Minbar Libya

تقرير عماد المدولي

لم يعد خافياً على أحد الدور الكبير والمحوري الذي يشكله السلفيون “المداخلة” في تكوين مليشيات حفتر التي هاجمت العاصمة طرابلس، إلا أن وجودهم على الساحة الليبية وخصوصا في الشرق سبق هذا العدوان بكثير.

.الجزء الثاني

المداخلة بعد ثورة فبراير

بعد نجاح الثورة وسقوط القذافي، نشط المداخلة في بداية الأمر في نشر فكرهم وهدم الزواية وقبور الصالحين أين ما وجدت قبل أن ينخرطوا في المجالين السياسي والعسكري، فشكلوا “كتيبة التوحيد” التي انضمّت إلى مليشيات حفتر حين أعلن عن عملية الكرامة عام 2014، كما أنهم تمكنوا من السيطرة على الكثير من المنابر الدينية والمساجد، وتوسع نفوذهم العسكري.

وقد عمل المداخلة على السيطرة على الخطاب الديني الرسمي بمباركة من حفتر الذي مكن هذا التيار من السيطرة على المنابر والمساجد، وجعل لهم هيئة للفتوى.

وأخذ نفوذ المداخلة الليبيين يظهر في مدن الشرق، فانتشرت مكتبات تقدم كتب المنهج المدخلي بطباعة فاخرة وأسعار رخيصة، وانتشرت المدارس السلفية حتى أحصي منها 17 مدرسة سلفية في الأراضي الليبية الكثير منها يعمل دون ترخيص.

وكعادتهم لم يسلم منهم أي تيار إسلامي يخالف فكرهم فهاجموا الكل في الرسائل الفقهية والخطب الخاصة بهم، كما استخدم المداخلة المنابر للتحريض على المثقفين والفنانين، ومارسوا الرقابة وحرقوا الكتب تحت ذريعة أنها تُحرض على الزندقة والضلال والبدع، كما كانوا وراء حظر سفر النساء دون محرم.

فقد أصدر الحاكم العسكري “عبد الرزاق الناظوري”، في فبراير 2017 قرارا بحظر سفر النساء دون محرم، إلا أنه تم التراجع عن القرار تحت وطأة عضب الشارع.

المذهب المالكي والتوجه الصوفي الذي يسيطر على أغلبية المجتمع الليبي وضعه المداخلة نُصب أعينهم، فأقدموا على هدم أضرحة الصوفيين والتضييق على الأنشطة الصوفية، وقاموا بنبش الأضرحة والقبور لمشايخ الصوفية واعتدوا على الزوايا الصوفية.

وأبرز اعتداءاتهم هي قيام أشخاص ينتمون لهم بنبش ضريح الإمام “المهدي السنوسي”، زعيم الحركة السنوسية في ليبيا، بمساندة كتيبة “سبل السلام” السلفية التابعة لحفتر بمدينة الكفرة.

استفاد المداخلة من مكسب الحرية الذي أتاحته الثورة استفادة قصوى لم يتح لها مثيل في عهد القذافي، حيث بدأوا في افتتاح مكتبات خاصة، ومدارس السلفية الابتدائية، والمعاهد الشرعية على الطراز المدخلي، ومراكز العلاج بالرقية، الأمر الذي مثّل حالة دينية غريبة على المشهد الديني الليبي، الذي يغلب عليه المالكية والتصوف.

وبرزت أسماء قيادين من تيار المداخلة مقربين من حفتر تورطوا في عمليات القتل والتصفيات والاختطافات، مثل “قجه الفاخري” الذي كان على رأس قواته التي نفذت مجزرة “الأبيار” التي راح ضحيتها العشرات، وهناك القيادي في القوات الخاصة “محمود الورفلي” الذي يعد من أبرز قادة تيار المداخلة في صفوف حفتر، وهو مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بعد تورطه في جرائم حرب وقتل وتصفيات؛ تفاخر بارتكابها في مقاطع فيديو نشرت على صفحات التواصل الاجتماعي.

