Minbar Libya

نعم، ولكن!

منذ خطاب الرئيس المصري وتهديده بالتدخل عسكرياً في ليبيا، تنصب التحليلات في اتجاه قرب حدوث مواجهة عسكرية بين مصر وتركيا على الأراضي الليبية، فهل هذا هو الخيار الأفضل للطرفين أم أن المصلحة الوطنية للقاهرة وأنقرة تفرض مساراً آخر؟

موقع ميدل إيست آي البريطاني ناقش عدداً من الخبراء والمسؤولين حول مدى حتمية المواجهة العسكرية بينهما، وما إذا كانت هناك خيارات أخرى أفضل، وذلك في تقرير نشره بعنوانصراع، وشراكة، ومأزق: خيارات مصر وتركيا في ليبيا.

شهد العام الماضي اقتراب ليبيا من خوض حرب وكالة تتحول إلى صراع مباشر بين أنقرة من جانب، والقاهرة والإمارات وروسيا من جانب آخر.

لكن الهزيمة المدوية التي تعرض لها خليفة حفتر خلال هجومه على طرابلس على أيدي قوات حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها تركيا أجبرت مصر على إعادة النظر في استراتيجيتها ودعمها لرجل تمنت أن يكون نسخة ليبية من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وفي ظل الضغط الذي تعرض له، إضافة إلى تقدم قوات حكومة الوفاق الوطني، اتخذ الرئيس المصري منعطفاً عدوانياً، بتحذير أطلقه بأن مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية خط أحمربالنسبة للقاهرة.

وفي خطاب أمام جمهور ضمّ مشايخ قبائل ليبية يوم السبت 20 يونيو/حزيران، قال السيسي إن مصر لا تريد التدخل في شؤون ليبيا وتفضل حلاً سياسياً في العموم، ولكنه أضاف أن الموقف الآن مختلف، مضيفاً أنه إذا جاء الشعب الليبي وطلب من بلاده التدخل، فسوف يكون هذا إشارة للعالم بأن مصر وليبيا بلد واحد ومصلحة واحدة.

تهويش بالحرب

بالرغم من إعلان المواجهة، استقبل عديد من المراقبين كلمات السيسي بقليل من الشك، وهي وجهة نظر شجعها وزير الخارجية المصري سامح شكري، الذي قال إن أي تأويل لحديث الرئيس يشير إلى أنه إعلان حرب، يعد تقديراً خاطئاً وقراءة مجتزأة لخطاب الرئيس.

والمؤكد أن تركيا لا تتوقع لطائراتها المسيّرة أو حلفائها أو العتاد المنتشر في ليبيا أن تواجه في أي وقت قريب الجيش المصري الذي يحظى بتمويل أمريكي، وفي حديث مع موقع ميدل إيست آي، قال مسؤول تركي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته بسبب البروتوكولات الحكومية: “تهديدات مصر لا تبدو جديّة للغاية، بالنظر إلى أن القاهرة تقدم بالفعل أفضل دعمها إلى حفتر في ليبيا“.

وأضاف: “يبدو أنها محاولة للضغط على حكومة الوفاق الوطني لقبول عرض وقف إطلاق النار، الذي ربما تدعمه روسيا. لا نعرف ما إذا كانت مصر لديها القدرات الضرورية لزيادة تورطها في ليبيا“.

وبالمثل، عبّر الباحث التركي الكبير مراد يسيلتاس عن تشككه في جدية تهديدات السيسي، إذ قال: “لا أجد هذه التصريحات واقعية للغاية. أعتقد أن السيسي اعتزم استخدام هذا التصريح ليكون رادعاً، لا ليكون تهديداً جديّاً باستخدام القوة العسكرية، وأوضح يسيلتاس أن المسافة الطويلة بين مصر وسرت التي تصل إلى حوالي 800 كيلومترقد تصعّب التدخل على قوات الجيش المصري.

إضافة إلى قوله إن مصر تواجه حالياً تهديدين أمنيين رئيسيين: المسلحين المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) في شبه جزيرة سيناء، وخطط إثيوبيا المتعلقة بملء سد النهضة، الذي يشكل تهديداً مباشراً على حصة مصر من مياه النيل.

سياسات غاز المتوسط

ولما كان الصراع المفتوح غير مطروح على الطاولة، ثمة بعض إشارات إلى أن المصالح المشتركة في البحر الأبيض المتوسط يمكن أن تقرّب بين أنقرة والقاهرة.

وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، التي ترسم مساحة من شرق البحر الأبيض المتوسط في إطار منطقتهما الاقتصادية المشتركة.

