Minbar Libya

تقرير عماد المدولي

لم يعد خافياً على أحد الدور الكبير والمحوري الذي يشكله السلفيون “المداخلة” في تكوين مليشيات حفتر التي هاجمت العاصمة طرابلس، إلا أن وجودهم على الساحة الليبية وخصوصا في الشرق سبق هذا العدوان بكثير.

الجزء الأول

اكتسب السلفيون “المداخلة” نفوذاً كبيراً في سائر أنحاء ليبيا خصوصا في مدن الشرقبما في ذلك في المجموعات المسلحة والمؤسسات الدينية الرئيسية، صعودهم هذا من شأنه أن يعقّد الجهود الرامية إلى تسوية الأزمة، حيث يشعر كثيرون – خصوصا من أنصار المجتمع المدنيبالرعب من النفوذ الذي يحظى به المداخلة، ومن أفعالهم التي تنضح بعدم التسامح ومن أجندتهم المعادية للديمقراطية.

فأيديولوجيتهم تضعهم على الطرف النقيض من الإسلاميين السياسيين، والكل شاهد الهجمات اللفظية، وأحياناً الجسدية، للمداخلة على جملة من الأهداف تتراوح بين العلمانيين، وأفراد الطرق الدينية الأخرى والنشطاء من نساء وشباب، إضافة إلى استخدام المؤسسات الدينية للدولة لنشر عقيدتهم المتشددة كاستراتيجية لفرض أعراف ثقافية ومجتمعية جديدة.

غير أن التحول المفصلي للقضية المدخلية في ليبيا جاء بعد توجه ورود فتاوى تشرعن ممارسة القتل، ليتحول المداخلة في وقت قصير إلى قوة ضاربة لها ثِقلها على الأرض.

المداخلة بذور التطرف… طاعة للحكام وتشديد مع الناس

في دراسة أعدها الباحث في معهد كارنيغي للسلام الدولي “فريدريك ويري” عن الوضع في ليبيا بعنوان “وداعا للهدوء؟!، اعتبر أن المداخلة مؤهّلون ليصبحوا إحدى أهم القوى العسكرية في الداخل الليبي.

وذلك منذ عام 2016، وهو ما تحقق بالفعل، حيث تورط عدد من رموز المداخلة في عمليات وُصفت بالإجرامية ضد الليبيين، شابهت بعض ممارستهم ممارسات تنظيم الدولة “داعش” من تصفيات خارج القانون، وقتل بالشُّبهة، إلى جانب عمليات اغتيال، وسيطرة على سجون داخلية.

ومع اتساع رقعة التسليح للمداخلة على الجغرافيا الليبية، وإنشائهم جماعات مسلحة قوية، جعل منهم لاعبين محوريين في الأزمة الليبية، ويضيف بعداً آخر للصراع الليبي المتعدد الأبعاد أصلاً..

فمن هم المداخلة ؟

تسمية ونشأة التيار المدخلي

هو تيار سلفي متشدد ظهر في العلن في بداية تسعينيات القرن الماضي بالمملكة العربية السعودية ومنها تمدد إلى دول أخرى، يعتمد في دعوته ومنهجه على أمرين، الولاء المطلق للسلطة الحاكمة والطاعة الكاملة للحكام والدفاع عن مواقفهم وسياساتهم مهما كانت، والهجوم المستمر على المخالفين “مبدأ التجريح” وخاصة من التيارات الإسلامية الأخرى.

يطلق على هذا التيار عدة تسميات من بينها المداخلة، أو التيار المدخلي، أو المدخلية وكل ذلك نسبة إلى أحد أبرز شيوخهم ربيع بن هادي المدخلي كما يطلق عليهم أيضا الجامية نسبة إلى محمد أمان الجامي (1931- 1996) الإثيوبي الأصل، وهو شيخ ربيع المدخلي.

وكان الظهور العلني لهم على مسرح الأحداث، إبان حرب الخليج 1991 ، حيث برزوا وفقا لبعض الباحثينكفكر مضاد للمشايخ الذين استنكروا دخول القوات الأجنبية لإخراج القوات العراقية من الكويت، وأيضا كانوا في مواجهة “هيئة كبار العلماء” بالسعودية الذين رأوا في دخول القوات الأجنبية مصلحة، لكن دون تجريم من حرَّم دخولها.

فجاء المداخلة أو الجامية واعتزلوا كلا الطرفين، وأنشأوا فكرا خليطا، يقوم على القول بمشروعيّة دخول القوات الأجنبية، وفي المقابل يقف موقف المعادي لمن يحرّم دخولها أو أنكر على الدولة ذلك، وهو الفكر الذي عبر عنه ربيع المدخلي بكتابه “صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين”.

في بداية ظهور هذا التيار أثنى عليهم بعض العلماء منهم الشيخ “عبد العزيز بن باز” والشيخ “صالح الفوزان” وذلك قبل أن يروجوا لفكرهم القائم على عدة مبادئ خاطئة خاصة مبدأ التجريح للعلماء الكبار.

