Minbar Libya

تحوَّلت ليبيا إلى أحدث ساحات النزاع بالوكالة في العالم. وفي قلب هذا الصراع المحتدم؛ تدور رحى عمليةٍ معقدةٍ أشبه بالمتاهة، لتجنيد المقاتلين المرتزقة من أماكن مختلفة، تمتد من روسيا إلى تركيا مرورًا بسوريا، وتشمل أيضًا السودان.

الجزء الأول

على بساطِ تحقيقٍ مُطوَّل نشرته «صحيفة الإندبندنت» البريطانية، يصحبنا المراسلان بيل ترو، ورجائي برهان، في رحلةٍ إلى قلبِ هذا العالَم الغامض، الذي يموج بمرتزقةٍ يؤججون نيران حربٍ وقودها أرواح العديد من البشر، سواء كانوا من الليبيين في الداخل، أو المقاتلين القادمين من الخارج.

يستهل التحقيق بالقول: كانت المعنويات منخفضة حتى تكاد تلامس الثرى في صفوف القوات الموالية للحكومة الليبية المعترف بها دوليًّا، حتى إن مجموعة من المقاتلين كانوا يخططون سرًّا للفرار من ساحة المعركة إذا وجدوا أنفسهم مجبرين على مواجهة الروس.

على الجانب الآخر، كان المرتزقة المدربون تدريبًا عاليًا – والذين جُنِّدوا لدعم الجنرال المتمرد خليفة حفتر في محاولته الاستيلاء على طرابلس – قد خرجوا من أتون الحرب الأخيرة في ليبيا بوصفهم قوةً مرهوبة الجانب.

وكان مقاتلو طرابلس، المعتادون أكثر على استخدام أسلحة الكلاشينكوف وارتداء الصنادل الخفيفة، يكادون ينظرون إلى الدقة الفتاكة التي تتمتع بها القوات الروسية؛ نظر المَغْشِيِّ عليه من الموت. ولا غروَ، فقدرتهم البارعة على القنص أصبحت تُنسَج حولها الأساطير في أوساط عامة المقاتلين

لذا، عندما صدرت لهم الأوامر بالزحف جنوبًا صوب مواقع العدو، تبادلت مجموعة من المقاتلين الآراء بحثًا عن طريقة للهروب من المصير الذي ينتظرهم

النزاع على ترهونة

كان الهدف هو: بلدة ترهونة المتداعية، الواقعة على بعد 60 كيلومترًا جنوب العاصمة طرابلس. وبوجود مهبطَيْن صغيرَيْن، تحوَّلت تلك البقعة المنعزلة التي لا تطرق الأحداث أبوابها في العادة إلى خطِّ إمدادٍ حيوي لحفتر، منذ أن شن هجومه في أبريل (نيسان) الماضي لانتزاع العاصمة من قبضة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا.

وإذا سقطت تلك البلدة؛ كان الجنرال المنشق سيخسر موطئ قدمه الأخير في غرب ليبيا، ومن المرجح أن تفوز حكومة الوفاق الوطني بالحرب. لولا مشكلة واحدة هي أن مرتزقة موسكو كانوا في الطريق

ولرسم صورةٍ أكثر دقة للأجواء، ينقل تحقيق «الإندبندنت» عن أحد المقاتلين المؤيدين للحكومة قوله: «كنا نخطط للهروب. كان الخوف يغزو قلوبنا لقدوم الروس؛ بسبب دقتهم في إصابة الأهداف. إنهم يتمتعون باحترافيةٍ مذهلة في استخدام المدفعية». 

وأضاف، بينما يكلله الخجل: «كان هدفنا الرئيسي هو البقاء على قيد الحياة». معربًا عن صعوبة الإفصاح بوضوح عما كانوا يشعرون به من خوفٍ في ذلك الحين

ولكن حتى قبل أن يغادر مقاتلو حكومة الوفاق الوطني طرابلس، كانت اللقطات المتداولة على الإنترنت تُظهر ما بدا أنهم مقاتلون روس يتراجعون من الخطوط الأمامية على متن شاحنات وطائرات شحن. وعندما وصل المقاتلون أخيرًا إلى ترهونة، كان المرتزقة قد تبخَّروا.

