Minbar Libya

تحوَّلت ليبيا إلى أحدث ساحات النزاع بالوكالة في العالم. وفي قلب هذا الصراع المحتدم؛ تدور رحى عمليةٍ معقدةٍ أشبه بالمتاهة، لتجنيد المقاتلين المرتزقة من أماكن مختلفة، تمتد من روسيا إلى تركيا مرورًا بسوريا، وتشمل أيضًا السودان.

.الجزء الثالث

المرتزقة الروس

استغل رجال فاجنر الذين ينظمون عملية الجنيد هذه الأجواء الثقيلة؛ ولم يكتفوا بإغراء هؤلاء المقاتلين بدفع 1200 دولار، ولكن وعدوهم أيضًا بوقف هذه المضايقات، كما يذكر عمران مسلمة، وهو ناشط سوري من درعا، على اتصال وثيق مع القرى التي استهدفتها حملة التجنيد.

أخبروهم بأن المهمة ستكون تأمين حقول النفط والمنشآت الروسية. وقال مسلمة لصحيفة «الإندبندنت»: «إذا وافقوا؛ فإن قوات الأمن ستوقف الانتهاكات بحقهم… لكن عندما وصلوا إلى معسكرات التدريب في حمص، اكتشفوا أنهم سيقاتلون مع حفتر ضد حكومة طرابلس. ولذلك عاد معظمهم إلى منازلهم».

بحلول شهر أبريل، تكررت هذه القصة نفسها في منطقة القنيطرة، المتاخمة للحدود مع إسرائيل. وهناك وافق الرجال على الانضمام إلى صفوف المجندين ليدفعوا الجوع عن بطون عائلاتهم؛ كما تقول إليزابيث تسوركوف، الخبيرة السورية في معهد أبحاث السياسة الخارجية، نقلًا عن بعض من تحدثت إليهم من أبناء هذه المنطقة

وقالت إليزابيث لصحيفة «الإندبندنت»: «لولا الحاجة الشديدة؛ لما حدث شيء من هذا. لكن هكذا يتصرَّف من تُسَدُّ في وجهه كل الأبواب».

ومع بدء انهيار هجوم حفتر، عزَّز داعموه جهودهم لتجنيد المقاتلين. وبحلول شهر يونيو، خسر قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية، وعلى الأقل تسعة أنظمة دفاع بملايين الدولارات، وبلدة ترهونا، التي تمثل بالنسبة لقواته شريانًا رئيسيًّا لإعادة الإمداد

في الأسابيع التي سبقت ذلك التدهور الذي منيت به جهود حفتر، ألقى الروس القائمون على عملية التجنيد شباكهم على ريف حماة جنوبي سوريا، ومناطق حمص المجاورة، وكذلك محافظة دير الزور الشرقية، بحسب مصادر محلية؛ علَّهم يظفرون بالمزيد من الوقود البشريِّ للحرب الليبية

بيدَ أن العملية كانت مشحونة. وفي جنوب حماة، أخبر سكان القرى صحيفة «الإندبندنت» بأن إقناع أي شخص بالانضمام إلى صفوف المجندين كان يستغرق شهرًاوقال رجل، ما تزال أسرته تعيش في المنطقة، وطلب عدم الإفصاح عن هويته: «في نهاية المطاف، وصل 100 شخص إلى حميميم، (القاعدة الجوية الروسية الرئيسية في سوريا) في 8 مايو، متأهبين للانتشار في ليبيا بعد أيام». 

ورجح عدد من المصادر لصحيفة «الإندبندنت» أن يكون هؤلاء المجندون انتقلوا على متن رحلة «أجنحة الشام» التي انطلقت يوم 11 مايو من قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية إلى شرق ليبيا.

تلك الرحلة بعينها كانت محط اهتمام المراقب البحري يوروك إسيك، الذي يتابع رحلات «أجنحة الشام» بين البلدين باستخدام برمجيات مفتوحة المصدر. وقال لصحيفة «الإندبندنت» إن الطائرة هبطت بهدوء في قاعدة الخادم في شرق ليبيا، التي يزعم محققو الأمم المتحدة أنها تابعة للإمارات، وهي وجهة غريبة لشركة طيران تجارية.

