Minbar Libya

بقلم رانج علاء الدين و عماد بادي

أخذت الأحداث في ليبيا منحاً لافتاً بعدما استعادت حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتّحدة في طرابلس السيطرةَ الكاملة على العاصمة الإثنين الماضي.

وأرغمت هذه الخطوةُ المشير خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي التابع له على التخلّي عن محاولة الاستيلاء على المدينة التي بدآها منذ سنة وعلى سحب قوّاتهما من المدن والبلدات الأخرى في غرب البلاد.

وبات الصمود السياسي لحفتر بحدّ ذاته موضع شك كبيراً، فمعسكرهُ المتصدّع يشهد امتعاضاً متزايداً (بما في ذلك الانشقاقات) في الجنوب والشرق حيث ما زالت القوّات التابعة لحفتر تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي

وقد خيّبت إخفاقات حفتر العسكرية الجهات الخارجية التي تدعمه: الإمارات العربية المتحدة وفرنسا وروسيا ومصر.

فقد أعطت حملتَه العسكرية القدرة على السيطرة على طرابلس، عبر منحه دعماً عسكرياً وسياسياً ضخماً، وذلك بالترافق مع إذعان الولايات المتّحدة. وبعد نصف سنة من انطلاق الهجوم، تدخّلت روسيا لمساعدة حفتر الذي كان في وضع صعب، فأرسلت المئات من مرتزقة فاغنر لمؤازرة زحفه نحو طرابلس وزادت من انتشارها العسكري في ليبيا.

بيد أنّ الانسحاب المريب للمرتزقة الروس (بمن فيهم ميليشيا فاغنر وميليشيات سورية مؤيّدة لبشار الأسد) من غرب ليبيا أدّى إلى خروج قوّات حفتر بالكامل من غرب ليبيا. وقد أتى هذا الانسحاب بعدما اتفاقية مزعومة سرّية بين موسكو وأنقرة.

وتعيد الجهات الداعمة لحفتر تقييم موقفها الآن. ويعطي هذا فرصة سانحة للولايات المتّحدة، التي بقيت حتّى الآن مكتوفة اليدين إزاء هذا الصراع، لكي تردع روسيا وتركيا من الانتهاك العلني لحظر السلاح الذي فرضته الأمم المتّحدة على ليبيا ولكي تحول دون اقتراب روسيا أكثر من إنشاء حضور دائم لها في الشرق، معقل حفتر.

وبإمكان واشنطن أيضاً أن تحرص على الاستفادة من المكاسب العسكرية التركية للحث على حلّ عمليّ ومستدام للصراع لا يؤدّي إلى استمرار التقاتل.

دور الجهات الفاعلة الخارجية

الجهات الفاعلة الخارجية عنصرٌ أساسيّ في الصراع الليبي. فقد أتى انتصار حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بدعم من أنظمة الدفاع الجوّي وأساطيل من الطائرات المسيّرة التركية ومرتزقة سحبتهم تركيا من الصراع السوري.

وقد قدّمت تركيا الدعم العسكري منذ ديسمبر 2019 حين وقّعت حكومة الوفاق الوطني، وهي الحكومة التي تعترف بها الأمم المتحدة في طرابلس، اتفاقية بحرية مثيرة للجدل مع أنقرة.

فقد رأت هذه الأخيرة في ضعف حكومة الوفاق الوطني فرصة ممتازة للدفع بمصالحها في شرقي البحر المتوسّط. ومع أنّ الجهات الداعمة لحفتر دعت إلى وقف إطلاق نار، لا ترى تركيا سبباً لتلبية دعواتها.

فحفتر يواجه انشقاقات متزايدة وثقة متضائلة بقدراته، وقد لا يصمد سياسياً إزاء تداعيات انتكاساته العسكرية.

ولأنقرة الإمكانية بأن ترسم بشكل حاسم معالم المرحلة التالية من الصراع. فباستطاعة تركيا وحكومة الوفاق الوطني متابعة الهجوم لا بل زيادة حدّته للاستفادة من الزخم المُحّقق مؤخراً.

وسيشجّع هذا الأمر على المزيد من الانشقاقات في معسكر حفتر، مما يفضي إلى انهيار محتمل في صفوف تحالفه. وسيحرص ذلك أيضاً على أنّه عندما يتمّ تطبيق وقف إطلاق نار في نهاية المطاف، لن يكون المشهد قد تغيّر بأيّ شكل سياسيّ أو عسكريّ أساسيّ لصالح حفتر والجهات الداعمة له.

فبالنسبة إلى حكومة الوفاق الوطني، ينبغي أن تحرص بنود وقف إطلاق النار على عدم ترسيخ سيطرة حفتر على الشرق، مما يرغمه على التلاشي إلى حدّ لا يعود له أيّ أهميّة.

