Minbar Libya

تحوَّلت ليبيا إلى أحدث ساحات النزاع بالوكالة في العالم. وفي قلب هذا الصراع المحتدم؛ تدور رحى عمليةٍ معقدةٍ أشبه بالمتاهة، لتجنيد المقاتلين المرتزقة من أماكن مختلفة، تمتد من روسيا إلى تركيا مرورًا بسوريا، وتشمل أيضًا السودان.

.الجزء الثاني

كم عدد المقاتلين المرتزقة الذين دخلوا ليبيا؟

على الأرض، يرصد تحقيق «الإندبندنت» مقدار الدعم البشري الذي حصلت عليه قوات الجنرال عن طريق تجنيد المرتزقة، مستشهدًا بتحقيقٍ أجرته الأمم المتحدة خلُصَ إلى تجنيد حوالي 1200 من المرتزقة الروس، وما يصل إلى ألفي مقاتل سوري جُلِبوا من المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد. (وإن كان تحقيق «الإندبندنت» يقدر عدد السوريين بحوالي 800 عنصر). 

وأبلغ دبلوماسيون دوليون، اطلعوا على تحقيق الأمم المتحدة، صحيفة «الإندبندنت» بأن لواءً إضافيًا يضم أكثر من ألفي مقاتل سوداني، وصل كثير منهم خلال الفترة التي شهدت زيادة عدد المجندين في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، كانوا بمثابة دَفعة لحفتر

لكن المشهد تغيَّر مع دخول تركيا رسميًّا إلى الساحة، بموجب موافقة رسمية من البرلمان التركي في يناير (كانون الثاني)، على الرغم من أن هذا التدخُّل يمثل انتهاكًا لحظر الأسلحة، كما يشير تحقيق «الإندبندنت».

وقال عوديد بيركويتز، نائب رئيس الاستخبارات في «ماكس سيكيوريتي»، لصحيفة «الإندبندنت»: «إن أحد الأشياء التي فعلتها تركيا من خلال تدخلها رسميًّا في ليبيا هو: تطوير الأسلحة… كما لو أنهم نقلوا ليبيا بسرعة إلى جيل جديد».

وما أسهمت به أنقرة لم يقتصر على نشر بضع مئات فقط من قواتها الخاصة، ولكنها أرسلت أيضًا طائرات بدون طيار من طراز  Bayraktar TB2، وأنظمة دفاع جوي من طراز Korkut – وفقًا لمراقبين عسكريين غربيين – وثلاث فرقاطات على الأقل من طرازGabya، مما أدى إلى تدشين مظلة دفاع جوي حيوية تحمي طرابلس ومنطقة مصراتة المجاورة.

وفي الوقت نفسه، يقدر محققو الأمم المتحدة أن أنقرة جنَّدت ما يصل إلى 3 آلاف من مقاتليها السوريين المدعومين من تركيا للقتال على الجبهة الليبية. لكن المقاتلين السوريين في ليبيا ذكروا لصحيفة «الإندبندنت» أن العدد الحقيقي كان أقرب إلى 6 آلاف عنصر، بسبب زيادة التجنيد خلال الشهرين الماضيين.

حتى تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد في مارس (آذار) لم يبطئ نقل القوات. إذ قالت مصادر على الحدود السورية مع تركيا للصحيفة: إن مئات المقاتلين السوريين انتقلوا إلى ليبيا، وباتوا جاهزين للانتشار في طرابلس هذا الأسبوع. لكن مع انهيار معاقل حفتر، قد لا يكون ذلك ضروريًّا الآن، كما يلفت التحقيق.

على جانب حفتر، تمكنت «الإندبندنت» من تأكيد زيادة في تجنيد المرتزقة السوريين الموالين للنظام حتى منتصف مايو (أيار) على الأقل. وللتدليل على ذلك يصحبنا المراسلان في جولةٍ إلى صحراء مرزوق الواقعة في جنوب غرب البلاد، على طول طرق التهريب الرئيسية من حدود ليبيا الصحراوية مع السودان، لنقابل مواطنين ليبيين كانوا شاهدين على تدفق المقاتلين السودانيين المستقلين في شاحنات نصف نقل (بيكأب) وهم يشقون طريقهم عبر الصحراء إلى الخطوط الأمامية

وقال رجل يُدعى محمد: «هناك حركة منتظمة؛ لأن الحدود مفتوحة في الأساس. نشاهد سيارة واحدة أو اثنتين كل أسبوع تعبران الحدود».

بعيدًا عن الوطن

ينتقل مراسلا «الإندبندنت» إلى جبهة طرابلس، للقاء شخصٍ يُدعى أبو أحمد، اعترف لهما وهو جالس منحنيًا على هاتفه، وسط الندوب التي خلفتها الحرب على جسد المنطقة، بأن المرتزقة السوريين في سوريا يشعرون بالبؤس.

