواء المتقاعد منذ أكثر من عام قصد الإطاحة بالحكومة الشرعية واحتلال العاصمة طرابلس، جعلت حفتر عبئًا على الجميع وخاصة رعاته وداعميه أي مصر والإمارات العربية المتحدة والسعودية، الذين راهنوا على الحسم السريع، لذلك فإن تلك القوى تعتقد أن الوقت حان للحد من الخسائر المتعلقة بليبيا واتخاذ قرار حاسم يحفظ لهم ماء الوجه خاصة بعد الهزائم المذلة التي تكبدتها (هروب الفاغنر والمرتزقة).

ويتخوف الرعاة وخاصة مصر من تقدم قوات الوفاق المدعومة من تركيا نحو الشرق والسيطرة على مدينة سرت الإستراتيجية وبالتالي فقدانها للمكتسبات التي أحرزتها سابقًا من خلال دعمها لعمليات حفتر العسكرية.

فمدينة سرت تحظى بأهمية قصوى للطرفين، فإذا سقطت تداعت كل المدن الأخرى تباعًا لينهار مشروع السيسي وابن زايد على مشارف الحدود المصرية وتحديدًا في مدينة بنغازي.

تكتسب مدينة سرت الليبية أهميةً إستراتيجيةً في تحديد مسار المواجهات، وفق الخصائص الجغرافية التي تتمتع بها، إذ تقع على منتصف الساحل بين طرابلس وبنغازي، وتعتبر من أكثر المدن امتدادًا على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط، بالإضافة إلى احتوائها على العديد من المنشآت الإستراتيجية، مثل مطار القرضابية الدولي وميناء سرت التجاري، وتضم أيضًا قاعدة جوية رئيسية (القرضابية).

ويعد المطار والميناء من أهم المنافذ الرئيسية في ليبيا على العالم، لذلك فإن تحرير المدينة سيُمكن قوات الوفاق المعترف بها دوليًا من السيطرة على قاعدة الجفرة العسكرية الرئيسية التي تقع جنوب سرت، وستيسّر لها في مرحلة أخرى دخول الجنوب الليبي والمثلث النفطي من بوابة الجفرة.

البديل المصري

التطورات الأخيرة التي رافقت الانهيار المفاجئ لقوات خليفة حفتر على أسوار العاصمة طرابلس دفعت مصر لإعلان مبادرتها لوقف إطلاق النار وعودة المفاوضات بشكل يوضح ضمنيًا اعترافها بعجز حليفها عن حسم المعركة عسكريًا لصالحه بعد دعم سياسي ولوجيستي غير محدود.

وبذلك تكون القاهرة قد انتقلت إلى المرحلة الثانية تمهيدًا لما بعد حفتر رغم حرصها الإبقاء على مساحة للمناورة ضمن إستراتيجية تقليل الخسائر.

مصر تعلم جيدًا أن المعادلة انقلبت والكفة رُجحت ميدانيًا لفائدة حكومة الوفاق بعد أن رمت أنقرة بثقلها دعمًا للشرعية، وأن الروس لا يخدمهم الانخراط العسكري المباشر في ليبيا كما فعلت في سوريا، فلا المغانم أو المصالح المراد تحقيقها ذاتها، لذلك فإن نظام السيسي بين خيارين لا ثالث لهما.

الخيار الأول سارت فيه القاهرة مباشرة بعد تقهقر قوات اللواء المتقاعد التي كانت تُحاصر طرابلس وهزائمها المتتالية، بإعلان المبادرة بحضور خليفة حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، في محاولة منها لوقف تقدم قوات الوفاق وإفساح المجال أمام حفتر لترتيب أوراقه.

وبالتالي فإن الحل السياسي يمثل الملاذ الأخير الذي سيسمح للواء بالتفاوض لتحقيق مكاسب على الرغم من فشل الحملة العسكرية التي بدأت في أبريل 2019، كما تسعى مصر إلى رأب الصدع بين الشخصيتين المتنافستين على السلطة في الشرق، الذي وصل إلى حد محاولة اغتيال الأخير لدى عودته من مصر، ووفقًا لمصادر محلية من الشرق فإن عقيلة صالح أبلغ الجانب المصري فور نجاته من محاولة الاغتيال الفاشلة بأنه لا يستبعد وقوف أطراف بشرق ليبيا ورائها، في إشارة لحفتر الذي كان بدوره في القاهرة.

