Minbar Libya

بقلم عبدالباسط سيدا

يعود تاريخ علاقتي الشخصية المباشرة مع ليبيا إلى خريف 1991، العام الذي حصلت فيه على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة دمشق.

سافرت إلى ليبيا، إلى سبها تحديداً، للعمل في جامعتها، ضمن قسم الفلسفة الذي كان يسمى، بموجب التخريجات اللغوية الخاصة في مرحلة القذافي، قسم التفسير.

ما لفت نظري لأول وهلة في ليبيا وجود شبكة متكاملة من الطرق البرية والجوية والخطوط البحرية التي كانت تربط بين المدن المتباعدة ضمن المساحة الليبية مترامية الأطراف (حوالي مليون وثمانمائة ألف حوالي كلم مربع).

كما أن البنى التحتية والخدمات العامة كانت متوفرة بمستوياتٍ معقولة. الأنظمة الصحية والتعليمية، وكذلك المصرفية، فضلاً عن الكليات الجامعية الموزّعة على مختلف المدن داخل كل محافظة من المحافظات الليبية، كانت ضمن الحدود المقبولة.

ويبدو أن إمكانات البلد النفطية كانت تمكّن الدولة من تأمين الحاجات الأساسية للناس الذين كان عددهم في ذلك الحين حوالي أربعة ملايين. ولكن مستوى المعيشة لم يكن يتناسب مع ثروات ليبيا، ولم يكن يرتقي إلى مستوى ما كانت تتميز به دول الخليج في ذلك الحين؛ وغالباً ما كان الليبيون يعقدون المقارنات في هذا المجال، ويتساءلون عن الأسباب والتفسيرات.

الحياة السياسية كانت معدومة تماماً.

الأحزاب ممنوعة بالمطلق، إذ كان الكتاب الأخضر (الكتاب الأيديولوجي للقذافي) يعتبر الحزب قبيلة العصر، ويدعو، عبر شعاراته الإعلانية الموزعة في مختلف الساحات والشوارع الرئيسة، إلى منعها. وكانت القوى الإسلامية من أكثر القوى الممنوعة، وكانت تتعرّض لعنف غير عادي.

وفي الجامعة كانت اللجان الثورية تراقب نشاطات الطلبة، وتتحكّم في كل صغيرة وكبيرة فيها. وكان المطلوب من كل عضو ضمن اللجان المعنية أن ينجز خلال عام مهمة إضافة عضو جديد إلى اللجان، والكشف في المقابل عن شخصٍ خائن ومعادلأهداف الثورة، ليرفع اسمه إلى المعنيين بمحاسبته.

كانت مدينة سبها واحة جميلة وسط الصحراء الكبرى؛ وهي بمثابة العاصمة الإدارية للجنوب الليبي مترامي الأطراف الذي يضم تنوّعاً مجتمعياً قبلياً، إثنياً، ليس من السهل تحديد ملامحه، وغالباً ما كان مقهى فندق القلعة مكان اللقاء والحوار وتبادل وجهات النظر مع الأصدقاء.

تعرّفت في سبها إلى أصدقاء ليبيين عديدين أفاضل، كانون يحبون مجتمعهم، ويعملون على تقدّمه؛ ولكنهم في واقع الحال كانوا يدركون الصعوبات، خصوصا السلطوية منها؛ لذلك كانوا يؤدون واجباتهم التعليمية على أفضل وجه، ويلوذون بالصبر، وينتظرون الفرج.

وتبين لي من التواصل والحديث مع أناسٍ من مختلف الفئات المجتمعية في سبها أن الناس كانوا يشعرون بالغبن. طبعاً الأمور لم تكن تتعدّى دائرة الترميز والتلميح، وذلك تحاشياً للعواقب.

كان الناس في المدينة يشعرون أن التنافس الأساس هو بين الغرب والشرق الليبيين؛ أما الجنوب فهو التابع المهمش باستمرار.

وخلال عملي في القسم كُلفت بالإشراف على رحلة طلبة القسم إلى جامعة عمر المختار في البيضاء، وهي فرصةُ ما زلت أعتبرها من أسعد الفرص وأكثرها ثراء، فقد مكّنتي هذه الرحلة من معرفة الجغرافيا الليبية على أرض الواقع.

غادرنا سبها في فبراير/ شباط 1992، عبرنا وسط الصحراء الكبرى، وتعرّفنا على مناطق الجفرة والهون وودان وسوكنة. استرحنا في مدينة سرت، حيث نمنا ليلةً ولا أجمل.

وفي اليوم التالي، تابعنا سيرنا بمحاذاة خليج سرت التاريخي نحو مدينة بنغازي عاصمة الشرق الليبي، المدينة الجميلة الشهيرة بجامعتها. استمرّت رحلتنا في منطقة الجبل الأخضر عشرة أيام.

التقينا خلالها برئيس جامعة عمر المختار ووكلائه، وعمداء الكليات والأساتذة والطلبة. زرنا أشهر الأماكن والمدن الجميلة في الشرق الليبي الذي كان يذكّرني كثيراً بطبيعة لبنان، وقد وافقني على ذلك زميلي اللبناني في القسم، الدكتور هادي فضل الله، وكان معنا في الرحلة، فالمنطقة تضم الجبل والبحر والسهول، وفيها مناظر طبيعية خلابة كثيرة.