لا يُعرَف الكثير عن المكان الذي يقصده هؤلاء المقاتلون بالضبط. وينقل التحقيق عن دبلوماسيين اطلعوا على تحقيقات الأمم المتحدة قولهم: إنهم بمجرد صعودهم على متن الطائرات، بعد مكالمة هاتفية نهائية مع ذويهم في الوطن، تصادر هواتفهم المحمولة

عند وصولهم إلى وجهتهم، يحصلون على هواتف عادية للاستخدام المؤقت، غير مزودة بخاصية الوصول إلى الإنترنت، حتى يتسنى لهم التواصل فقط مع بعضهم البعض، ولكن ليس مع العالم الخارجي.

رصد تحقيق «الإندبندنت» نشوب خلافات متكررة داخل قواعد حفتر في أنحاء ليبيا. والمشكلة تكمن – بحسب مراقب عسكري دوليفي أن الجنرال قلَّص دور المستشارين الأجانب الذين نادرًا ما يستمع إليهموأضاف المسؤول أن هذا النهج لم يساعده هو وفريقه في استيعاب تفاصيل الحروب الحديثة، وتواترت الأنباء حول تصاعد التوترات بين قيادته ومجموعة فاجنر.

يتابع تحقيق «الإندبندنت»: ظهر المرتزقة الروس لأول مرة في شرق ليبيا في عام 2018؛ لإصلاح المركبات العسكرية. ويشير معظم المراقبين، بمن فيهم محققو الأمم المتحدة، بأصابعهم إلى مجموعة فاجنر، التي نالت لقب «بلاك ووتر» الروسية.

لكن نيل هاور، الخبير المستقل المتخصص في تحليل شؤون المجموعة، يقول إن فاجنر في الواقع مكونة من عدة «شركات عسكرية خاصة غامضة» ظهرت على مدى السنوات القليلة الماضية، وتتمتع بعلاقات مع وزارة الدفاع الروسية.

وتعود نشأة مجموعة فاجنر إلى  عام 2014، خلال الحرب التي خاضتها روسيا في أوكرانيا، ونشرت قواتها لأول مرة في سوريا بعد ذلك بعامين. لكن وفقًا لهاور ودبلوماسيين دوليين، «تعرَّض ريشها للقصقصة» على إثر انزعاج الكرملين في فبراير 2018 من تبادلٍ فوضوي لإطلاق النار مع القوات الأمريكية في سوريا.

ولذلك انتشر – إلى جانب فاجنرالعديد من الشركات العسكرية الخاصة الصغيرة في ليبيا، حسبما رصد محققو الأمم المتحدة. وأيًّا كانت الجهة المسؤولة عن تجنيد المقاتلين الروس، فإن ظهورهم الأول كان على الخطوط الأمامية غرب ليبيا في شهر سبتمبر (أيلول)، وفقًا لدبلوماسيين دوليين.

ويستدل تحقيق «الإندبندنت» على ذلك ببطاقات هوية ومتعلقات شخصية روسية عُثِرَ عليها في ساحات القتال المحيطة بطرابلس، تُركِت على ما يبدو أثناء عملية الانسحاب.

ويذكر المراسلان أن الجيش الروسي في مرحلةٍ ما نشر قواته الخاصة في ليبيا، ربما للاضطلاع بأدوار استشارية. وخلُص تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إلى أن أول ضابط روسي لقي حتفه في ليبيا كان خلال شهر فبراير. ودفن الجندي البالغ من العمر 27 عامًا لاحقًا في مسقط رأسه بروسيا في جنازة شديدة الحراسة.

ولم ترُد وزارة الدفاع الروسية على طلب «الإندبندنت» التعليق على هذه المعلومات. لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفى بشدة الاتهامات الموجهة إلى روسيا بأنها تنقل مقاتلين ومعدات إلى ليبيا. وعندما سُئل في شهر يناير عن مجموعة فاجنر، أجاب بأنه إذا كان هناك روس في ليبيا، فإنهم لا يمثلون الدولة الروسية.

بيد أن دبلوماسيًّا غربيًّا استطلعت «الإندبندنت» رأيه يذهب إلى أن نشر مجموعة مثل فاجنر بدلًا من الجيش الروسي ترقى إلى مستوى الاستراتيجية التي لا تكلِّف الكثير من النقود

تردد صدى هذا التحليل في تأكيد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا لصحيفة «الإندبندنت» أن روسيا نقلت مجموعة مكونة من 14 مقاتلة من طراز MiG-29 وقاذفات Su-24 إلى قاعدة الجفرة الجوية الرئيسية التابعة لحفتر في وسط ليبيا.