ينبغي على تركيا وحكومة الوفاق الوطني التصرّف بحذر

من هذا المنطلق، تشهد استراتيجية تركيا في ليبيا نجاحاً. بيد أنّه على تركيا التصرّف بحذر، فقد تتحوّل خطوات تركيا الحازمة الجديدة إلى سوء تقدير بسرعة في حال زادت الجهات الداعمة لحفتر من حزمها، فتتخلّى عن مطلبها بالسيطرة على البلاد برمّتها وتركّز عوضاً عن ذلك على تحقيق الاستقلال في الشرق.

فالحرب الليبية حربٌ بالوكالة، وهي حرب قد ترغب الدول الراعية لها في تفادي التصعيد لكن يمكنها أن تتابع بمنح الجهات الشريكة لها على الأرض ما يكفي من الموارد لإبقاء المعركة مستمرّة والحؤول دون التعرّض لهزيمة كاملة.

ولا تبشّر خسائر حفتر بالخير لعلاقته مع الجهات الخارجية الداعمة له. بيد أنّه بالنسبة إلى هذه الجهات الداعمة، تفوق التداعيات الجيوسياسية لتحقيق حكومة الوفاق الوطني وتركيا انتصاراً كاملاً من حيث الأهمية تكاليفَ الدعم المستمرّ للجيش الوطني الليبي التابع لحفتر.

ويمكن أو يحوّل هذا الأمرُ، في أقصى الحدود، الشرقَ إلى منطقة تحت الحماية الروسية والإماراتية. وفي أدنى الحدود، سيعزّز الدعم المستمرّ المقدّم من الجهات الراعية الخارجية قدرةَ التفاوض لدى حفتر في حال لم يتمّ تطبيق وقف إطلاق نار.

وإمكانية اللجوء إلى هذا النوع من المناورات السياسية لدى الجهات الفاعلة الخارجية حقيقية للغاية. ففي اتفاقية برلين، وهي اتفاق برعاية الأمم المتحدة أُبرم في يناير 2020، التزمت القوى الخارجية ظاهرياً بوقف دعمها للجهات المتحاربة.

بعد ذلك، سرّعت الجهات الداعمة لحفتر من الجهود للاستيلاء على طرابلس. وقد خضعت الاتفاقية بشدّة لنفوذ فرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة، فتمّ تصميمها لترسم مشهداً سياسياً واقتصادياً وأمنياً مؤاتياً لحفتر.

والآن حثّت مصر وروسيا على بروز عملية مشابهة تهدف إلى الحؤول دون تقدّم تركيا نحو وسط ليبيا وشرقها. فبعد أيّام فقط من انتهاء الهجوم الذي شنّه حفتر على طرابلس، استضاف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة حفتر ورئيس البرلمان الليبي في الشرق عقيلة صالح لإعلان وقف إطلاق نار أحادي الجهة.

وهناك بدا وكأنّ حفتر المذلول يخضع لخارطة الطريق السياسية لليبيا التي طرحها صالح والتي وضعها الروس. وصُمّمت مبادرة القاهرة لتقويض اتفاق الصخيرات الذي توصّل إليه الأمم المتحدة والذي يرتكز عليه الشرعية الدولية التي تحظى بها حكومة الوفاق الوطني، لكنّه يؤدّي في نهاية المطاف إلى إخراج حفتر من الصورة لصالح شخصية أخرى.

والأهمّ من ذلك أنّ هذا الاتفاق بيّن أنّ روسيا ومصر والإمارات العربية المتّحدة ستتسابق لرسم معالم المشاهد السياسي على مدى الأشهر المقبلة. وفي خضمّ هذه المناورات السياسية، ما زالت الجهات الداعمة لحفتر تدعم الجيش الوطني الليبي في جهد لردع تركيا والقوى المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني من التقدّم نحو شرق ليبيا.

ليبيا يمكن أن تصبح سوريا المقبلة

هذه المحاولات لتجميد الصراع وتأسيس تسوية ترتكز على دوائر النفوذ في شرق ليبيا وغربها قصيرة النظر. فالجيش الوطني الليبي التابع لحفتر وتحالف القوى التابع لحكومة الوفاق الوطني على حدّ سواء ما هما إلا تحالف مصلحة. فالأوّل هو تجمّع لميليشيات وأفراد بأجندات مختلفة احتشدوا تحت قيادة حفتر للاستفادة من الدعم الأجنبي الذي يتلقّاه ومن إمكانية استيلائه على طرابلس.

أما الثاني فهو تحالف من الميليشيات وقوى الدعم المتفكّكة التي احتشدت معاً ردّاً على استيلاء حفتر المحتمل على طرابلس.

وسيؤدّي تجميد الصراع إلى تفكّك التحالفَين كليهما، وهذه نتيجة لا تستطيع القوى الموكِّلة تفاديها على المدى الطويل. فحتّى بروز اتّفاق محتمل بين تركيا وروسيا سيؤدّي في أفضل الحالات إلى تقسيمٍ لليبيا بحكم الأمر الواقع.

