Minbar Libya

بقلم محمد السعيد

رغم أن المجتمع الليبي يظل مجتمعا متجانسا من حيث الدّين والمذهب مع تناغم عرقي تاريخي بين الأمازيغ والعرب، فإن أقاليم ليبيا التي نعرفها اليوم في الشرق والغرب والجنوب فشلت في الاندماج معا تحت سلطة سياسية موحدة على مدار الجزء الأكبر من تاريخ البلاد.

.الجزء الأول

ربما يذكر العديد من الليبيين إلى اليوم قصة قوس المرمر، أو قوس فيلاني، النصب التذكاري الذي صممه المعماري الإيطالي الشهير فلورينستانو دي فاوستو،

وكان ذلك بطلب من حاكم ليبيا الإيطالي المارشال إيتالو بالبوعام 1937، ووضعه الإيطاليون كعلامة على الحدود الفاصلة بين إقليمي طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق (كان كلا الإقليميين خاضعا لسلطة الحاكم الإيطالي)، قبل أن يتم هدم النصب لاحقا وتفجيره بالديناميت عام 1973 على يد القذافي، الذي اعتبر النصب أحد مخلفات الاستعمار الإيطالي، وإرثا من الموروثات التي كرست الفرقة بين الليبيين في الشرق والغرب.

ورغم مرور قرابة 5 عقود على هدم النصب، وأكثر من 7 عقود على استقلال ليبيا الموحدة وكتابة أول دستور للبلاد عام 1951، لا تزال الأفواه تتهامس بتفاصيل الأسطورة الشهيرة للأخوين فيلاني التي تعود جذورها إلى القرن الثالث الميلادي، كإشارة إلى عمق الانقسام التاريخي بين الشرق والغرب الذي يفرض نفسه مجددا على ليبيا اليوم.

وكما تحكي الأسطورة، فإن نزاعا وقع بين الإغريق الذين احتلوا إقليم برقة والجزء الشرقي من السواحل الليبية حيث أسسوا عاصمتهم المعروفة باسم قيرينا مدينة شحات اليوم، وبين القرطاجيين الذين حكموا الغرب الليبي بما في ذلك طرابلس، حول الحدود الفاصلة بينهما.

وفي حين أن المنطقة الممتدة بين قرطاج في تونس اليوموبين قيرينا كانت عبارة عن صحاري رملية تفتقر إلى أي تضاريس جغرافية تصلح لتكون علامة بين الكيانين المتنافسين، فقد اتفق الطرفان على طريقة جديدة وغير مسبوقة لرسم الحدود بينهما.

وكما تشير المراجع التاريخية، تواطأ الإغريق والقرطاجيون على أن ينطلق العداؤون من كلا المدينتين في يوم محدد، على أن يكون مكان الالتقاء بينهما هو الحد الفاصل بين المنطقتين، وقد اختار القرطاجيون الأخوين فيلاني لتمثيلهم في هذا السباق.

ويبدو أنهما كانا أسرع بكثير من ممثلي قيرينا، الأمر الذي مكنهما من قطع مسافة أكبر بكثير من منافسيهما، ولكن الإغريق سارعوا إلى اتهام القرطاجيين بالغش وزعموا أن عدائيهم قد بدؤوا الرحلة قبل موعدها.

اشترط الإغريق لقبول نتيجة المسابقة أن يتم دفن الأخوين الفائزين حيين في المنطقة التي بلغوها، أو أن يتم السماح لعدائي قيرينا بالتقدم إلى نقطة أخرى يتم تحديدها في الغرب، على أن يدفنا عندها حيين أيضا.

فلم يكن من الأخوين فيلاني إلا أن قبلا على الفور أن يدفنا من أجل بلديهما، ليقيم القرطاجيون عند هذه البقعة نصبا لتخليد ذكرى الأخوين، وهو النصب الذين أعاد الإيطاليون بناءه قبيل الحرب العالمية الثانية.

تذكر هذه الأسطورة الليبيين دوما بأشباح الانقسام الذي طالما فرض نفسه على البلاد بوصفه نبوءة ذاتية التحقق، فرغم أن المجتمع الليبي يظل مجتمعا متجانسا من حيث الدّين والمذهب مع تناغم عرقي تاريخي بين الأمازيغ والعرب، فإن أقاليم ليبيا التي نعرفها اليوم في الشرق والغرب والجنوب فشلت في الاندماج معا تحت سلطة سياسية موحدة على مدار الجزء الأكبر من تاريخ البلاد.

وللمفارقة التي لا تخلو من دلالة، كان الاستعمار الإيطالي، الذي انتزع السيادة على أراضي ليبيا من الدولة العثمانية عام 1912، هو من وحد برقة وطرابلس وفزان فعليا في دولة واحدة نهاية العشرينيات مستغلا الانقسامات بين الليبيين لدحر القبائل المتمردة على سلطته والسيطرة على الأراضي وتوحيد المستعمرات تحت سلطته السياسية والعسكرية، لتكتسب مدينة سرت منذ ذلك الحين أهمية استراتيجية متزايدة بوصفها نقطة الالتقاء، والحد الفاصل الجديد، بين الشرق والغرب.

ومع حصول ليبيا على استقلالها نهاية الأربعينيات، ساعد الإرث المشترك لمقاومة الاستعمار الأسرة السنوسية الحاكمة على الحفاظ على الوحدة بين أقاليم ليبيا، ولكن إرث الانقسام القديم ظل حاضرا في النظام الاتحادي الملكي الذي حكمت بموجبه البلاد، وكذلك في اختيار المملكة الجديدة لعاصمتين سياسيتين هما بني غازي في الشرق (برقة) وطرابلس في الغرب.

ولاحقا في أعقاب استيلاء القذافي على السلطة عام 1969، ساعدت الخلفية العسكرية العلمانية للعقيد، وانحداره من مدينة سرت، نقطة الالتقاء المتفق عليها بين الشرق والغرب، على تيسير قبوله من قبل مختلف القبائل في شطري البلاد.

وعلى الرغم من القذافي صعد إلى السلطة منتقدا السلطة القبلية باعتبارها أحد مظاهر الحكم الرجعي، إلا أن اضطر في النهاية للاعتماد على التحالفات القبلية لإعطاء حكمه العمق الاجتماعي والسياسي اللازمين، بعد أن أدرك استحالة حكم ليبيا دون إشراك القبائل، ودون النظر بعين الاعتبار للمنافسات التاريخية بين الشرق والغرب.

خلال سنوات حكم القذافي الطويلة، تغيرت الطبيعة السياسية لليبيا بشكل ملحوظ، وذوي نفوذ القبائل خاصة في العاصمة طرابلس والشطر الغربي لصالح الطبقة السياسية الجديدة من قادة الجيش والأجهزة الأمنية الذي اعتمد عليها القذافي لمواجهة محاولات الانقلاب على حكمه التي جاء معظمها من الشرق.

ونتيجة لذلك، لم يكن من المستغرب أنه حين اندلعت شرارة الثورة الليبية ضد القذافي عام 2011، حاول القذافي التحصن في العاصمة طرابلس والمناطق الغربية في مواجهة التمرد المشتعل في الشرق، قبل أن يقرر حلف الناتو التدخل والإطاحة بالقذافي، لتدشن الثورة الليبية منذ ذلك الحين فصلا جديدا من فصول الانقسام التاريخي الليبي بين الشرق والغرب.

كان سقوط نظام القذافي، هو الاختبار الأكثر جدية لمدى استدامة الوحدة بين شطري ليبيا، وفيما يبدو، فإن هذا الاختبار لم يلبث أن فرض نفسه على الأجندة السياسية في البلاد بعد أشهر قليلة من مقتل القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011.

ففي الوقت الذي كانت تجري فيه الاستعدادات على قدم وساق لانتخاب الجمعية التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور الليبي الجديد، تجمعت مئات الشخصيات القبلية والسياسية والعسكرية في بنغازي وطالبوا بإنشاء حكم اتحادي في ليبيا على غرار دستور عام 1951 الذي قسمت ليبيا بموجبه إلى ثلاثة أقاليم اتحادية هي برقة في الشرق وطرابلس في الغرب وفزان في الجنوب.

واجهت مطالب الفيدراليين انتقادات واسعة من قبل القوى الثورية الأيديولوجية التي تولت السلطة في طرابلس عقب رحيل القذافي وعلى رأسها المجلس الوطني الانتقالي ورئيسه مصطفى عبد الجليل الذي اتهم الفيدراليين بالسعي إلى تقسيم البلاد.

وردا على ذلك قام الفيدراليون بمقاطعة العملية السياسية وسحبوا اعترافهم بالحكومة المركزية ودعوا لمقاطعة المؤتمر الوطني العام، ومع تقدم الوقت في المرحلة الانتقالية كانت الهوة بين الشرق والغرب تزداد اتساعا بشكل ملحوظ.

اتسعت تلك الهوة بعدما رأت القوى القبلية التقليدية في الشرق أنه جرى حرمانها من نفوذها التقليدي في النظام الجديد لصالح القوى الثورية الجديدة وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي، عبر قوانين العزل السياسي المثيرة للجدل، بدعوى ارتباطها بالنظام القديم.

اتسعت هذه الهوة الجديدة بين شطري ليبيا مع تزايد حدة العنف في بنغازي، وإطلاق الجماعات المسلحة والثورية حملة اغتيالات ضد قادة أجهزة الأمن والرموز الموالية لنظام القذافي، وهو ما جعل الكثير من القبائل تغير نظرتها إلى الثورة من كونها انتفاضة تصحيح سياسي إلى اعتبارها عملا انتقاميا من النخبة المتحضرة في الغرب ضد القطاعات القبلية في المجتمع“.

وفي المقابل، باتت القوى الثورية الأيديولوجية في المناطق الحضرية تنظر إلى القبائل على أنها قوى معادية للتغيير، وكانت النتيجة النهائية لسوء الفهم المتبادل هذا هي أن القبائل في الشرق على وجه الخصوصقررت حشد قوتها السياسية والعسكرية عازمة على الدفاع عن وضعها داخل النظام السياسي الجديد، حتى ولو تطلب الأمر منها استخدام القوة.

تحت العناوين العريضة لهذا الانقسام الجديد، جرت انتخابات مجلس النواب لعام 2014 التي تسبب في أكبر تصدع شهدته البلاد منذ توحيدها، فمع رفض الإسلاميين والقوى الثورية الجديدة في طرابلس لنتائج الانتخابات التي أظهرت تقدم القوى القبلية التقليدية والمرتبطين بالنظام القديم على حساب الإسلاميين والقوى الأيديولوجية، وإصدار المحكمة الدستورية في طرابلس أمرا بحل مجلس النواب الجديد، فقد جرى تقسيم ليبيا في نهاية المطاف بشكل شبه رسمي بين حكومتين، واحدة في الشرق تعمل من طبرق، مقر مجلس النواب الجديد، وواحدة في العاصمة طرابلس.

بالتزامن مع ذلك، كان اسم خليفة حفتر قد بدأ يجري تداوله في شرق ليبيا كبديل محتمل لاستعادة توازنات السلطة القديمة المتعارف عليها منذ زمان القذافي، وكان حليف القذافي الأسبق، الذي انقلب عليه وحكم عليه بالإعدام غيابيا ليقضى عقدين من عمره في المنفى في الولايات المتحدة، يسعى بدوره للعب دور أكبر في حكم ليبيا الجديدة.

وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور تحالف مصالح جديد بين حفتر من ناحية وبين القبائل الشرقية الليبية من ناحية أخرى، تحالف تبلور وتحددت ملامحه بشكل واضح مع تدشين حفتر لما يعرف بـعملية الكرامةبهدف توحيد ليبيا تحت سلطته وهزيمة ما أسماها بـالميليشيات الإسلاميةالموالية للحكومة المدعومة من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في غرب ليبيا.

هرعت القبائل للانضمام إلى صفوف عملية الكرامة، وشكل المجندون من قبيلة العواقير الكبيرة على وجه التحديد النسبة الأكبر من المجندين الأوائل في جيش حفتر الذي أطلق عليه اسم الجيش الوطني الليبي، حيث شكلوا ألوية خاصة بهم وتولوا أدورا قيادية.

لاحقا بدأت القبائل في المدن الشرقية الأخرى مثل البراعصة والعبيدات في الانضمام إلى الآلة العسكرية لحفتر خلال معارك بنغازي التي هدفت لطرد المعارضين الإسلاميين من المدينة في عام 2014، فبالنسبة إلى الكثير من القبائل، كان دعم حفتر هو الطريقة المثلى التي يمكن من خلالها خدمة مصالحهم السياسية وحماية نفوذهم وحصتهم من الموارد.

وفي الوقت نفسه زادت مطالب التخلص من القوى الثورية والحضرية والإسلامية التي رأوها بمثابة قوى دخيلة على الشرق واتهموها بالفشل في تأسيس نظام سياسي عادل ومستقر.

وفّر حفتر بخلفيته العسكرية العلمانية، وارتباطه السابق بنظام القذافي قبل انضمامه لاحقا إلى الثورة ضده، وعدم انحداره من أحد القبائل القوية المتنافسة في الشرق، واجهة مثالية لحماية المصالح القبلية، وإن لم يمنع ذلك من ظهور بعد الخلافات بين الطرفين سرعان ما كان يجري استيعابها وتداركها.

بعبارة أخرى، كان حفتربالنسبة إلى القبائل الشرقية يمثل الحل الوسط بين القديم والجديد، لذلك، فعلى الرغم من أن القبائل كانت تشعر بقلق تجاه طموحات حفتر الشخصية.

ورغم أن حفتر يمتلك سيرة ذاتية فقيرة جدا على مستوى الإنجازات الفعلية وحتى السمات الشخصية والقيادية مقارنة بالقذافي، كان زعماء القبائل على استعداد للتغاضي عن ذلك كله وإلقاء ثقلهم خلفه.

وقد مهد هذا التحالف بين حفتر والقبائل طريق الجنرال الليبي لاكتساب المزيد من الأراضي ووفر له حلفاء أقوياء بعدما كانت قاعدة دعمه مقتصرة على حفنة من الضباط السابقين والنخب الاجتماعية القديمة المرتبطة بنظام القذافي.

ومن جانبه، كان حفتر على الموعد دائما حيث نجح في استمالة القبائل والتلاعب بها على طريقة القذافي القديمة في توزيع المنافع المالية والمناصب في أجهزة الأمن والشرطة وهياكل الحكم المحلي.

***

محمد السعيد ـ كاتب وباحث مهتم بشؤون العلاقات الدولية وقضايا التغيير السياسي

__________