ولتوضيح مدى عُمق دلالة خسارة حفتر لتلك البلدة، في اليوم الخامس من شهر يونيو (حزيران)، ينقل تحقيق «الإندبندنت» عن مسؤول عسكري في حكومة الوفاق الوطني في طرابلس قوله: «كانت هذه بداية انهيار كيان حفتر الأوهن من بيت العنكبوت». وأضاف: «كان هذا هو العامل الرئيس الذي أدى إلى انسحاب قوات حفتر من الأماكن الأخرى».

بيدَ أن «الجيش العربي الليبي» التابع لحفتر، والذي يلاحق الآن أذيال الهزيمة متراجعًا مئات الكيلومترات في عمق ساحل طرابلس، ينفي وجود أي مقاتلين أجانب بين صفوفهفي مقابلات مع صحيفة «الإندبندنت»، نفى قادة جيش حفتر مرارًا وتكرارًا هذه المزاعم ووصفوها بأنها مجرد «دعاية» و«أكاذيب تروج لها حكومة الوفاق والإرهابيون».

لماذا انسحب مرتزقة حفتر؟

بيد أن محققي الأمم المتحدة كان لهم رأي آخر، إذ يعتقدون أن شركات عسكرية روسية غامضة، مثل فاجنر، جنَّدت ما لا يقل عن 1200 شخص روسي لمساعدة حفتر على الظفر في حربه ضد حكومة الوفاق الوطني.

لكن ما الذي تسبب في انسحاب المئات من أولئك المرتزقة الروس في مثل هذه اللحظة الحاسمة؟ هذا هو حديث المدينة في طرابلس. إذ تكثر الشائعات عن التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة بين أنقرة وموسكو يقضي بالسماح للمرتزقة بأن ينجوا بأنفسهم من خط الجبهة دون أن يُصابوا بأذى، بما ينزع فتيل مواجهةٍ دموية بين القوتين العالميتين.

عن هذا التفسير، يقول أحد المرتزقة السوريين الذين يقاتلون في صفوف قوات حكومة الوفاق الوطني: «بالنظر إلى تأثير (هذا الانسحاب) على معنويات جنود حفتر؛ بتنا نعتقد على وجه التأكيد بوجود اتفاق». ويستشهد على ذلك بأن «كل المقاومة التي كنا نواجهها على جميع الجبهات اختفت في ليلة واحدة، كأن لم تكن».

يُعلِّق مراسلا «الإندبندنت»: هذه الحلقة الختامية من محاولة حفتر الكارثية للاستيلاء على طرابلس إنما تُسَلِّط ضوءًا كاشفًا على كيفية إسهام المرتزقة في توجيه دفة الانتصارات والهزائم، في خضم هذا الفصل الأخير من الحرب الأهلية الفوضوية في ليبيا.

ومع وجود رعاة أجانب تمتلئ خزائنهم بالأموال، وآلاف الجنود المنتشرين في ساحات القتال على كلا الجانبين، فإن ما كان في يومٍ من الأيام مجرد مناوشات بين الإقطاعيات المتصارعة التي تسيطر عليها الميليشيات، أصبح الآن أحدث حرب بالوكالة في العالم.

ولا غروَ أن يُغَيِّر هذا التدخُّل الخارجي المُكَثَّف، على وَقْعِ المصالح المتضاربة؛ وجه ليبيا إلى الأبد، ويؤلِّب القوى العظمى العالمية، بما في ذلك تركيا وروسيا والإمارات العربية المتحدة، بعضها ضد بعضوعلى هذا النحو، أصبحت «ليبيا هي سوريا الجديدة»، ولكن الحرب اقتربت هذه المرة من عتبة أوروبا، على حد قول دبلوماسي بارز شارك في محاولة حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

ويخلُص التحقيق الذي أجرته «الإندبندنت»، على مدى شهر كامل، من قلب هذا العالم السفلي الذي يموج بالمرتزقة، إلى وجود عملية تجنيد مُعَقَّدة أشبه بالمتاهة، تمتد من موسكو إلى دمشق، ومن إدلب إلى إسطنبول.

