Minbar Libya

يبدو أن الخلافات بين فرنسا وحلف الناتو بشأن ليبيا مرشحة للتفاقم، في وقت تسعى فيه باريس لتوريط أوروبا في موقفها من الأزمة الليبية، بصرف النظر عن المصالح الحقيقية لدول القارة.

.الجزء الأول

لقد كان لافتاً أن فرنسا صعّدت انتقاداتها للتدخل التركي في ليبيا، دون أن تشير إلى التدخل الروسي، الذي وصل إلى إرسال موسكو لطائرات حربية إلى قاعدة الجفرة الليبية، يُعتقد أنها جاءت لدعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر بعد هزائمه الأخيرة.

ولا يحتاج الأمر إلى كثير من البرهان لإثبات أن النفوذ الروسي يمثل خطراً على أوروبا وحلف الأطلسي أكثر من أي دولة أخرى، وهو ما تحدث عنه الأمريكيون، وكذلك حلف الأطلسي. ولكن هذه المسلّمة الجغرافية والسياسية لم يسمع عنها قصر الإليزيه.

لماذا تؤيد فرنسا الليبرالية حفتر الذي يفاخر بانقلابه؟

من مفارقات السياسة في عصرنا الحالي تأييد فرنسا، بلد الحريات والديمقراطية، لخليفة حفتر، الجنرال الذي تفاخر بانقلابه على المؤتمر الوطني المنتخب في ليبيا، ثم عاد وأعلن قبوله تفويض الشعب له بالسلطة بعد هزائمه الأخيرة، ضارباً بمجلس النواب المؤيد له عُرض الحائط.

والمفارقة الأكبر أن يزداد هذا التأييد الفرنسي في عهد الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون، الذي تم الاحتفاء به كنبيٍّ جديد لليبرالية.

ولكن يمكن إرجاع الموقف الفرنسي لأربعة أسباب أساسية، أولها طبعاً أطماع فرنسا في نفط ليبيا.

إذ إن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي يعد مهندس السياسة الفرنسية في ليبيا، يقال إنه أقنع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن ليبيا ثمرة فاكهة دانية، وأن حفتر هو الرجل الذي يجب وضع كل الرهانات عليه.

الأمر الثاني هو أن فرنسا لم تخجل منذ فشل الربيع العربي من تعزيز علاقتها مع أكثر الديكتاتوريات في المنطقة قسوة، لأسباب عدة، منها صفقة السلاح الضخمة التي أبرمتها مع الإمارات ومع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عقب إطاحته بالرئيس المنتخب.

أما النقطة الثالثة فهي العداء الغريزي من قبل فرنسا المتطرفة في علمانيتها لكل تيار إسلامي، حتى ولو معتدلاً أو ديمقراطياً (رغم استغلالها للكنيسة الكاثوليكية في سياستها الخارجية)، وهو ما يظهر في ليبيا، حيث تعادي حكومة الوفاق التي قضت على داعش في البلد المتاخم لأوروبا، الأخطر أن هذا الموقف يتجاهل أن صعود التيارات الإسلامية المعتدلة يُضعف الإرهاب.

فإذا كانت فرنسا وألمانيا على سبيل المثال غاضبتين من صعود التيار الإسلامي المعتدل في صفوف مسلمي أوروبا، لاسيما الأتراك، فإنهما تتجاهلان أنه نادراً ما اعتُقل تركي إسلامي ينتمي لتنظيم إرهابي.

ورابع النقاط، هي رغبة فرنسا في الهيمنة على ليبيا لتعزيز نفوذها بمنطقة المغرب العربي عامة، خاصة أن صعود الديمقراطية ودور الشعوب ولو على استحياء في هذه المنطقة (عكس المشرق) يُضعف نفوذَ باريس التقليدي، بالنظر إلى أن الأحزاب المنتخبة والحركات الشعبية أياً كانت في هذه البلدان، تكون لديها حساسية من التاريخ الاستعماري الفرنسي أكثر من النخب الاستبدادية.

ومن الملاحظ أن أياً من دوافع فرنسا السابقة لا علاقة له بأي مصلحة أوروبية عامة، مثل منع الإرهاب أو الهجرة (وهي الأدوار التي أدتها حكومة الوفاق رغم مشاكلها) .

