Minbar Libya

بقلم وُلفرام لاخَر (ترجمة: يسرى مرعي)

لكبحِ النفوذ الروسي، ينبغي على الاتحادِ الأوروبي فرضَ عقوباتٍ لتقويضِ حفتر، الذي تعتمدُ عليه روسيا كمضيفٍ وشريكٍ.

.الجزء الثاني

تحديات السيادةِ المشتركةِ

كما تبرُزُ المزيد من التساؤلات حول ديمومةِ اتفاق تركيروسي في ليبيا، وهي تساؤلاتٌ تتعلقُ بمصالحهما في تسويةٍ سياسيةٍ ليبيةٍ، وتتعلق بالمعارضة التي قد يثيرها اتفاق كهذالدى القوى الأجنبية الأخرى.

وكما يُظهِرُ النزاعُ الجاري حول سرت، فإنّ التفاهمَ الروسيالتركي لا يعني بالضرورةِ إنهاءَ القتال، ولن يكون بمنأى عن انهيارٍ وإعادةِ تفاوض دوريين. لكن بمجردِ تسويةِ وضعِ سرت والجفرة، فإنّ الردعَ المتبادلَ من قبل روسيا وتركيا قد يضع حداً للأعمالِ العدائيةِ الواسعةِ النطاق.

وحتى مع سيناريو كهذا فإنّ احتمالات عقدِ مفاوضاتٍ سياسيةٍ ضئيلةٌ. فمنذ أن بدأ حفتر هجومه على طرابلس، لم يعد معظم الفاعلين السياسيين في غربِ ليبيا يرونه شريكاً تفاوضياً جديراً بالثقةِ.

وسيتعرّضُ أولئك الذين يوافقون على التفاوضِ معه لضغوطٍ شديدةٍ من جماعاتٍ تؤيدُ موقفاً أكثر تشدداً. وعلاوة على ذلك، سبّبت الحربُ صدعاً عميقاً بين غربِ وشرقِ ليبيا، حيث عارضت أصواتٌ قليلةٌ الحربَ.

وكلما اتضحت عبثية هجوم حفتر اكتسبت مشاعرُ الانشقاق مكانةً أكبر في الشرقِ.

ويشكّلُ التدخل الروسي والتركي عقبات تحول دون التوصلِ إلى تسويةٍ سياسيةٍ. ففي المفاوضاتِ، قد تطالبُ الأطرافُ الليبية داعمي خصومها بسحبِ العناصر الأجنبية، بما في ذلك المرتزقةُ الروس والسوريون، والطائرات الإماراتية المُسيَّرة، والمقاتلات الروسية، والإمدادات العسكرية التركية.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ التوصل إلى اتفاقٍ يعيدُ تشكيلَ حكومة واحدة وقيادة عسكرية واحدة وبنك مركزي واحد من شأنه أيضاً أن يخفف النفوذَ التركي والروسي. وقد تسعى حكومةٌ موحّدةٌ في نهايةِ المطافِ إلى طردِ أي وجودٍ عسكري أجنبي. وعلى هذا فإنّ المصالح التركية والروسية تكمن في تجميدِ النزاعِ بدلاً من حلّهِ.

أما فشلُ حفتر في طرابلس فلا يفيدُ في تخفيفِ الضغطِ المالي المتزايدِ على كلا الطرفين. فقد أوقفَ حفتر تصديرَ النفطِ في المناطقِ الخاضعةِ لسيطرته منذ كانون الثاني/يناير من عام 2020.

وهو بذلك يمنعُ عودةَ الإيراداتِ إلى البنكِ المركزي في طرابلس، الذي رفضَ منحَ السلطات الشرقيةِ المرتبطةِ بحفتر وصولاً أكبر إلى التمويلِ.

بيد أنّ استئنافَ الصادراتِ من حقولِ النفطِ الجنوبيةِ، الخاضعةِ لسيطرةِ حكومةِ الوفاقِ، لن يحلَّ المشاكلَ الماليةَ لحكومةِ طرابلس، لا سيما بالنظرِ إلى الأسعارِ المتدنيةِ للنفطِ. وإلى هذا التاريخ استخدمت الدولُ الغربيةُ عقوبات الأممِ المتحدةِ على صادراتِ النفطِ غير القانونيةِ لمنعِ محاولاتِ حفتر المتكررةِ لبيعِ النفطِ بصورةٍ مستقلةٍ. ولا بد لأي اتفاقٍ بين الطرفينِ لاستئنافِ صادراتِ النفطِ أن يتضمّن إصلاحاً لإدارة البنكِ المركزي التنفيذية يمثّلُ اتفاقاً بشأنِ توزيعِ الإيراداتِ.