من جهة أخرى، فإن النظام المصري بات على يقين بأن قوات حفتر لن تصمد كثيرًا أمام تقدم الحكومة الشرعية التي بدأت معركة جديدة في سرت، وأن الداعمين الرئيسيين (الإمارات والسعودية) سيطلبان منها التدخل المباشر بصفتها الأقرب جغرافيًا لكبح أي انهيار آخر لحليفهما وهو ما تتخوف منه القاهرة.

إن الانخراط غير المدروس في حرب قد يجبرها على الصدام مع تركيا التي تراها عدوة، وفي حال انهزامها سيصبح الأتراك على حدودها (بنغازي)، وهو سيناريو يعمل نظام السيسي على تفاديه خاصة أن الجيش المصري متورط في سيناء.

الخيار الثاني وهو الأقرب في ظل التطورات الأخيرة وتفاوت موازين القوى، فالتخلي عن حفتر في هذه المرحلة الدقيقة أصبح ضرورة ملحة للمصريين في حال رغبت القاهرة في الحفاظ على مصالحها في ليبيا، لذلك فإن القاهرة ستعمل على تقليص نفوذ حفتر وتوسيع دور رئيس برلمان طبرق (الشرق) الذي لقيت مبادرته للحل السلمي قبولًا من عدة أطراف على رأسهم روسيا، وذلك استباقًا لأي اتفاق تركي روسي بشأن هذه النقطة خاصة أن أنقرة لا ترفض وجود صالح كممثل عن طبرق (الشرق).

ورغم أن مصر ما زالت نظريًا تستثمر في مشروع حفتر لاكتساب الوقت، فإنها تبحث عن خيارات أخرى لتأمين مصالحها بعد أن أصبحت أقل يقينًا من أن ورقة اللواء قادرة على تنفيذ مشروعهم، لذلك ستعمل خاصة مع روسيا على بدائل سياسية أخرى قد تكون قادرة على حفظ مجال نفوذهما في شرق ليبيا.

وتسعى مصر من خلال هذه الخطوة إلى إظهار نفسها كلاعب دبلوماسي أكثر براغماتية من الإمارات وباقي الداعمين، وبالتالي تضمن لنفسها مركز القيادة في النسخة العربية لعملية السلام الليبية المحتملة.

روسيا.. تحويل الدفة

موقف موسكو يختلف قليلًا عن القاهرة، فروسيا التي تدعم اللواء المتقاعد دبلوماسيًا وعسكريًا وفق منطق برغماتي بحت وتهدف من ورائه تعزيز دورها كطرف محكم بين أطراف النزاع، لم تترك طرف الخيط عبر محافظتها على قنوات الاتصال الرسمية مع حكومة الوفاق المدعومة بقرارات أممية.

ويُمكن القول إن المحادثات الماراثونية الروسية التركية بشأن ليبيا التي لم تنقطع رغم انخراطهما في العمليات العسكرية في ليبيا، يُعد نسخة من السيناريو السوري، فالقوتان تتنافسان على الأرض وتتحاوران على الطاولة كلٌ حسب الأجندة المراد تنفيذها.

وهو ما يعطي انطباعًا أن الفناء الخلفي هو الذي سيُقرر مصير الملف الليبي، لذلك فإن الروس سيحرصون على فرض أنفسهم في ليبيا كوسيط بين تركيا من جهة ومصر والإمارات من جهة أخرى، وبالتالي ستضع موسكو بيضها في السلتين.

ومن هذا الجانب، ستعمل روسيا على التخفيف من دعمها لقوات حفتر مع الإبقاء على جميع خياراتها مفتوحة مع تخليها تدريجيًا عن ربط سياستها بمصير شخصية محلية مثل خليفة حفتر، الذي رفض في 13 يناير 2020 التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه روسيا.

ويبدو أن الأوراق الروسية ستنكشف قريبًا وسيتضح أن دعمها للواء بقوات غير نظامية ومرتزقة (فاغنر) كان بالأساس من أجل الاندماج في اللعبة الليبية ومنع الأوروبيين من الوصول إلى موارد الطاقة وإبراز صورة روسيا كلاعب رئيسي لا يمكن بدونه اتخاذ أي قرار دولي ولا يُمكن حل الأزمة الليبية.