وقال المتمرد السابق الذي خلفت المعركة ندوبها عليه هو الآخر: «البعض يتحرقون شوقًا للعودة إلى منازلهم، لدرجة أنهم أطلقوا النار على أرجلهم؛ حتى يُسمَح لهم بالمغادرة جوًّا».

يقول الشاب البالغ من العمر 27 عامًا، إنه ليس بِدْعًا من معظم السوريين الذين يعرفهم، إذ لم يوافق على القتال في ليبيا إلا لأنه افترض أنه سيكون من السهل عليه ركوب قارب مهاجرٍ إلى أوروبا. وأضاف بمرارة: «اتضح أن الأمر ليس بهذه السهولة… والنصيحة التي يسديها جميع السوريين الموجودين هنا منذ فترة طويلة مفادها: لا تثق بأحد، وحاول العودة إلى وطنك».

بعد سنوات من القتال في صفوف الفصائل المتمردة ضد قوات النظام السوري، انضم أبو أحمد إلى الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في العام الماضي، وكان رأس الحربة في توغل أنقرة في شمال سوريا التي يسيطر عليها الأكراد.

جاء توزيعه أول مرة في طرابلس إلى جانب حكومة الوفاق الوطني في فبراير (شباط) 2020. وعلى مدار الشهر الأخير تبينت صحيفة «الإندبندنت» في مراسلاته أن مزاجه ينتقل من سيئ إلى أسوأ.

وصف أبو أحمد كيف أغضب سلوك السوريين الجامح – من نهبٍ وسرقة أسلحة – العديد من الكتائب الليبية، التي تشعر بالقلق حيال مشهد الأجانب الذين يخوضون معاركهم بالنيابة عنهم. ويتذكّر كيف قبض أحد أصدقائه السوريين على سوري آخر من الطرف المنافس، ليرسم بذلك صورة مؤثرة توضح مدى عبثية كل ما يجري هناك

ويضيف: «هنا في ليبيا، يعاملوننا وكأننا كيس من النقود. الليبيون يكرهوننا، ولا يثقون بنا على الإطلاق. وكل ما نريده هو العودة إلى ديارنا».

المرتزقة السوريون

يشير مراسلا «الإندبندنت» إلى أن قصة أبو أحمد تجسِّد معاناة آلاف السوريين الآخرين الذين علقوا في هذه الحروب بالوكالة التي تضطرم بنيرانها المنطقة. وقد كان يناهز من العمر 17 عامًا فقط، ويعمل في متجر والده، عندما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011. لم يستطع إكمال دراسته الثانوية، وبعد ذلك بتسع سنوات، اضطر للبقاء على قيد الحياة أن يحارب لصالح من يدفع أكثر.

وهكذا انتهى به المطاف تحت راية حكومة الوفاق الوطني، التي كانت تتعهد، بدعمٍ تركي، بدفع ألفي دولار شهريًّا لمدة أربعة أشهر؛ وهو ما يمثل زيادة كبيرة عن راتبه الشهري البالغ 500 ليرة تركية (70 دولارًا) الذي كان يتقاضاه نظير انضمامه إلى هجمات تركيا في شمال سوريا.

في الواقع عَهدت أنقرة إلى كبار قادة الكتائب السورية المدعومة من تركيا بتجنيد المقاتلين. وبحسب العديد من المقاتلين في ليبيا والمدنيين في شمال غرب سوريا، فإن أمثال فهيم عيسى، قائد كتيبة السلطان مراد، و«أبو عمشة»، قائد لواء سليمان شاه، أنجزوا مهامًا مُربِحَة في ليبيا مع رجالهم.

تستغرق الرحلة من شمال شرق سوريا إلى طرابلس أسبوعًا تقريبًا. ووصف أبو أحمد لصحيفة «الإندبندنت» كيف عبر نقطة حوار كلس الحدودية، وصعد على متن طائرة عسكرية من مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا إلى إسطنبول، ثم حلق إلى غرب ليبيا.

ينتقل التحقيق إلى مقاتلٍ آخر في حكومة الوفاق الوطني، كان من بين أوائل من أُرسلوا إلى هناك في يناير، قبل أن يعود إلى سوريا. صرَّح هذا الشخص لصحيفة «الإندبندنت» بأن السوريين الذين كان يقاتل إلى جانبهم سرعان ما أصيبوا بخيبة أمل. فحتى الأموال التي يتقاضونها لم تكن بقدر السخاء الموعود.

يوضح عمر (ليس اسمه الحقيقي) أن 200 دولار من راتبهم الشهري تُحَوَّل إلى لوائهم. ويضيف واصفًا التمردات داخل الفصائل السورية، وغياب استراتيجيات للمعركة، والترحيب البارد من رجال الميليشيات الليبيين الساخطين: «الوضع في ليبيا مثل سوريا، نحن نقاتل دون أي تخطيط».