وقال متحدث (باسم القيادة): إن واشنطن تعتقد بأن روسيا توظف مجموعة فاجنر في ليبيا كجزء من استراتيجية الكرملين «لتوسيع نفوذها عبر البحر المتوسط والقارة الأفريقية». وأضاف المتحدث أن «روسيا توظف (المرتزقة) الذين ترعاهم الدولة في 16 دولة أفريقية على الأقل؛ لإخفاء دور موسكو المباشر، ولتوفير مساحة معقولة للإنكار».

من يسدد الفواتير؟

يعود مراسلا «الإندبندنت» إلى طرابلس، حيث تنتشر التكهنات حول رواتب المرتزقة الروس. وتنقل الصحيفة عن أحد مقاتلي حكومة الوفاق الوطني قوله، في رسالة كتبها على تطبيق «واتساب»: «لا بد وأنهم يحصلون على مبلغ ضخم. وإلا لماذا يوافقون على خوض غمار هذا القتال؟».

ويقدر محققو الأمم المتحدة أن التعاقد مع جميع المقاتلين لتنفيذ مهمة في ليبيا لمدة ثلاثة أشهر يكلف حوالي 175 مليون دولار. ولا أحد يعتقد أن حفتر بمقدوره سداد هذه الفاتورة بمفردهويزعم البعض أن رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، الملقب بـ«طبَّاخ بوتين» على خلفية عقودٍ قضاها في تزويد الكرملين بالأطعمة، هو المموِّل الغامض لمجموعة فاجنر.

في غضون ذلك، اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أبوظبي بتمويل المؤسسة في خطابٍ ناري وصف فيه حفتر بأنه «سيد الصحراء». ولطالما اتهم محققو الأمم المتحدة الإمارات بتقديم دعم مادي لقوات حفتر. وفي وقت مبكر من عام 2017، أفاد تقرير لجنة خبراء بأن الإمارات أرسلت طائرات بدون طيار وطائرات هليكوبتر هجومية ومدرعات إلى ليبيا، تمركزت في قاعدة الخادم الجوية التي أنشأتها أبوظبي.

لم تستجب السلطات الإماراتية لطلب صحيفة «الإندبندنت» التعليق على ما يحدث في ليبيا. بيد أن الإمارات نفت مرارًا تورطها في نقل أسلحة إلى ليبيا، وأكدت أنها تدعم «الحل السياسي السلمي» للأزمة. وفي الأسبوع الماضي، كرر الإماراتيون نفيهم لمزاعم حكومة الوفاق بأنهم متورطون في عمليات حفتر العسكرية.

ومع ذلك، كانت دبي متورطة – بحسب «الإندبندنت»- في محاولة فاشلة أطلقها حفتر العام الماضي لتوظيف مرتزقة غربيين، من بينهم خمسة بريطانيين. وخلُص تحقيق سريٌّ أجرته الأمم المتحدة مؤخرًا إلى أن حفتر، في خضم معركة طرابلس، دفع إلى فريقٍ مكونٍ من 20 مرتزقًا أجنبيًّا ما يزيد على 120 ألف دولار لتشكيل قوة ضاربة بحرية لوقف تدفق الأسلحة التي توفرها تركيا إلى حكومة الوفاق الوطني.

وبالفعل وصل الجنود الغربيون، الباحثون عن الثروة، إلى ليبيا في يونيو الماضي، لولا أنهم اختلفوا مع حفتر، ولاذوا بالفرار من البلاد على متن قارب، بعد أيام قليلة من وصولهم.

وقال دبلوماسيان اطلعا على التحقيق: إن شركتين تتخذان من دبي مقرًّا لهما كانتا تتوليان أمر تدبير هذه الاتفاقات. أما الشركتان فنفيتا ضلوعهما في تلك المحاولة، وأرسلتا بما يفيد ذلك بيانًا إلى صحيفة «الإندبندنت».

ماذا يخبئ المستقبل؟

بغض النظر عمَّن يسدد تلك الفواتير، يخلُص تحقيق الصحيفة البريطانية إلى أن هزيمة حفتر المذهلة وجهت ضربة قاسية لمؤيديه الأجانب الذين يجاهدون الآن لإعادة التفاوض بشأن مواقعهم

وقال المحلل هاور عن ذلك: «إنهم سرعان ما يدركون أن الأمر ليس بهذه السهولة»؛ ذلك أن ضخَّ بعض المتعاقدين في شرايين الصراع؛ لا يكفي لدفع حفتر سريعًا إلى عتبة النصر.