زرنا مدينة شحات الأثرية التي تضم آثار المدرسة القورينائية. كما زرنا درنة وسوسة ورأس هلال ووادي الكوف (معقل عمر المختار) وأماكن أخرى. وكانت البيضاء مقرّنا الدائم؛ نعود إليها في كل مساء لنتجول في شوارعها، ونلتقي مع أهلها، في المحلات والمقاهي.

في البيضاء، استقبلنا الثلج ليؤكد طبيعة التنوع المناخي في ليبيا مترامية الأطراف، وهي طبيعةٌ تضيف إمكانات إضافية إلى ثروات ليبيا الكثيرة، ومنها النفط والحديد والأسمدة، فليبيا تمتلك القدرة على إنتاج جميع المحاصيل الزراعية، سيما الخضروات والفواكه والحبوب على مدار العام. والمسافة بينها وبين أوروبا لا تذكر.

كما أنها تمتلك ساحلاً يمتد نحو ألفي كيلومتر، يُسحَر زواره برماله الناعمة والمياه المتوسطية الزرقاء، فضلاً عن الشمس الساطعة، والمناخ المعتدل. هذا إلى جانب المواقع الأثرية المدهشة.

وفي العام التالي، انتقلتُ إلى جامعة ناصر التي كان مركزها في مدينة الخمس، ولكن عملي كان في كلية التربية في زليتن (175 كلم غربي طرابلس). كما عملت، في الوقت نفسه، في قسم الفلسفة التابع لكلية الآداب في مصراته، وكانت تابعة لجامعة التحدّي ومركزها سرت.

مصراته مدينة جميلة، شهيرة بمعمل الحديد والصلب وأهلها التجار. وقد مكّنني موقع عملي الجديد من التعرف إلى الغرب الليبي، وقد ساعدتني مشاركاتي في المؤتمرات والندوات العلمية على ذلك. زرت طرابلس مرّات كثيرة، كما زرت ترهونة وبني وليد، إلى جانب المواقع الأثرية في لبدة وصبراته.

كما زرت الزاوية وزنتان وغريان ويفرن وزواره، وغيرها من المدن والبلدات الليبية. تعرّفت على الليبيين من مختلف الاتجاهات الفكرية. وما لفت نظري باستمرار هو تميز المرأة الليبية بوعيها الناضح، وحرصها على مستقبل بلدها وشعبها، وإصرارها على دور أكبر في مجتمعها.

كما لاحظت، في الوقت ذاته، محبة الليبيين بصورة عامة بلدهم، والاعتزاز به.
عدت إلى مصراته في زيارة خاصة عام 2007، بعد غيابي عنها في السويد 13 عاماً؛ وحرصت على زيارتي منطقة الجبل الأخضر، فأنا عادة أرتبط بالأماكن، فوجدت أن الأمور قد تغيرت في ليبيا كثيرا، قياساً إلى ما كانت عليه وقت مغادرتي لها.

لقد أصبحت أكثر انفتاحاً من الناحيتين، الاقتصادية والتجارية. كان جيلها الشاب يتطلع نحو الأفضل، ولكن الإدارة كانت ما زالت كابحة، لا تُبدي الرغبة في التكيف مع الوقائع الجديدة ضمن المجتمع الليبي نفسه، وعلى المستويين، الإقليمي والدولي.

ثم عدت إلى ليبيا ثانية في بدايات ثورتها، ضمن وفد المجلس الوطني السوري في خريف عام 2011، والتقينا مع أعضاء المجلس الوطني الانتقالي الليبي. وتبادلنا الآراء ووجهات النظر حول مستقبلهم ومستقبلنا.

وما زلت أذكر كلمات رئيس المجلس، مصطفى عبد الجليل، الاستشرافية. قال لنا: أوضاعكم ستكون صعبة، وما زال أمامكم الكثير، فسورية تقع في منطقة حساسة للغاية، وتتميز بتعدّدية مجتمعية قد تكون سببا للخلافات.

الحديث عن ليبيا وتجربتي معها، عن مفكريها وأدبها وموروثها الشعبي المتنوع، وانطباعاتي عنها، وحبي أهلها وأرضها، طويل، لا يمكن تغطيته بمقال أو مقالات عدة، ولكن مناسبة الحديث هنا ما نشهده راهناً من شقاق ليبي مثير للأسف بين الشرق والغرب.

شقاق لا يجسّد رغبة الليبيين في سائر الجهات الليبية، وإنما هو بفعل نزعات الحكم والرغبة في السيطرة؛ ويتم تغطية ذلك كله بشعاراتٍ كلفت شعوب منطقتنا خسائر وآلاما كثيرة، وفتحت البلدان أمام القوى الإقليمية والدولية والمرتزقة.
تمتلك ليبيا من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهلها لمستقبلٍ مشرق، شرط توفر الإدارة الرشيدة التي تأخذ بالاعتبار واقع المجتمع الليبي بكل خصوصياته.

هناك الكثير الكثير من الليبيين من أصحاب العقول المتميّزة، في مقدورهم معالجة مختلف المشكلات بحكمةٍ بعيدة النظر.

أما الاستمرار في النهج الحالي، فمؤداه تبديد مزيد من الطاقات، وترسيخ أسس التدخل الدولي، الأمر الذي قد يؤدي مستقبلاً إلى التقسيم الذي لن يكون قطعاً في صالح الليبيين، بل سيكون بشروط الآخرين، وبما ينسجم مع حساباتهم ومصالحهم.

***

عبدالباسط سيدا ـ كاتب وسياسي سوري

__________