وفي ظلِّ غيابِ مثل هذه الصفقةِ، ستسوءُ الظروفُ الماليةُ لكلٍ من حكومةِ طرابلس والسلطاتِ الشرقيةِ المرتبطةِ بحفتر. ومن شأنِ هذا أيضاً أن يحدَّ من قدرتهما على الدفعِ للمرتزقةِ والعتادِ العسكري الأجنبي، إضافةً إلى مكافأةِ مموليهم الأجانبِ بفرصٍ في قطاعِ الطاقةِ.

وتواجهُ روسيا وتركيا معضلةً: فالتفاوضُ حول تسويةٍ سياسيةٍ من شأنه أن يُهدِّدَ بالحدّ من نفوذهما، بيدَ أنّ مجردَ تجميد النزاعِ من شأنه تقويض الجدوى الاقتصادية لتدخلاتهما.

وتنبثق التحدياتُ الإضافيةُ من القوى الأجنبية. إذ قد يهمّشُ اتفاقٌ تركيروسي الداعمين الأجانبَ الآخرين لحفتر –الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنساويقوّي تركيا، التي تعارضُ الدول الثلاث السابقة سياساتها الإقليمية.

وما مبادرةُ وقفِ إطلاقِ النار التي قدمتها مصر في 6 حزيران/يونيو 2020 إلا محاولة لاستعادةِ أهميتها وإحباط صفقة تركيةروسية. كما تشعرُ الولاياتُ المتحدة بالقلقِ من نشرِ روسيا لطائراتٍ مقاتلةٍ ويمكن أن تعزّز الموقفَ العسكري التركي في سبيلِ منعِ روسيا من إقامةِ قواعد دائمة في ليبيا.

وستحاولُ جميع القوى الأربع منعَ أو تقويض اتفاقٍ تركيروسي في ليبيا. ويمكن أن يؤدي هذا إلى تفاقمِ النزاعاتِ إن دعمت قوى أجنبية مختلفة الفاعلين المحليين المتنافسين.

كما ستمنعُ المنافساتُ، بين القوى العظمى والوسطى، الأممَ المتحدةَ من استعادةِ دورها كوسيطٍ موثوقٍ بين المصالحِ الأجنبيةِ والمحليةِ المتضاربةِ.

أوروبا مهمّشة

وقف الأوروبيون مكتوفي الأيدي وشاهدوا الحربَ الليبية تستعرُّ ووصلَ التدخُّلُ الأجنبي إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ. وتتمثّلُ الأسبابُ الأساسيةُ لتقاعسهم عن أي فعلٍ في سياسةِ فرنسا الراميةِ إلى حمايةِ حفتر، ودعمِ الولاياتِ المتحدةِ الضمني الأولي لحفتر وما تبع ذلك من عدمِ اكتراثها بالحربِ، وإحجامِ الأوروبيين عن مواجهةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ ومصرَ حول دعمهما لهجومِ حفتر.

كما اتّسمت الدبلوماسيةُ الألمانيةُ أيضاً بعدم الرغبةِ في ممارسةِ التأثير. وكانت نتيجةُ هذه السياسة أن ملأت تركيا وروسيا الفراغَ، في حين فقدَ الأوروبيون المصداقيةَ والنفوذَ.

وهذا سيحدُّ الآن من قدرتهم على التوسّطِ وحثِ حكومةِ الوفاقِ على اتخاذِ الخطواتِ المطلوبةِ بصورةٍ عاجلةٍ، كتقويةِ قاعدتها والمساءلة، واحتواءِ المجموعاتِ المسلحةِ المُمَكَّنةِ حديثاً.

والآن بعد أن أصبحت العواقبُ الوخيمةُ لتقاعسِ الأوروبيين جليةً ولم تعد أمام حفتر فرصة للاستيلاءِ على السلطةِ، فإنَّ تحولاً سياسياً ممكنٌ ولا غنى عنه. إذ أنَّ سيادة مشتركةً تركيةروسية لن تعيد توحيدَ ليبيا ولن تخدمَ مصالحَ الاتحادِ الأوروبي كذلك، حتى إن تمتّعت بالديمومةِ.