ولي أمر سياسي أم متغلب!

ورث حفتر ورقة المداخلة من القذافي، واستخدمها للحفاظ على سلطته في الشرق، وقد واصل المداخلة مهمّتهم المعتادة التي جبلوا عليها في دعم سلطة من يعتبره مشايخهم وليًّا شرعيًّا، وذلك بمساندتهم لحفتر في حربه ببنغازي عام 2014 .

ولقد استجاب المداخلة لفتوى “ربيع المدخلي” التي تجيز لهم تقديم الدعم الكامل لحفتر، فهم يهدفون من خلال تحالفهم معه إلى تحقيق المزيد من السيطرة في ليبيا، وفي المقابل يهدف حفتر إلى تعزيز سيطرته واستخدامهم في قتال منافسيه، خاصة أنّه يعاني من نقص في أعداد القوات التي تحارب تحت إمرته.

انطلق حفتر نحو دمج المليشيات العسكرية للمداخلة في قواته والمتمثلة في كتيبة التوحيد، حيث تم دمج قوات المداخلة بالكامل في قوات حفتر تحت مسمى “الجيش العربي الليبي”، وهو ما سمح لهم بتحقيق انتشار كبير، حيث سيطروا على مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة.

شهر العسل لم يدم طويلا، إذ أخذ المداخلة مؤخرًا يمارسون ضغوطًا على حفتر بعد أن ازدادت سلطتهم، ودليل ذلك قضية “محمود الورفلي”، فحين اتهمت المحكمة الجنائية الدولية الورفلي بالمشاركة في عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء؛

لم يستطيع حفتر القبض عليه كما أعلن، وذلك بسبب تهديد المداخلة سحب دعمهم له إذا أُلقي القبض عليه، كما إن معسكر حفتر يتعرض لتهديد شديد قد يصل إلى حد التمرد، وذلك بعد اندلاع خلاف بين قادة المداخلة حول هوية ولي الأمر الشرعي، حفتر أم رئيس مجلس نواب طبرق “عقيلة صالح”.

وتشهد شبكات التواصل مواجهات كلامية بين شيوخ المداخلة الليبيين، حول هويّة ولي الأمر، هل هو شاغل للمنصب السياسي، وتحديدًا عقيلة صالح، أم المتغلب بقوة السلاح وهو حفتر؟

صالح بدأ باستغلال الولاء السلفي له للضغط على حفتر، وخصوصا بعد تحركه الأخير وتقديمه مبادرة سياسية ورفضه لمطالب التفويض التي يسعى حفتر للوصول إلى السلطة عبرها؛ بعد فشل مغامرته العسكرية في طرابلس، وبحسب مراقبين فإن حفتر مهدد بالفعل بانقلاب المداخلة ومسلحيهم عليه.

فلم يتبق له سوى عدد منهم أُجبروا على مواصلة ولائهم له بسبب تورطهم في دماء ومجازر ارتكبوها، فيما يعتبر آخرون أن من تبقى مع حفتر قد يكونون أخطر عليه من معارضيه، فهم اليوم أشبه بالقنابل الموقوته التي قد تنفجر في أي وقت إذا ما اعترفوا بأن تلك المجازر ارتكبت بأوامر مباشرة منه.

نشر الخوف

المداخلة ينطلقون من تصورات دينية يعتقدون أنها هي الحق المطلق، هذا التصور عمل على منحهم ميلا مضاعفا للتنكيل بخصومهم باعتبارهم مخالفين للدين، وهو ما دفعهم للانتقام من المخالفين بصورة بشعة.

وكما لاحظ الجميع مؤخراً، تحوّل المداخلة إلى فزاعة، فتهمة واحدة من مدخلي كفيلة بأن تلصق بك تهم الفسق والخروج من الدين واتباع ملل أخرى كافرة، ومن ثم الإرسال إلى السجن أو الخطف أو القتل برصاصة في الرأس.