وينتقل التحقيق للحديث عن مصر، التي لم تتصدَّر المشهد في ليبيا، لكنها عادت إلى الحلبة مؤخرًا باستضافة محادثات سلام أحادية الجانب في القاهرة نهاية الأسبوع الماضي. ومن ثمَّ وافق حفتر على وقف إطلاق نار من جانب واحد؛ شريطة – ويا لها من مفارقة – أن تعيد حكومة الوفاق الوطني المرتزقة الأجانب إلى أوطانهم.

رفضت الحكومة الليبية المعترف بها دوليًّا عرض حفتر رفضًا قاطعًا، وأعلنت بدلًا من ذلك شن هجوم جديد للاستيلاء على سرت وقاعدة الجفرة الجوية، الواقعة على بعد أكثر من 500 كيلومتر جنوب شرق طرابلس.

ومع احتدام المعارك الدامية في سرت، ظهرت مقاطع فيديو على الإنترنت هذا الأسبوع يُزعَم أنها تُظهِر حشودًا عسكرية مصرية على طول حدودها مع ليبيا، وهو ما فسَّره البعض بوصفه إشارة تحذير إلى حكومة الوفاق الوطني بأن تتراجع

وينقل التحقيق عن جليل الحرشاوي، خبير الشؤون الليبية في معهد كلينجيديل للعلاقات الدولية، قوله: بموجب الاتفاق المزعوم بين أنقرة وموسكو، لم يكن من المفترض أن يُستولى على سرت بالقوة. إنما توغلت قوات غرب ليبيا عميقًا أكثر مما ينبغي باتجاه الشرق.

وأضاف أن الإمارات العربية المتحدة، وإلى حد ما المملكة العربية السعودية، تمارسان ضغوطًا هائلة على القاهرة؛ لاتخاذ موقف أكثر صرامة». ويُرَجِّح مراسلا «الإندبندنت» أن تكون مصر، التي تشير التقارير إلى أنها لم تكن راضية عن هجوم طرابلس في المقام الأول، تنتظر ما سيتمخض عنه الاتفاق الذي تناثرت حوله الأقاويل بين تركيا وروسيا.

قد يتحدَّد ذلك وفقًا لتحرُّك القوات على الأرض. إذ قال مسؤولون في وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوفاق لصحيفة «الإندبندنت»: إنهم لن يتوقفوا حتى يسيطروا على سرت والجفرة، بل إنهم يفكرون في الزحف أيضًا صوب الهلال النفطي الذي يسيطر عليه حفتر.

وقالت الأمم المتحدة إن الأطراف المتحاربة وافقت على استئناف محادثات وقف إطلاق النار، لولا أن القتال المستمر يقوِّض ذلك، بحسب تحقيق «الإندبندنت». ويبقى المرتزقة محاصرين في الوسط. إذ من المقرر أن يصل المجندون السوريون الجدد للانضمام إلى الهجوم الجديد لحكومة الوفاق الوطني في غضون هذا الأسبوع، وفقًا لمصادر متعددة

لكن تعاقد أبو أحمد، الذي استعرض التحقيق تجربته آنفًا، سينتهي خلال الأيام المقبلة. وخلال الشهر الماضي، انتهى به المطاف من حيث بدأ، وهو الآن يفكر هل سيبقى في ليبيا، حيث توجد فرص أفضل للعثور على عمل مقارنة بسوريا المنكوبة بأزمة مالية ثقيلة الوطأة.

ويختم تحقيق «الإندبندنت» بأنين أبو أحمد المُلْتاع من فَرْط الندم: «كانت سوريا تقتلني، وكنتُ بحاجة إلى المغادرة بأي طريقة ممكنة، ولكن لم تكن لدي أية فرصة. وليبيا كانت هي المخرج الوحيد». وأضاف: « كل ما خطر ببالي حين توجهتُ إلى هنا هو أنني أستطيع كسب بعض المال، وأن أعبر البحر قاصدًا إيطاليا، وهو ما زلت أريد فعله. أوروبا هي أملي الوحيد».

___________