Minbar Libya

بقلم عبدالله الكبير

ثمة أكثر من سبب يدفع فرنسا للتنديد بتحالف تركيا مع حكومة الوفاق الوطني، فهذا التحالف قلب معادلة الصراع في ليبيا، وقوّض مشروع حفتر في الاستيلاء على العاصمة، مزيحا فرنسا ودول أخرى كانت تساند هذا المشروع بكافة أشكال الدعم، وأضحت تركيا أنها هي اللاعب الرئيس في الملف الليبي.

 عطلت فرنسا عدة مرات مشروع قرار في مجلس الأمن يندد بهجوم حفتر على طرابلس، واستمرت في منحه الغطاء السياسي على المستوى الدولي منتظرة حسمه لمعركة السيطرة على طرابلس؛ لتباشر قطف ثمار مساندتها بفرض نفوذها في الجنوب الليبي، ونيل الحصة الأكبر في الاستثمار بقطاع الطاقة وعقود إعادة الإعمار.

 يتحرك الطموح الفرنسي بليبيا اتساعا وانكماشا حسب تطورات الصراع وأدوار القوى الدولية والإقليمية المنافسة، فيتسع إلى حد تأسيس قاعدة عسكرية في منطقة نفوذها القديم بالجنوب الليبي، تطل منها على مستعمراتها السابقة جنوب الصحراء وتربطها عبر البحر المتوسط بقاعدة بحرية في سرت، ويضيق مكتفيا بحصة مناسبة في الاستثمار عبر شركة “توتال” في النفط والغاز مع عقود سخية في التسليح ومشاريع الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.

 ست سنوات وهي تقدم الدعم العسكري واللوجستي والسياسي بشكل غير معلن مع اعترافها بحكومة الوفاق، وفجأة تغير المشهد كليا وباتت تتفرج على روسيا وتركيا يتقاسمان النفوذ والأدوار، وبدا واضحا عجزها عن مواجهة تركيا منفردة إذ دعت الاتحاد الأوربي إلى اتخاذ موقف من التدخل التركي بليبيا، ثم أعلنت أنها ستطلب من حلف الناتو مناقشة السياسات “العدوانية” لتركيا في ليبيا، من دون أي إشارة إلى تنامي النفوذ الروسي في ليبيا رغم أن روسيا بالنسبة للغالبية في أوروبا وفي حلف الناتو هي العدو وليست تركيا العضو في الحلف والشريك الاستراتيجي لأمريكا!

 ليس من العسير فهم هذا الموقف الفرنسي المخالف للمواقف الغربية على جهة التمييز والفصل بين العدو وبين الخصم أو المنافس، فتركيا منافس أو خصم للأوربيين تطمح لتوسيع نفوذها في شرق المتوسط مستغلة ما تمر به المنطقة من تحولات، تراودها أطياف الماضي حين كاد البحر المتوسط أن يصبح بحيرة عثمانية.

وهذا طموح مألوف ومشروع لكل القوى الدولية إذا امتلكت المناسبة لتحقيقه، بالتوازي مع هدف استراتيجي لروسيا باستعادة النفوذ الدولي للاتحاد السوفياتي، ولكن فرنسا تغض بصرها عن التمدد الروسي في جنوب المتوسط وتهاجم بحدة الدور التركي. فما سر هذا الموقف الفرنسي المزدوج؟

 في نهاية العام الماضي كتب الرئيس الفرنسي ماكرون على فيسبوك:”من هو العدو للناتو؟ روسيا لم تعد عدوا وهي لاتزال تمثل تهديدا، لكنها شريك في بعض الأمور. عدونا اليوم هو الإرهاب الدولي، خاصة الإرهاب الإسلامي”

 يشطب ماكرون روسيا من خانة أعداء الناتو ويضع بدلا منها الإرهاب الدولي، مردفا بالتخصيص للإرهاب الإسلامي. الإرهاب هو الإرهاب مهما كانت اللافتات والشعارات التي يرفعها الإرهابي، وهو عدو للبشرية قاطبة وليس للناتو فحسب، وممارسته لا تقتصر على تنظيمات إسلامية متطرفة كالقاعدة وداعش، هناك إرهاب باسم المسيحية وهناك إرهاب يهودي صهيوني وهناك إرهاب علماني يميني عنصري.

ولكن ماكرون يعبر عن موقف متجذر في العداء للإسلام في الدوائر السياسية والإعلامية الفرنسية، وإضافة مصطلح الإرهاب إنما هو للتغطية والتمويه، فالسبب الرئيس وربما الوحيد في معارضة فرنسا لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي هو الدين الإسلامي، وهو ما عبر عنه الرئيس الأسبق ساركوزي صراحة بقوله لا يمكن ضم 70 مليون مسلم للاتحاد الأوربي.