بيدَ أنّه في الوقت ذاته لن تنجحَ معارضةُ روسيا وتركيا، لأنّ هذا من شأنه أن يدفعَ الدولتين للتقاربِ أكثرَ.

وينبغي أن يوجّه هدفان رئيسيان السياسةَ الأوروبية: أولاً، ضمانُ وحدةِ ليبيا؛ وثانياً، مواجهةُ النفوذِ الروسي في ليبيا بوصفه من الأمورِ ذات الأولويةِ. وتؤيدُ الولايات المتحدة كلا الهدفين.

بيد أنّ الأوروبيين لن يتمكنوا من العمل بتناغمٍ إلا إن تحوّل الموقفُ الفرنسي عن تسامحه النسبي إزاء روسيا وموقفه العدائي تجاه تركيا.

إذ يشكّلُ الوجودُ العسكري الروسي في ليبيا تهديداً أكبر بكثير لأوروبا من التدخّل التركي. كما أنّ تقليصَ الوجودِ الروسي من شأنه أن يؤدي إلى الحدّ من اعتمادِ حكومةِ الوفاقِ على الحمايةِ التركيةِ، وبالتالي معالجة مخاوفِ الدولِ الأعضاء التي تعارضُ حكومةَ الوفاقِ بسبب نزاعها (هذه الدول) مع تركيا حول حقوقِ الملاحةِ في شرق المتوسطِ.

ومن بين الأدواتِ المتاحةِ بوضوح تحت تصرف الأوروبيين لتحقيقِ هذه الأهداف عدم اتسام القوة الخشنة بالجاذبية. كما أنّ الدولَ الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تعد تتمتعُ بالموثوقيةِ المطلوبةِ لتلعبَ دوراً عسكرياً مهماً في ليبيا ولن تؤدي إلا إلى زيادةِ ارتباكِ المتدخلين الأجانب في البلدِ.

أما العمليةُ البحريةُ الأوروبيةُ IRINI فلا تقومُ بالكثيرِ لمنعِ شحناتِ الأسلحةِ من الوصولِ إلى ليبيا. بيد أنه يمكن استخدامها كرادعٍ في مواجهةِ الصادراتِ غير القانونيةِ للنفطِ –وهو أمرٌ حاسمٌ للحيلولةِ دون التقسيمِ.

غير أنّ النفوذَ الغربي أقوى في الاقتصادِ وفي استخدامِ العقوباتِ. وينبغي على

الدولِ الغربيةِ مواصلة استخدام نفوذها في المؤسساتِ الماليةِ الدوليةِ إضافةِ إلى القطاعِ المصرفي العالمي، وصناعات الطاقةِ والتأمينِ لمنع صادراتِ النفطِ غير القانونيةِ وللعمل باتجاهِ إصلاحات في البنكِ المركزي، وإعادةِ توحيده في نهايةِ المطافِ.

كما أنَّ الشللَ في مجلسِ الأمن يزيدُ من الحاجةِ إلى استخدامٍ أوسع نطاقاً للعقوباتِ الأمريكيةِ والأوروبيةِ ضد الشركاتِ والأشخاصِ المتورطين في أعمالِ انتهاكاتِ حظرِ الأسلحةِ ومحاولاتِ تصديرِ النفطِ بشكل غير قانوني. ومحاكمةُ جرائمِ الحربِ، في إطارِ الاختصاص القضائي العالمي، أمرٌ أساسي لتشكيل رادعٍ للمجموعاتِ المسلحةِ التي مكَّنها الممولون الأجانبُ.

ولكبحِ النفوذ الروسي، ينبغي على الاتحادِ الأوروبي فرضَ عقوباتٍ لتقويضِ حفتر، الذي تعتمدُ عليه روسيا كمضيفٍ وشريكٍ. وبالتوازي، ينبغي على الدولِ الغربيةِ أخيراً أن تدفعَ بمصالحها المتمثلة في استقرارِ ليبيابقوةٍ أكبر عند التعاملِ مع داعمي حفتر الأجانب الآخرين، لا سيما مصر والإمارات العربية المتحدة، لثنيهم عن استمرارِ التعاونِ مع روسيا.

***

الدكتور وُلفرام لاخَر ـ باحثٌ في قسمِ الشرقِ الأوسطِ وأفريقيا بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ومؤلفُ كتاب تفتيتُ ليبيا: البنيةُ والسيرورةُ في النزاعِ العنيفِ“.

___________

المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية