Minbar Libya

بقلم محمد أبوفلغة

بعد أكثر من 400 يوم من القتال، حان الوقت للولايات المتحدة للتقدم على المسرح الليبي في أبريل 2019 أشار مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، جون بولتون ، للجنرال المتمرد خليفة حفتر بأن الولايات المتحدة لا تعارض خطة حفتر لشن هجوم على العاصمة الليبية طرابلس، في محاولة للإطاحة بالحكومة المعترف بها دوليًا، حكومة الوفاق الوطني كانت الخطة تتمحور حول قيام قوات حفتر بدخول العاصمة، لإنهاء تواجد المجموعات المسلحة، وبسط السيطرة على كامل البلاد.

رغم سطحية وبساطة الطرح، لاقت خطة حفتر دعما كبيرا من بعض الأطراف الخارجية، خصوصا في مصر والإمارات. حفتر قام بإعطاء وعود متكررة لمحاربة الميليشيات والإسلاميين في إطار حملته رغم أن قواته نفسها تتكون من مجموعة ميليشيات وتشمل بعض المجموعات الإسلامية، بالتحديد ممن يعرفون في ليبيا بالسلفيين المداخلة.

لم تتطلب موافقة الولايات المتحدة الأولية على الهجوم الكثير من الإجراءات من القوة العظمى العالمية، رغم معارضة بعض أعضاء الكونغرس لهجوم حفتر، راقبت الحكومة الأمريكية مستجدات الأوضاع عن بعد.

لم يجاوز التدخل الأمريكي حد إصدار بعض البيانات التي تطالب “جميع الأطراف” بإيقاف العمليات العسكرية.

ثم ظهرت مجموعة فاغنر على الأراضي الليبية بعد أشهر قليلة من شن هجومه ضد حكومة الوفاق الوطني، سعى حفتر للحصول على دعم عسكري من روسيا.

مدفوعة بأطماع السيطرة على موقع استراتيجي آخر قبالة البحر الأبيض المتوسط، قامت روسيا بإرسال مرتزقة من مجموعة فاغنر المملوكة لأحد مساعدي بوتين.

في السنوات القليلة الماضية، باتت مجموعة فاغنر تمثل الذراع العسكري غير الرسمي للدولة الروسية. تم إرسال مرتزقة فاغنر إلى عدة دول، منها سوريا، أوكرانيا، وجورجيا؛ لدعم مجموعات محلية موالية لبوتين.

إرسال مرتزقة فاغنر إلى روسيا أطلق صفارات الإنذار في ممرات الإدارة الأمريكية. مسؤولون أمريكان في السلطتين التشريعية والتنفيذية نددوا مرارا بالتواجد الروسي.

رغم أن المخاوف من تصاعد التدخل الروسي قد أدت إلى تغير النبرة الأمريكية بعض الشيء، إلا أن الحكومة الأمريكية فشلت في اتخاذ أي إجراءات عملية كفيلة بإنهاء مغامرة حفتر وإيقاف التدخل الروسي.

لقد أضرت الحملة على طرابلس بالمصالح الأمريكية من عدة نواحي. أولا، هجوم حفتر أجبر حكومة الوفاق على إعادة توجيه جهودها إلى الدفاع عن طرابلس بدل محاربة ما تبقى من تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.

بالنسبة للولايات المتحدة، كانت قوات حكومة الوفاق شريكا حقيقيا يعتمد عليه في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في 2016.

أثبتت الشراكة بين أمريكا وحكومة الوفاق أنها شراكة مثمرة وفعالة إذ نجحت في طرد العناصر الإرهابية من أكبر معاقلهم خارج العراق والشام.

ثانيا، الحكومة الأمريكية تتعاون مع حكومة الوفاق لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية في البلاد. كل هذه الجهود توقفت نتيجة للحرب على طرابلس.

ثالثا، قامت ميليشيات حفتر مرارا وتكرارا باستهداف المدنيين، ارتكاب جرائم حرب، وانتهاك حقوق الإنسان.

قوات حفتر تعمدت انتهاك مبادئ القانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان؛ هذه المبادئ التي لطالما دعت الولايات المتحدة إليها ودافعت عنها.

أخيرا وليس آخرا، باعتمادها على المرتزقة الروس والمعدات الروسية، قوات حفتر عمليا تقوم بتسليم البلاد إلى خصوم أمريكا في المنطقة.

رغم المرتزقة الأفارقة والروس، أسلحة الإمارات وطائراتها المسيرة، والدعم اللوجستي المصري، فشل حفتر في دخول طرابلس. عوضا عن ذلك، لجأت قواته إلى قصف المناطق السكنية لخلق حالة من الرعب والخوف في صفوف المدنيين.

شهدت الأشهر القليلة الماضية تحولا كبيرا في الصراع الجاري. تمكنت حكومة الوفاق الوطني – جزئياً بفضل دعم حليف الولايات المتحدة وعضو حلف الناتو ، تركيا – من دفع قوات حفترإلى الوراء بعيدًا عن بعض المواقع الرئيسية.

في أبريل قامت قوات حكومة الوفاق بالسيطرة على عدة مدن ساحلية في غضون ساعات.

تراجع قوات حفتر استمر. في مايو، نجحت قوات الوفاق في بسط سيطرتها على قاعدة الوطية الجوية، أحد أكبر المواقع الاستراتيجية في المنطقة الغربية، بعد حملة جوية مكثفة نجحت في إعطاب أنظمة الدفاع الجوي الروسية.

في 19 مايو، أعلن المتحدث باسم قوات حفتر تراجعهم في إطار “إعادة تموضع” لأسباب تكتيكية، حسب قوله.

قوات حفتر أعلنت لاحقا أنها ستتراجع مسافة 2-3 كيلومتر للسماح للمدنيين بالاحتفال بعيد الفطر.

في الحقيقة، أتى انسحاب حفتر كنتيجة لضغط قوات الوفاق ولم يكن لأسباب إنسانية كما ادعى. قرار الانسحاب، على أية حال، سمح لطرابلس بأن تنعم بليلة هادئة دون قصف لأول مرة منذ أشهر.

خسائر حفتر الأخيرة هزت ثقة داعميه في إمكانياته. مصر والإمارات تخاطران بمصالحهما المستقبلية في ليبيا إذا ما واصلتا رهانهما على الحصان الخاسر. مؤخرا، صرح مسؤول مصري لمدى مصر بأنه “لا يمكن لأحد أن يراهن على حفتر مجددا”.

من ناحيتهم، يبحث الروس عن بديل للجنرال المتمرد. اتصالاتهم برئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، تفصح عن انزعاجهم من حفتر.

بالإضافة، يبدو أن مشاهد أنظمة الدفاع الجوي الروسية التي دمرتها قوات الوفاق كانت منبها آخر لإيقاظ الكرملين.

التغير الأخير في مجريات الأحداث يسمح للولايات المتحدة بالتدخل دبلوماسيا لإيجاد حل ينهي القتال في ليبيا.

رغم أن الإدارة الأمريكية قد أصبحت أكثر صراحة ووضوحا في بياناتها حول دعمها لحكومة الوفاق، فإن هذه البيانات وحدها لا تكفي.

على الولايات المتحدة أن تستخدم قوتها السياسية والدبلوماسية بالضغط على الإمارات، مصر، وروسيا لإيقاف دعمهم لحفتر.

امتنعت إدارة ترامب عن القيام بدور نشط في ليبيا لأن مثل هذه المشاركة بدت باهظة الثمن. ومع ذلك ، فإن الوضع الحالي يسمح للولايات المتحدة باستعادة دورها القيادي دون أي تكلفة. كل ما تحتاجه الولايات المتحدة اليوم هو العمل الدبلوماسي والضغوط السياسية.

لا حاجة لأي عمل عسكري إذ انقلبت الموازين ضد حفتر.

بالإضافة، حتى في حال الحاجة لفرض حظر التسليح، بإمكان الولايات المتحدة الاعتماد على الاتحاد الأوروبي.

إذا ما نجح الاتحاد الأوروبي في التنسيق مع الحكومة الليبية – بحسب قرارات مجلس الأمن – فإن عملية مثل ايريني قد تكون كافية.

كذلك، وجود الأمريكية ستيفاني ويليامز على رأس البعثة الأممية يعزز مساعي الدبلوماسية الأمريكية ويسهل مهمتها.

القضية الليبية هي واحدة من قضايا السياسة الخارجية القليلة التي يتفق حولها الحزبان الأمريكيان.

وزارة الخارجية، ذراع السياسة الخارجية للسلطة التنفيذية، حذرت مرارا وتكرارا من التدخل الروسي في ليبيا.

أحد كبار المسؤولين في الخارجية قال في أبريل “موسكو تحاول تعزيز وجودها في ليبيا لتوسيع تأثيرها في منطقة حوض المتوسط وفي القارة الأفريقية.”

زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش مكونيل، أخبر مجلس الشيوخ في السابع من مايو أن “نظام بوتين يستمر في تهديد المصالح الأمريكية والأمن الدولي – من التدخلات المستفزة في الدول التي كانت تحت حكمها، إلى التدخل ومغامرات المرتزقة في ظل الفراغ في سوريا وليبيا.

بعض أعضاء الكونغرس – من الحزبين – من لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب أرسلوا رسالة إلى وزير الخارجية في يونيو 2019 لحثه على “استخدام الضغط الدبلوماسي الأمريكي لتشجيع العودة إلى طاولة المفاوضات.”

