Minbar Libya

يشتد الصراع في ليبيا حول مَن يسيطر على منطقة الهلال النفطي، الواقع معظم أجزائه في إقليم برقة (شرق)، لكن إقليمي طرابلس (غرب) وفزان (جنوب غرب) يستحوذان على أكثر من ثلثي إنتاج وصادرات البلاد من الغاز الطبيعي، وعلى أكبر حقل نفطي.

وتستحوذ قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر على الهلال النفطي، بما فيه جميع حقول النفط والموانئ النفطية الأربعة (السدرة، راس لانوف، البريقة، الزويتينة)، إضافة إلى ميناء الحريقة بمدينة طبرق أقصى الشرق.

ثروات الغرب والجنوب الضخمة

لكن المنطقة الغربية (إقليم طرابلس)، الخاضعة حالياً للجيش الليبي التابع للحكومة المعترف بها دولياً، تسيطر على ميناءين نفطيَّين (الزاوية ومليتة)، وثالث عائم (ميناء غزة)، وعلى أنبوب وحيد في البلاد لتصدير الغاز، فضلاً عن حقلين بحريين للنفط والغاز، وحقل الحمادة الحمراء النفطية.

أما المنطقة الجنوبية (إقليم فزان)، التي تخضع معظم أجزائها لميليشيات حفتر، فتتواجد بها وحدات عسكرية تابعة للقوات الحكومية، خاصة في مدينة مرزق (تقطنها أغلبية من قبائل التبو)، وفي محيط مدينتي أوباري وغات (تقطنهما قبائل الطوارق).

يقع في إقليم فزان أكبر حقل نفطي بالبلاد، وهو حقل الشرارة، وإلى الجنوب منه حقل الفيل. وقريب من الحدود الجزائرية يقع حقل الوفاء، أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي، الذي يعد امتداداً لحقل عين أمناس بالجزائر.

وترتبط حقول النفط في فزان بأنبوب يمتد إلى مصفاة الزاوية ومينائها النفطي، بينما يرتبط حقل الوفاء النفطي والغازي بأنبوب نحو مجمع مليتة، ومنه يتم تصدير الغاز إلى إيطاليا، عبر أنبوب تحت البحر.

أكبر المنشآت الغازية

إن كان الهلال النفطي يستحوذ على 80% من المنشآت النفطية في البلاد، فإن المنطقتين الغربية والجنوبية تملكان أكثر من 68% من إنتاج الغاز الطبيعي في البلاد.

وتمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تبلغ 55 ترليون قدم مكعبة، أو ما يقارب ضعف احتياطات حقل الظهر المصري (30 ترليون قدم مكعبة).

لكن هذه الاحتياطات غير مستغلة بالشكل الكافي، بسبب قلة الاستثمارات المحلية والأجنبية، نظراً لتركيز البلاد على النفط، الذي تملك البلاد منه أكبر احتياطي في إفريقيا، فضلاً عن الأوضاع الأمنية.

بالإضافة إلى المنافسة الشرسة على الأسواق الأوروبية، خاصة من روسيا وغازها الرخيص، وأيضاً دخول الولايات المتحدة مؤخراً السوق الأوروبية بفضل الغاز الصخري، ناهيك عن استعداد عدة دول إفريقية لتصدير الغاز إلى أوروبا، على غرار موريتانيا والسنغال، بالإضافة إلى نيجيريا.

إذ لا يتم إنتاج سوى نحو 2.2 مليار قدم مكعبة فقط كمعدل سنوي، منها 1.5 مليار قدم مكعبة من المنطقتين الغربية والجنوبية، و700 مليون قدم مكعبة من المنطقة الشرقية، أغلبها من حقل الفارغ“.

ولا يمكن الحصول على إحصائيات دقيقة بسبب تذبذب إنتاج النفط والغاز، نظراً لإغلاق ميليشيات حفتر الحقول والموانئ النفطية والغازية.

ففي يناير/كانون الثاني 2020، بلغت قيمة صادرات الغاز الطبيعي والمكثفات قرابة 180 مليون دولار، لكنها تراجعت في مارس/آذار إلى أقل من 82 مليون دولار، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، لكن كمعدل شهري تبلغ مداخيل الغاز الطبيعي نحو 130 مليون دولار، أو ما بين 1.5 مليار و2 مليار دولار سنوياً.

وبسبب إغلاقات ميليشيات حفتر للحقول والمصافي النفطية والصمامات في 17 يناير/كانون الثاني 2020، بلغت قيمة المنتجات النفطية الصفر، في مارس/آذار وأبريل/ نيسان الماضيين، بحسب بيان لمؤسسة النفط الليبية، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من تحرير معظم إقليم طرابلس، مطلع يونيو/حزيران الجاري.

اهتمام بالحقول البحرية

لكن الغاز الطبيعي كان أقل تضرراً بحكم وجود حقلين غازيين في البحر، لم تتمكن ميليشيات حفتر من السيطرة عليهما، أو قطع خطوط إمدادهما، ومع ذلك تراجعت معدلات إنتاج الغاز الطبيعي في أبريل/نيسان، بسبب إقفال صمّام سيدي السائح (جنوب شرق طرابلس).

إذ يحتوي حقل البوري النفطي والغازي قبالة السواحل الليبية، على احتياطات هامة من النفط والغاز، تصل إلى 2 مليار برميل من النفط، وينتج 30 ألف برميل يومياً، حيث يعد أول حقل نفطي بحري في ليبيا، بعد اكتشافه في 1976، وتم تشييد ميناء عائم بالقرب منه، يسمى ميناء غزة، ويعتبر بمثابة ميناء نفطي، لكن على البحر.

أما حقل بحر السلام، والذي يقع قبالة الساحل الغربي لليبيا، فينتج نحو مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وشيدت بالقرب منه منصة صبراتةالعائمة، التي توجد بها منشآت لمعالجة الغاز قبل تحويله إلى مليتة ثم إعادة تصديره إلى إيطاليا، عبر أنبوب التيار الأخضر“.

وبسبب الأوضاع المتردية على الأرض الليبية، تولي مؤسسة النفطة أولوية خاصة لحقول النفط والغاز في البحر. في هذا الصدد، قال مصطفى صنع الله، رئيس مؤسسة النفط الليبية، إن الجهود المبذولة لضمان استمرار عمليات الإنتاج بالحقول البحرية تُعد اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، وذلك نظراً لتواصل الأعمال العدائية داخل البلاد“.

نصف مليون برميل.. قدرات إنتاج مهدرة

ينتج حقل الوفاء الواقع على بعد 160 كلم جنوب مدينة غدامس (جنوب غرب طرابلس) 37 ألف برميل من النفط والمكثفات و22.5 ألف برميل من الغاز الطبيعى المسال.

لكن يبقى حقل الشرارة النفطي في أقصى الجنوب الغربي بلا منازع بإنتاج يفوق 300 برميل يومياً قبل الإغلاق، إضافة إلى حقل الفيل الذي يُقدر إنتاجه بأكثر من 100 ألف برميل يومياً.

في حين ينتج حقل الحمادة الحمراء، الواقع غرب مدينة الشويرف (420 كلم جنوب طرابلس)، نحو 9 آلاف برميل يومياً. بينما ينتج حقل زلة، وبقية حقول المقاسمة، والتابع لمحافظة الجفرة التي تقع ضمن إقليم فزان، 19 ألف برميل يومياً، لكنها تقع ضمن ما يسمى بالهلال النفطي.

وإذا جمعنا الإنتاج النفطي لكامل المنطقة الغربية والجنوبية، باستثناء الهلال النفطي، على افتراض أنه ينتج بكامل طاقته فإن الرقم قد يصل إلى قرابة 500 ألف برميل نفط يومياً، أو ما يعادل نصف إنتاج ليبيا في 2019.

فالمنطقتان الجنوبية والغربية مرتبطتان بشبكة لنقل وتوزيع وتصدير النفط والغاز، منفصلة تماماً عن شبكة الهلال النفطي، أو تلك المرتبطة بميناء الحريقة النفطي في طبرق.

الهلال النفطي ليس بالكامل تابعاً للشرق

إذا تتبعنا الخرائط الإدارية والتاريخية فإننا نجد أن منطقة العقيلة هي النقطة الفاصلة بين إقليمي برقة وطرابلس، ما يعني أن ميناءي السدرة وراس لانوف الأكبر سعة في البلاد، يتبعان إلى إقليم طرابلس، وكذلك حقل الظهرة النفطي، بالإضافة إلى حقل زلة النفطي الذي يقع شرق محافظة الجفرة، التابعة لإقليم فزان.

لكن ميليشيات حفتر وقبائل الشرق يعتبرون أن كامل الهلال النفطي تابع لبرقة، وأن بلدتي النوفلية وبن جواد غرب الهلال النفطي امتداد بشري لبرقة، وأخيراً اعتبروا أن كامل محافظة سرت جزء من برقة، وأنها خط أحمر.

فالصراع على الهلال النفطي في المرحلة القادمة قد يكون حاسماً لمستقبل البلاد، خصوصاً أن هناك من يحاول رسم حدود حمراءبين أقاليم ليبيا الثلاثة.

وكخلاصة لكل ما قيل، فإن المنطقة الغربية بالتكامل مع المنطقة الجنوبية تمتلكان احتياطات هامة من المحروقات، خاصة الغاز الطبيعي، وكميات ليست قليلة من النفط، فضلاً عن عدة منشآت نفطية وغازية، أبرزها 3 موانئ نفطية، أحدها بحري، ومصفاة للنفط بالزاوية، ومجمع للنفط والغاز بمليتة، وحقلان بحريان للنفط والغاز (البوري وبحر السلام)، وحقول الحمادة الحمراء النفطية.

أما في الجنوب فحقلا الشرارة والفيل وحدهما ينتجان 40% من النفط الليبي الذي استُخرج في 2019، كما أن حقل الوفاء ينتج كميات لا بأس بها من النفط، وكميات أكبر من الغاز الطبيعي.

وإذا استطاع الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية تحرير إقليم فزان، وتأمين منشآت النفط والغاز، فبإمكان اقتصاد البلاد إعادة الوقوف على رجليه، في انتظار تحرير الهلال النفطي وكامل البلاد، خاصة إذا تمكن من ضخ استثمارات أكبر في قطاعي الغاز والنفط، وجذب استثمارات أجنبية لاستغلال احتياطاته الضخمة من المحروقات، ناهيك عن اكتشاف آبار جديدة.

__________