الخروج الآمن

خروج خليفة حفتر من المشهد السياسي الليبي بات مسألة وقت يختاره الداعمون، فرغم حرص مصر على فرضه كرقم في مبادرتها السياسية التي لاقت رفضًا من قوات الوفاق المسيطرة ميدانيًا، فإن القاهرة تعمل بالتوازي على الخطة البديلة سابقة الذكر.

وهو ما أكده المبعوث الأمريكي السابق إلى ليبيا جوناثان وينر في تغريدة على صفحته بتويتر، حيث أكد أن حفتر سيبقى تحت مراقبة دقيقة في القاهرة ولن يعود إلى ليبيا في الفترة الحاليّة، مضيفًا من المتوقع أن يبقى حفتر على الأقل لعدة أسابيع في العاصمة المصرية حتى يتم تحديد مكان آخر لتقاعده، وذلك نقلًا عن مسؤولين كبار في الحكومة المصرية“.

وفي تصريح سابق قال المبعوث الأمريكي: “كشخص مات خليفة حفتر، في إشارة إلى مشروع حكم ليبيا من الرجل الذي راهن على تفوقه العسكري، ورجل المصريين والإماراتيين والروس والفرنسيين، الذي أعلن أنه سيأخذ طرابلس في غضون أيام قليلة يجد نفسه اليوم عند سفح الجدار، محاصرًا للتخلي عن قوة السلاح.

من جانبه، أورد المستشار السابق لحفتر، محمد بويصير أخبارًاعن أن مصر تسرب إلى واشنطن أنها تستضيف المشير حفتر في بيته تحت المراقبة المشددة وكل أقاربه بدأوا يلحقون به هناك، وأن القبة (مقر البرلمان) ستقود العمل في برقة المرحلة القادمة من أجل وقف إطلاق النار وفتح تصدير النفط والشروع في مفاوضات الحل السياسي.

مضيفًا في تدوينة على فيسبوك: “إن كنا ننتظر التأكيد بخطاب وداعي من الجنرال، إلا أن هذه النهاية الهادئة لمسيرته تتماهى مع الأسلوب المصري الناعم والمتحضر أيضًا الذي تتبناه في هذه الأحوال“.

التسريبات التي نقلها مسؤولون مصريون إلى المبعوث الأمريكي، أكدتها تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن موقف أنقرة يتفق بشكل كبير مع واشنطن بخصوص الملف الليبي، مشددًا في الوقت ذاته على إمكانية استبعاد اللواء الانقلابي خليفة حفتر من العملية السياسية، مشيرًا في مقابلة تليفزيونية إلى أنه قد تحصل بعض التطورات بين تركيا والولايات المتحدة فيما يتعلق بليبيا، وقد حصلت بعض الاتفاقات بالفعل، وسأناقش الأمر مع بوتين“.

يبدو أن الوضع في ليبيا يسير نحو مرحلة التسوية السياسية بين أطراف الصراع يُستثنى منها اللواء، وذلك بعد أن تدفع الأعمال العسكرية في مدينة سرت إلى دعوة القوى الفاعلة في الملف إلى تحريك المفاوضات بين الغرب والشرق في وقت لاحق.

خاصة أن المحادثات التي جرت في موسكو من ممثلين لحكومة الوفاق الوطني، إلى جانب زيارة السراج إلى تركيا تعتبر نقطة بدء انطلاق محادثات السلام من أجل وضع صيغة مصالحة مرتقبة على قاعدة المؤتمر الليبي الجامع الذي كان من المقرر عقده في غدامس في أبريل/نيسان الماضي تحت رعاية الأمم المتحدة، ووقع إحباطه من خلال هجوم حفتر على طرابلس.

بالمجمل، يُمكن القول إن معركة سرت ستكون حاسمة في تحديد ملامح ليبيا مستقبلًا لما تحمله المدينة من أهمية إستراتيجية، فهي تُمثل للحكومة الشرعية الخط الفاصل بين الغرب والشرق وبوابة لإعادة تحرير الأراضي الليبية من سيطرة الميليشيات المدعومة من قوى الثورة المضادة. ومن المفارقات أن تكون سرت هي ذاتها المدينة التي قضى فيها القذافي نحبه على أيادي الثوار الليبيين .

***

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

___________