ويجد هذا الموقف مساندة معلنة من الكنيسة الكاثوليكية في روما، ومن كل الأحزاب والمنظمات اليمنية في كل أوروبا، والأفكار الأوربية عن الإسلام هي نتاج للغة المتحاملة والعدائية البعيدة عن المنهج العلمي لعلم الاستشراق خاصة في حواضنه الكاثوليكية منذ أن بدأت في باريس ولندن نهاية القرن السابع عشر، في إطار مشروع التأهب الغربي لاجتياح العالم الإسلامي.

ويكرسها الإعلام في عصرنا الحالي بالترويج لـ”الإسلاموفوبيا” والسعي لتشويه الإسلام بكل السبل الدعائية الرخيصة، مع تصورات خاصة عن الصراع الطويل بين الغرب والاسلام عبر القرون الماضية.

 من هنا نكشف سر الموقف العدائي الفرنسي لتركيا الإسلامية، ونفسر المخاوف الفرنسية وهي تستشرف مسارات المستقبل في شمال إفريقيا.

ستعتبر فرنسا النفوذ التركي في ليبيا تهديدا مباشرا لمصالحها وطموحاتها، يطيح بها من موقعها المتقدم إلى موقع متأخر وربما إلى مقاعد المتفرجين، وتفقد بذلك فرصا جيوسياسية واقتصادية مهمة، ولن تكتفي تركيا بما ستحققه في ليبيا، بل ستمضي إلى مد نفوذها نحو الدول المغربية لتزاحم النفوذ الفرنسي، وهذا سيشجع التيارات الإسلامية في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا على الصعود في مواجهة التيارات الفرنكوفونية.

ومن الصحراء الليبية ستلعب تركيا دورا منافسا في دول الساحل يقوض حضور فرنسا في مستعمراتها الإفريقية السابقة.

 ثمة حساسية عميقة لدي القادة الغربيين خاصة الفرنسيين من خطر الصعود الإسلامي على الضفة الأخرى من المتوسط، فالوجود الروسي في ليبيا يمكن مواجهته ومحاصرته داخل حلبة التنافس السياسي والاقتصادي مع عوامل مساعدة تشكل حواجز سميكة كاللغة والثقافة والدّين تحول دون تغلغله في المنطقة وتأسيس وجود مستدام بها، بينما لا توجد هذه الحواجز بالنسبة لتركيا بحكم الهوية الإسلامية والتقارب الثقافي مع الشعوب العربية المغاربية.

 إن قادة أوروبا وفرنسا بشكل خاص يتحسسون من أي صعود إسلامي جديد في جنوب المتوسط، مازال يقض مضاجعهم كابوس الصعود الأول حين عبر طارق بن زياد المضيق متجها إلى الضفة الأخرى، ثم اخترق عبدالرحمن الغافقي بجيشه جبال ألبرت مكتسحا كامل النصف الجنوبي لفرنسا.

وفي الصعود الثاني بعد نحو ثمانية قرون يفرد النسر العثماني جناحه على البلقان ويمد الآخر نحو فيينا، وفي المرتين كان لزاما على ممالك أوروبا أن تضع خلافاتها جانبا وتوحد جيوشها لتتمكن من صد المد الإسلامي.

هذا التاريخ مازال هو الحاكم والموجه للسياسة الغربية تجاه المنطقة العربية، التي يجب أن تبقى غارقة في محيطات الفوضى والاستبداد والتبعية والصراعات، لأن أي نهضة لشعوبها سوف تمهد للصعود الثالث.

 عقب سيطرة حفتر علي حقول النفط في الجنوب الليبي وقضائه على القوي المناوئة له في مارس من العام الماضي بدعم فرنسي، زاره وزير الخارجية الفرنسي للتهنئة. بادره حفتر: لقد تأخرت علينا.

رد لودريان قائلا: كنا ننتظر انتصارك.

بات من المؤكد أن لودريان كان ينتظر تهنئة حفتر في طرابلس فور سيطرته عليها، فهو من أبرز مهندسي مشروعه للسيطرة على ليبيا، غير أنه مني بهزيمة أخرى وتحطمت أوهامه على أسوار طرابلس، ولم يعد لدى لودريان ما ينتظره، فالرهان على عسكري فاشل يتلمس خطواته نحو الدكتاتورية في زمن الحرية هو رهان خاسر لابد أن يخيب الآمال في مشهد النهاية.

***

عبدالله الكبير ـ كاتب ليبي

____________