وهذا الذي أورث جفوة بينهم وبين أقرانهم من أهل العلم، إضافة إلى غلوهم الشديد في مسألة طاعة ولي الأمر حيث ينص المدخلي في شرحه لأصول السنة على أن المتغلب تجب طاعته حقنا للدماء، فإذا تغلب آخر وجبت طاعة المتغلب الجديد.

ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﻅﻬﺮﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺣﺮﻛﺔ ﺇﺳﻼﻣﻴﺔ ﺇﺣﻴﺎﺋﻴﺔ ﻣﻌﺎﺩﻳﺔ ﻟﻼﺳﺘﻌﻤﺎﺭ، ﻓﺈﻥ جذورها كمذهب تعود إلى الوهابية التي ظهرﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ “ﻧﺠﺪ” بشبه ﺍﻟﺠﺰﻳﺮﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻓﻴﻤﺎ ﺃصبحت ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩية ﻓﻲ ﻧﺴﺨﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ.

وﺗﻘﺴﻢ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺇﻟﻰ 3 ﺗﻴﺎﺭﺍﺕ ﻓﺮﻋﻴﺔ: ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ “ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ”، ﻭﻫﻲ ﺗﻴﺎﺭ ﻣﺴﺎﻟﻢ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﻳﻌﺎﺭﺽ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ؛ ﻭﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻹﺻﻼﺣﻴﺔ، ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺍﻧﺨﺮﺍﻁﺎً ﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺘﺨﺬ ﺷﻜﻼً ﺛﻮﺭﻳﺎً؛ ﻭﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺘﻨﻘﻪ تنظيمات ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﻭﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻭﺍﻟﺸﺎﻡ، وشهدت السلفية في السعودية انقساما في ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺛﻤﺎﻧﻴﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟماضي بسبب الخلافات حول ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ للسعودية.

وصول الفكر المدخلي إلى ليبيا

ﺃﺩﺧﻠﺖ هذه ﺍﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺩﺭﺳﻮﺍ ﻓﻲ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﻴﻤﻦ، ﺃﻭ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺗﻌﺮﻓﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﺔ ﺍﻟﻤﺪﺧﻠﻴﺔ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺤﺞ ﺇﻟﻰ ﻣﻜﺔ ﻭﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ بعد انتهاء حرب أفغانستان نهاية الثمانينات وبداية حرب الخليج بداية التسعينات.

استقر بهم الحال من خلال وصول القذافي إلى توافق معهم على اعتبارهم يضمنون استقرار نظام حكمه؛ كونهم يحرّمون الانتخابات والديمقراطية، ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحاكم، وبمقتضى هذا الاتفاق بقي المداخلة خلال فترة حكمه بمنأى عن الشأن السياسي، واقتصرت جهودهم على محاربة التصوّف بجميع حركاته في ليبيا والدفاع المستميت عن النظام والتعامل معه في الكثير من الأحيان في الجوانب الأمنية.

القذافي لم يكتفِ بهذه الصفقة فقط، بل كلّف ابنه الساعدي بمتابعة التيار السلفي ومراقبته عن كثب، وهو أمر جاء في سياق توزيعه لأذرع السلطة بين أبنائه خلال فترة حكمه، وقد أشارت دراسة بعنوان “السلفية المدخلية في ليبيا: التوجهات والحضور وسبب الاحتواء” إلى أن الساعدي عقد علاقات قوية مع شيوخ سعوديين.

كما جاء في الدراسة التي كانت لصالح جهاز المخابرات الليبي أن “التيار المدخلي عزّز من وجوده، مستغلًا التسهيلات التي تحصل عليها من قبل نظام القذافي، وتبني ابنه الساعدي له.

وهو ما مكّنه من السيطرة على الكثير من المساجد منافسًا بذلك المشايخ الذين كانت تميل صبغتهم للصوفية أو المعتدلين، والذين كانت ترعاهم جمعية الدعوة الإسلامية والأوقاف بشكل مباشر، وفيما أصبح للتيار المدخلي العديد من المنتسبين تتمتع أيضًا بحضور واسع في المجتمع الليبي”.

وﻳﻌﺘﻘﺪ البعض ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻤﺪﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺃﺟﻬﺰﺗﻪ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻟﻠﻤﺴﺎﻋﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺍﻗﺒﺔ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻭﺍﻷﻣﺎﻛﻦ ﺍﻷﺧﺮﻯ وﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺃﻱ ﻋﻼمة ﻋﻠﻰ ﺗﺤﺪﻳﺎﺕ ﻟﻨﻈﺎﻣﻪ، وفعليًا جنى القذافي ثمار هذا الولاء بشكل واضح حين اندلعت الثورة عام 2011.

فسرعان ما أصدر المداخلة فتاوى تحرم الخروج على القذافي باعتباره وليّ الأمر الشرعي، بل اعتبر المداخلة الثورة فتنة “القاعد فيها خير من القائم”، وحثوا الناس على التزام البيوت وطاعة ولي الأمر.

البقية في الجزء الثاني

***

عماد المدولي ـ كاتب ليبي

_________