فينتشر الصراع بالتالي على صعيد محلّي، مع تفكّك التحالفات وتنافس الميليشيات على السلطة والموارد على المستوى المحلّي. علاوة على ذلك، بإمكان القوى الموكِّلة الأخرى، على غرار مصر والإمارات العربية المتحدة، تقويض أيّ اتفاقية بين روسيا وتركيا في حال شعرت بأنّها تهمّش دورها.

ويكمن الخطر الأكبر على ليبيا في أنه يمكن أن تواجه بسرعة صراعاً موسّعاً. فإن بقيت الجهات الفاعلة الدولية منخرطة في المسألة، يمكن أن تشبه ليبيا المشهدَ السوري، مع سنوات من التدفّق الهائل للسلاح وانتشار سريع للمرتزقة الخارجيين المتفرّقين.

وإن تراجع الدعم الدولي للجهات الفاعلة الليبية أو توقّف، ستبرز الشكاوى المحلّية إلى الواجهة، وبعنف. وفيما يمكن أن يتبلور تفكّك هذه التحالفات الناتج عن الوضع حربَ استنزاف محلّية، من شأن زيادة تدويل الصراع أن تؤدّي إلى تفتيت النسيج الاجتماعي الليبي بالكامل وإلى نزوح مئات الآلاف والكثير الكثير من القتلى.

دور الولايات المتحدة

إزاء هذه الخلفية، ينبغي على واشنطن وبروكسل العمل معاً، فتعطيان الأولوية للحدّ من الأضرار عبر إدارة الصراع. فقد أصبح انعدام قدرة الاتّحاد الأوروبي على فرض خطوط حمر واضحاً، نظراً إلى الدعم الفرنسي المقدّم لحفتر. وبسبب دعم باريس المستمرّ منذ زمن لحفتر، قد يواجه الاتّحاد الأوروبي صعوبة ليضع نفسه في موقع يُعتبر فيه وسيط سلام صادقاً وموثوقاً.

بيد أنّ الحدّ من النفوذ الروسي سبق أن غدا أولوية لأوروبا، أي أنّ أوروبا قد تريد الحؤول دون بروز اتفاقية روسية تركية تُقسّم ليبيا.

وبإمكان واشنطن، من جهتها، تقديم دعم غير مباشر لعملية إيريني البحرية التي يجريها الاتّحاد الأوروبي والتي تهدف إلى الإشراف على حظر السلاح الليبي. وبالتعويل على الالتزامات المقدّمة في خلال اتّفاقية برلين، في وسع الخزينة الأمريكية الحدّ من نفوذ روسيا عبر فرض عقوبات على أفراد ومجموعات وكيانات ثبُت أنّها منخرطة في النقل المتكرّر للسلاح والمرتزقة إلى ليبيا.

ومن شأن هذا أن يحسّن القدرات التنفيذية البحرية لعملية إيريني، إذ يصبح بإمكان سفنها استهداف المراكب المرتبطة بالكيانات الخاضعة للعقوبات بشكل محدّد.

ولردع الجهات الأجنبية من الانتقال إلى نقل السلاح والمرتزقة جوّاً، بإمكان البنتاغون نشر صور ساتلية لخروقات الحظر الجوّي. وسيزيد ذلك من الزخم الذي أنشأته القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا التي سلّطت الضوء على الطائرات العسكرية الروسية المُرسلة إلى شرق ليبيا ودحضت نكران روسيا أنها تدعم حفتر.

وسيؤدّي إضعاف حفتر وحلفائه بدوره إلى الحدّ من حاجة حكومة الوفاق الوطني إلى الاستمرار بالاتكال على تركيا وتوسيعه.

ليس تورّط جهات فاعلة خارجية عدوانية التهديد الوحيد الذي تواجهه ليبيا اليوم، فالصراعات المحلّية حقيقية للغاية أيضاً. مع ذلك، يبقى الحدّ من تدفّق السلاح والمحاربين الأجانب قطعة أساسية من الأحجية الليبية، التي هي عبارة عن صراع أليم سبق أن أفضى إلى وفاة الكثيرين.

***

رانج علاء الدين ـ زميل زائر في مركز بروكنجز الدوحة ومدير مشروع مؤسسة كارنيجي حول الحرب بالوكالة في الشرق الأوسط. وقد كان سابقًا باحثًا زائرًا في جامعة كولومبيا ومتخصصًا في قضايا الصراع والحوكمة والأمن البشري داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

عماد الدين بادي ـ باحث ومحلل سياسي يركز على الحكم والصراع والاقتصاد السياسي في ليبيا ومنطقة الساحل. وقد عمل مع العديد من المنظمات التنموية كمستشار ، مع التركيز على تعميم حساسية الصراع في برمجة مبادرات الاستقرار بعد انتهاء الصراع في ليبيا بالإضافة إلى توفير التحليل فيما يتعلق بديناميكيات النزاعات المحلية في البلاد

_________

بروكنغز