وأضاف: «بعض السوريين كانوا مكتئبين لدرجة أنهم هددوا بأنهم إذا لم يُعادوا إلى منازلهم سيقتلون أي شخص يقف في وجههم». لافتًا إلى عدم قدرة السوريين على الهروب عائدين إلى وطنهم؛ لأنهم يحتاجون إلى عبور تركيا، وبالتالي موافقة قادتهم.

عملية تجنيد المرتزقة

بدأ هذا الاستياء ينتقل إلى صفوف المقاتلين في سوريا. وقال دبلوماسي دولي في منصبٍ مرموق لصحيفة «الإندبندنت»: إن حكومة الوفاق الوطنية تلقت في الأصل وعدًا بدعم ما يصل إلى 9 آلاف مقاتل لكنها «واجهت تحديات في عملية التجنيد».

ينتقل التحقيق هذه المرة إلى سوريا، للقاء رجل من بلدة عفرين، الواقعة على الحدود السورية – التركية، ليخبر القراء بأن الأشخاص الذين يديرون عملية التجنيد، ويواجهون صعوبة متزايدة في جذب المقاتلين، باتوا يستهدفون المدنيين. وهو شخصيًّا تلقَّى اتصالًا كي يساعد في تجنيد أشخاص من مخيمات النازحين.

وقال لصحيفة «الإندبندنت»: عُرِضَ عليَّ 200 دولار مقابل كل شخص مدني أستطيع تجنيده للقتال ليبيا. لكنه استدرك: «من الصعب العثور على مقاتلين يريدون الذهاب إلى ليبيا».

على الرغم من هذه الصعوبات التي سردها تحقيق «الإندبندنت»، أدرك حفتر بحلول شهر مايو (أيار) أنه يخسر الحرب. وفي الأسابيع السابقة، كان من الواضح بالفعل أن جهود التوظيف المشحونة التي تضطلع بها تركيا تُتَرجَم إلى نجاحات عسكرية. ومع بسط قوات حكومة الوفاق سيطرتها على الأراضي الليبية، يمَّمَ مؤيدو حفتر الدوليون وجوههم أيضًا شطر سوريا؛ لسد النقص في المقاتلين.

حتى إن إدارة شرق ليبيا المرتبطة بحفتر فتحت سفارة لها في دمشق، في شهر مارس، معلنةً أنها ستقاتل الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد.

وهكذا، بينما كان أبو أحمد – سالف الذكر – منهمكًا في الانضمام إلى صفوف المجندين في إدلب بالقرب من الحدود التركية خلال شهر فبراير، على بعد مئات الكيلومترات جنوبًا في المناطق التي يسيطر عليها النظام في دوما ودرعا والسويداء، كانت الشركات العسكرية الخاصة المرتبطة بالكرملين ترسل أشخاصًا تابعين لها إلى القرى لتجنيد الشباب للقتال إلى جانب حفتر

ويعتقد خبراء الأمم المتحدة، الذين يحققون في انتهاكات حظر الأسلحة، أن رحلات الطيران الـ33 التي سيَّرتها شركة «أجنحة الشام» من دمشق إلى بنغازي خلال الفترة ما بين 1 يناير و10 مارس، من المحتمل أنها كانت تنقل مرتزقة سوريين. (فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة الطيران السورية عام 2016 لتقديمها الدعم المالي لنظام الأسد ونقل القوات السورية).

وذكر هذا التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة في شهر يناير من العام الجاري أن المجندين الروس أُرسِلوا أولًا إلى دوما لتجنيد مقاتلين مقابل 800 دولار شهريًا. ثم حدثت زيادة قليلة، فارتفعت الرواتب الموعودة إلى أكثر من 1000 دولار، وانتقل القائمون على عملية التجنيد إلى جيب صغير في السويداء، مركز الأقلية الدينية الدرزية في سوريا.

وفي مارس، حوَّل المُجَنِّدون تركيزهم إلى منطقة درعا، القريبة من الحدود السورية مع الأردن. وهناك، وفقًا لثلاثة أشخاص تلقى أصدقاؤهم وأفراد من عائلتهم عرضًا للانضمام إلى صفوف المجنَّدين، بدأوا يتواصلون مع ألوية المتمردين السابقين الذين توصلوا إلى مصالحة مع النظام وشكلوا فرعًا خاصًا يسمى «فيلق الهجوم الخامس» وهو أحد التشكيلات الرئيسية المدعومة من روسيا في سوريا.

كان إقناع هؤلاء الشباب أسهل. فعادة ما يتقاضى المتمردون السابقون الذين يتعهدون بالولاء للأسد أقل من 30 دولارًا شهريًّا ليقاتلوا في صفوف النظام. وغالبًا ما يتعرضون لمضايقات من قوات أمن النظام الذين لا يثقون بهم، وبالتالي يفرضون عليهم قيودًا صارمة، ليس فقط فيما يتعلق بالمهام التي يمكنهم تنفيذها، ولكن أيضًا على حركتهم الشخصية.

____________________