حاول المداخلة أن يفرضوا على المجتمع الليبي طقسا اجتماعيا معينا ومذهبا دييناً واحداً، وتعددت الوقائع على ذلك، ففي مارس 2016 قامت قوات مدخلية من كتيبة التوحيد السلفية باعتقال 3 من الشباب نظموا احتفالية يوم الأرض في المدينة، حيث اعتبرها “عبد الفتاح بن غلبون” أحد أكبر مشرعيي المداخلة في بنغازي وداعم رئيسي لحفتر؛ بأنها أحد أشكال البدع الماسونية غير الإسلامية، ووصفها بالفجور والعصيان وأنها لم تُراعِ دماء الشهداء.

كما صادر المداخلة كتبا فيها روايات لـ”نجيب محفوظ”، وأعمالا لـ”نيتشه”، و”باولو كويلو”، بزعم محاربة الغزو الثقافي، ويتحدث متابعون في بنغازي بأن المداخلة أقاموا سلطة رقابية سموها “شرطة الآداب”، كما أنشأ المداخلة قوات لحفظ الآداب العامة، وأخرى لمكافحة الجريمة، وهو ما أتاح لهم تمددا اجتماعيا وسط الناس.

لم يرضى المداخلة حتى بالانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي حيث رصدت منظمة “بلادي” الحقوقية عشرات الشكاوى من عائلات قُتل أبناؤها وهُجّرت من بيوتها في بنغازي على يد مسلحين يتبعون كتيبة التوحيد السلفية تحديدا، بسبب انتقاداتهم للكتيبة وحفتر على مواقع التواصل.

موقع العربي الجديد نشر تقرير تحت عنوان “منشورات قاتلة” كشف عن قيام مداخلة بنغازي بمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي خاصة موقع “فيسبوك” لرصد أنشطة معارضيهم الذين يصفونهم بالخوارج.

وهو ما تسبب في مقتل 10 من ناشطي المنطقة الشرقية (بنغازي والبيضاء والمرج)، بينما تم اختطاف 6 آخرين عبر منتسبي كتيبة التوحيد السلفية الموالية لحفتر، وتم إطلاق سراحهم لاحقا في عمليات تبادل بين جماعات متحاربة في بنغازي، أو عبر وساطات وضغوط قبلية.

إن أفرادا وعائلات تعدُّ مستهدفة على الدوام، وهي تحديدا، تلك التي ينتمي أفرادها إلى جماعات ثورية أو جماعات إسلامية مسلحة وكذلك الصوفية.” وفق التقرير.

الأمر لم يعد قتلا لخلاف سياسي وإنما قتل باسم الدين لأُناس لم يعتنقوا الفكر المدخلي، حيث باتت العائلات التي ينتمي أفرادها للجماعات الثورية أو الجماعات الإسلامية أو حتى الصوفية مستهدفة على الدوام، حيث يطلق المداخلة على مخالفيهم غير المقاتلين لحفتر اسم “الخوارج القعدة”، وهم يستحقون التنكيل مثلهم مثل المقاتلين.

أحد السجناء الذين تم إطلاق سراحهم من سجون المداخلة تحدث عن انتهاك الحرمات والحدود من قبل المداخلة في السجن، قائلاً “لم يكن هناك تعذيب في السجن، حتى أتى إليه مداخلة”.

ليس عليك سوى أن تخالف المداخلة حتى توصف بالخارجي أو تتهم بالبدعة، من ثم يصير عِرضك مستباحا لأي أذى، فواحدة من تلك التهم كفيلة بأن تُبقي الإنسان في السجن بضع سنين ولا يجرؤ أحد على التعاطف معه، إن لم يتم قتله مباشرة، فهم يعملون بالحق الإلهي في الأرض وكل اعمالهم تعد مباركة بل وحتى مأجورين عليها!

البقية في الجزء الثالث

***

عماد المدولي ـ كاتب ليبي

_________