ويلفت مراسلا «الإندبندنت» إلى أن وقود هذه المعركة هم السوريون الأكثر فقرًا، الذين يستغلهم الرعاة – على كلا الجانبينبإرسالهم إلى خط المواجهة من أجل تحقيق أغراضهم؛ وهو ما توافق عليه دبلوماسيون غربيون أجرت الصحفية معهم لقاءات حول تحقيق الأمم المتحدة الجاري في انتهاكات حظر الأسلحة، إلى جانب المسؤولين العسكريين الأمريكيين، والمقاتلين السوريين والليبيين، بالإضافة إلى أكثر من 12 مقابلة أجرتها «الإندبندنت» مع أشخاص في كلا البلدين

ويُجَنِّد طرفا النزاع مقاتلين سوريين لخوض حرب بالوكالة في ليبيا، وبعدما كان هؤلاء السوريون يتقاتلون بعضهم ضد بعض، قبل وقتٍ ليس ببعيد، ها هم اليوم يعاودون الكرة مرة أخرى، لكن لمصلحة شخصٍ آخر في بلدٍ دمرته الحرب، وتبعُد آلاف الكيلومترات عن وطنهم

أبريل كان أكثر شهور العام قسوة حتى الآن

في الربيع الماضي كانت الأمور في ليبيا بدأت تتحسن؛ حتى إن الأمم المتحدة حددت مدينة غدامس الصحراوية المذهلة لتستضيف مؤتمرًا للسلام، كما وضعت جولات القتال الأخيرة أوزارها. وفي يناير (كانون الثاني) من العام الجاري، التقى ضباط شرطة من الحكومتين المتنافستين في بنغازي لمناقشة سبل التعاون المشترك.

ولكن في شهر أبريل، قبل أيامٍ قلائل من موعد بدء محادثات السلام، تقوَّض التقدُّم الذي كان هشًّا. وبدعمٍ من القوات الجوية الإماراتية والقوات البرية الروسية التي وطئت بأحذيتها العسكرية أرض ليبيا، واتت الجرأة حفتر لشن هجومه غير المدروس في محاولة لإطاحة حكومة طرابلس المدعومة من تركيا.

ولطالما رفض حفتر، المرتبط اسميًّا بالإدارة المنافسة في الشرق، الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، ووصمها بأنها مجرد دمية تحركها الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي يعدها هو ومؤيدوه الخارجيون، بما في ذلك مصر والإمارات، إرهابيين

في المقابل، تحظى حكومة الوفاق الوطني باعتراف الأمم المتحدة، وحماية ألوية من الميليشيات، ودعم دول من بينها تركيا وإيطاليا، وتعتبر حفتر مجرم حربٍ يسعى ليكون ملكًا.

في خضم هذا الصراع، تفاقم قلق الأمم المتحدة، وحذرت مرارًا وتكرارًا من أن تدفق المقاتلين والأسلحة إلى ليبيا ينتهك الحظر المفروض دوليًّا، وناشد المبعوث الأممي الخاص بالنيابة إلى ليبيا الشهر الماضي مجلس الأمن وقف «التدفق الهائل للأسلحة والمعدات والمرتزقة» إلى داخل البلاد.

ومن الصعب الإحاطة الشاملة بكل خيوط هذا النسيج المُعَقَّد من العناصر الأجنبية الذين يتقاتلون على أشلاء مُمَزَّعة من هذا البلد، المنكوب بصراعات متعددة طيلة السنوات التسعة التي انقضت من مقتل معمر القذافي بجوار ماسورة صرف.

ولا تُقَاس مواطئ الأقدام التي يسيطر عليها كل طرفٍ بالأمتار المربعة، ولكن بقوة النفوذ الذي يفرضه عبر المنطقة، ويستطيع توظيفه لصالحه ضد الآخر. وبالنسبة لشركات المرتزقة – مثل مجموعة فاجنر الروسية سيئة السمعة – فإن ليبيا تعد كنزًا لا تنفد خزائنه

شن حفتر الحرب على طرابلس في أبريل 2019، وكانت له اليد العليا آنذاك، مُحَقِّقًا مكاسب سريعة؛ بفضل الطائرات بدون طيار من طراز Wing Loong II، والطائرات المقاتلة، وأنظمة الدفاع الجوي من طراز بانتسير، التي يعتقد دبلوماسيون غربيون أن الإمارات هي التي وفرتها له أولًا، ثم أمدته بها روسيا لاحقًا، وإن كان البلدان لا يفتآن ينفيان أي مزاعم تتهمهما بالتورط في تلك الحرب.

______________