بل على العكس، تؤدي السياسات الفرنسية في ليبيا، ليس فقط لتعزيز الاستبداد الذي يدفع للإرهاب، ولكن الأخطر أنها تسلم ليبيا لروسيا، العدو التقليدي والبديهي لأوروبا برمتها، والذي استولى قبل سنوات على القرم من أوكرانيا.

ومن هنا تَظهر الخلافات بين فرنسا والناتو بشأن ليبيا؛ لأن المحرك الرئيسي للناتو هو القلق من الدور الروسي، وهو قلق يبدو أنه لا ينتاب باريس على الإطلاق.

هل تتصاعد الخلافات بين فرنسا والناتو بشأن ليبيا؟

يبدو أن الخلافات بين فرنسا وحلف الناتو بشأن ليبيا مرشحة للتصعيد، مع محاولة باريس لتوريط باقي الدول الأوروبية في موقفها، بصرف النظر عما إذا كان هذا الموقف الذي يدفع باريس في اتجاه يتلاءم مع مصالح أوروبا الناتو أم لا.

فقد وصف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) الوضع في ليبيا بالحرج.

وبدا واضحاً ان تركيز أمين عام الناتو هو على الوجود الروسي الذي عبّر عن قلقه بشأنه، وهو موقف الأمريكيين أيضاً.

ففي مؤتمر صحفي، الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2020، قبيل اجتماع وزراء دفاع الحلف الأطلسي في بروكسل، قال الأمين العام للناتو ينس ستولتبرغ، إن الوضع الليبي حرج وخطير ويدعو للقلق، خاصة فيما يخص العثور على مقابر جماعية خلّفتها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وراءها في مدينة ترهونة (80 كيلومتراً جنوب شرق طرابلس).

وأضاف أن الحلف الأطلسي قلق من تزايُد الوجود الروسي في شرق المتوسط، خاصة في ليبيا، مشدداً على أهمية التوصُّل لحلٍّ سياسيٍّ في ليبيا تحت مظلة الأمم المتحدة.

وتأتي تصريحات ستولتبرغ بشأن الوجود الروسي في ليبيا في وقت قَدرت فيه قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، عدد المرتزقة الروس الذين يقاتلون حالياً في صفوف قوات حفتر بنحو ألفي مرتزق.

وكانت أفريكوم أكدت حديثاً أن روسيا زوَّدت حفتر بطائرات حربية، ونشرت صوراً تُظهر بعضَ هذه الطائرات في قاعدة الجفرة الجوية (650 كيلومتراً شرق طرابلس)، في حين أكدت قوات حكومة الوفاق أن المرتزقة الروس يعملون على تلغيم مدينة سرت ومحيطها، مثلما لغّموا من قبل ضواحي طرابلس الجنوبية.

أما الاتحاد الأوروبي فلا يبدو قلقاً من روسيا ويركز على تركيا

وبالتزامن مع تصريحات ستولتبرغ، قال مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إن الاتحاد قلق من تصاعُد التوتر في ليبيا.

وأضاف أن الوضع في شرق المتوسط يزداد سوءاً، وتابع أن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي سيناقشون العلاقات مع تركيا، في ظل ما وصفها بالأحداث الجارية المقلقة، في إشارة إلى دور أنقرة في الانتصارات العسكرية التي حققتها أخيراً حكومة الوفاق الليبية، حيث أنهت وجود حفتر العسكري غربي البلاد.

ولكن هذا الموقف الأوروبي لا يبدو نابعاً على الإطلاق من المصالح الأوروبية، التي تعتبر روسيا التهديد الأكبر للقارة، كما أنه لا يبدو نابعاً من مواقف العديد من الدول الأوروبية مثل مالطا، التي استخدمت فيتو ضد تمويل العملية إيريني، أو إيطاليا التي تدعم حكومة الوفاق.

ولكن الموقف الأوروبي نابع بالأساس من سعي فرنسي لتوريط الاتحاد الأوروبي في مواجهة مع تركيا.

إذ قالت الرئاسة الفرنسية أمس إن دور أنقرة في ليبيا غير مقبول وعدائي، ولا بد أن ينتهي.

وأضافت في بيان أن حكومة الوفاق الليبية تُواصل الهجوم بدعم تركي هائل، رغم الموافقة على بحث وقف إطلاق النار.

___________