هذا الأسبوع ، أدان البنتاغون الدعم الروسي لحفتر. وقال قائد القيادة الأمريكية الإفريقية ، الجنرال تاونسند ، في بيان إن “روسيا تحاول بشكل واضح قلب الموازين لصالحها في ليبيا”.

وحذر قائد آخر من أن “روسيا يمكنها الاستيلاء على قواعد على الساحل الليبي” ، الأمر الذي سيثبت أنه مكلف للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا.

يبدو أن صائغي السياسة الخارجية الرئيسيين للولايات المتحدة ، باستثاء البيت الأبيض ، يتفقون على خطورة خسارتهم لليبيا. قد تهدف المواقف المعلنة الأخيرة ، خاصة مواقف وزارتي الدفاع والدفاع ، إلى “تخويف البيت الأبيض لاتخاذ نوع ما من الإجراءات” ، كما قال الباحث في الشأن الليبي جليل الحرشاوي لـ فورين بوليسي.

وبالنظر إلى الاتفاق الواضح على الوضع الملح ، على البيت الأبيض أن يتخذ موقفا مماثلا. على الصعيد الدولي ، يمكن للولايات المتحدة التأكيد على التزاماتها تجاه حلفائها الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي من خلال منع ظهور تهديد روسي على بعد بضعة مئات من الكيلومترات عن المدن الأوروبية.

على الصعيد المحلي ، يمكن أن يساعد اتخاذ موقف حازم ضد التدخل الروسي في ليبيا على توضيح التصور القائل بأن إدارة ترامب لينة تجاه روسيا. يمثل الوضع في ليبيا اليوم فرصة للرئيس ترامب للوقوف ضد بوتين.

في عام الانتخابات ، يمكن للرئيس استخدام مثل هذا الموقف لسحب البساط من تحت انتقادات خصومه لموقفه من روسيا.

في حال فشل الولايات المتحدة في اتخاذ موقف عاجل، فإنها تواجه خطر أن يتم تجاهلها وتحييدها من قبل قوى أخرى.

ما كان التطاول الروسي ليكون ممكنا من الأساس لولا الفراغ الذي خلفه التجاهل الأمريكي للبلاد.

بدون التدخل الدبلوماسي الأمريكي، قد يستمر النزاع وقد ترتفع وتيرته. قد تحول روسيا وغيرها دعمهم إلى طرف آخر مع المحافظة على مكاسبهم.

الولايات المتحدة تخاطر بالسماح لروسيا بالحصول على موقع قدم آخر على شاطئ البحر المتوسط.

على المدى البعيد، أي صراع مستمر في ليبيا لا يخدم المصالح الأمريكية تماما كما أن أي وجود روسي في شمال أفريقيا لا يخدم تلك المصالح. من خلال العمل الدبلوماسي غير المكلف والممكن الآن بفضل انتصارات حكومة الوفاق، بإمكان أمريكا أن تضغط على مصر والإمارات لنفض حفتر وأن تدعو جميع الأطراف الأخرى إلى طاولة المفاوضات.

يجب أن تكون المحادثات السياسية في المستقبل خالية ممن أفسدوا المحاولات السابقة، خصوصا حفتر. لا شك أن حفتر غير مهتم وغير راغب في رؤية أي اتفاق سياسي سلمي.

الفشل في استيعاب هذه الحقيقة سيعيد ليبيا إلى الوراء عدة سنوات، ويهددها بتكرار الأخطاء نفسها، إذ أن الجنرال المتمرد سيستمر في محاولاته البائسة للسيطرة على البلاد.

لخلق مستقبل أفضل، على ليبيا المضي قدما بدون حفتر. لتحقيق حل سياسي بدون المفسدين ، يجب على الولايات المتحدة حشد جيران ليبيا ، وخاصة تونس والجزائر ، إلى جانب الدول الأوروبية لدعم المحادثات بين حكومة الوفاق والجهات الليبية الأخرى المهتمة بالتوصل إلى تسوية سياسية ، تحت قيادة الولايات المتحدة والبعثة الاممية. ومع الضربات الأخيرة التي تلقاها حفتر ، هناك فرصة حقيقية لتحقيق السلام.

الوقت مناسب الآن للولايات المتحدة للقيام بما يجب في ليبيا؛ ولكن هذه الفرصة السانحة قد تغيب قريبا.

***

محمد أبوفلغة طالب دراسات عليا لدرجة الماجستير في دراسات السياسة الدولية مع التركيز على الدبلوماسية وحل النزاعات ، ويعتبر من ذوي الخبرة في الأبحاث حول قضايا الحرب والهجرة واللاجئين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهو زميل بروملي في مركز شتراوس للأمن الدولي والقانون.

__________