وبحسب محمد فؤاد، المحلل السياسي والخبير بشؤون الطاقة في الشرق الأوسط، يقدم الاتفاق إلى مصر مسارين من المصالح؛ أولاً، يمكن لهذا الاتفاق أن يمنع تأسيس خط أنابيب شرق البحر المتوسط، الذي قد يهدد مصالح مصر الاقتصادية والجيوسياسية من خلال إرسال الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عن طريق قبرص واليونان.

وفي ظل وجود محطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط، تمتلك مصر البنية التحتية اللازمة لجعلها مركزاً لتصدير الغاز إلى أوروبا، وهي مكانة يمكن أن يقوّضها إنشاء خط أنابيب شرق البحر المتوسط.

وقد أعرب المراقبون بالفعل عن شكوكهم مما إذا كان خط أنابيب شرق البحر المتوسط ذا جدوى، نظراً إلى أنه مكلف إضافة إلى الشكوك المحيطة بأسعار صادراته من الغاز، في ظل الأسعار الرخيصة التي تقدم بها قطر وروسيا الغاز إلى أوروبا.

كما يضيف الاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني مزيداً من التعقيدات، لأن المنطقة الاقتصادية الخالصة الجديدة خلقت تداخلات مع مسار خط أنابيب شرق البحر المتوسط، التي خُصصت الآن بوصفها تابعة للمياه الليبية التركية.

ويكمن الأمر الثاني في أن اتفاقية حدود بحرية منافسة اقترحتها اليونان ويجري الآن التفاوض حولها مع القاهرة، قد تمنح أثينا أفضلية أمام القاهرة، وذلك حسبما أوضح فؤاد، فيمكن أن تمنح اليونان منطقة اقتصادية خالصة أكثر من مصر، بينما تُمنح القاهرة على الجانب الآخر، بموجب ترسيم الحدود التركي، مساحةً مياه أكبر عند مقارنتها.

لكن برغم الإغراء الكامن في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تقدمها تركيا، قد يجعل حلفاء مصر هذا التغير المفاجئ في القرار أمراً مستحيلاً، ويقول فؤاد إن الأولويات السياسية للحكومة المصرية لا تحددها المصالح القومية، بل التحالفات الإقليمية مع السعودية والإمارات، التي تشكلت في أعقاب انقلاب 2013 الذي وضع السيسي في سُدة الحكم.

وقال فؤاد، خلال حديثه مع موقع ميدل إيست آي، إنه نتيجة لهذه التحالفات لن يكون السيسي قادراً على الاتفاق مع تركيا، التي تعد خصماً كبيراً بالنسبة للرياض وأبوظبي؛ لأنه ملتزم بالتحالفات الإقليمية الأخرى التي تساعده في البقاء على رأس السلطة“.

عدوانية متزايدة

وتتفق كلوديا غازيني، المحللة البارزة في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، مع حقيقة أن المفاوضات قد تفيد كلا الطرفين أكثر بكثير من الصراع.

وقالت في حديثها مع موقع ميدل إيست آي: “إذا أقنعت تركيا مصر بالانخراط في مسار تفاوضي، سوف تحصل مصر في الواقع على ما هو أكثر من ناحية الكيلومترات المربعة من مساحة البحر الأبيض المتوسط“.

لكن العدوانية المتزايدة من جانب أنقرة في ليبيا تهدد مصر، برغم المصالح المشتركة التي قد تنتج من ترسيخ تركيا موقفها في ليبيا، حسبما أوضحت كلوديا، وأضافت: “تبدأ تركيا في إظهار عدوانية في ليبيا أكبر قليلاً مما قدّرناه في البداية“.

وتابعت حديثها بقولها إن تدخل تركيا في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني كان نابعاً بدرجة كبيرة من حرص أنقرة على تغيير حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر الأبيض المتوسط ليصير في مصلحتها.

ولما صارت الفرصة سانحة لانتزاع ثروة البنية التحتية للنفط الليبي من حفتر، قد تجد تركيا وحكومة الوفاق الوطني أن التوغل شرقاً وجنوباً مغرٍ للغاية بدرجة يصعب تجاهلها، وقالت كلوديا: “ثمة مؤشرات بأنهما يريدان التوغل نحو الهلال النفطي الليبي واستعادة سيطرة حكومة الوفاق الوطني على صادرات النفط الليبية، التي يمكن أن تخدم أهداف تركيا من تأكيد مطالبتها بالمنطقة الاقتصادية الخالصة مع طرابلس“.

فيما قال فؤاد إن فكرة التعامل مع مستبد صديق في ليبيا قد تكون ورقة رابحة بالنسبة لمصالح السيسي، وأضاف: “بينما يمكنه الاتفاق مع تركيا حول الحدود البحرية، لا يريد أن تتوغل تركيا ناحية الشرق، لأنه حريص على أن يكون لديه نسخة أخرى من السيسي في ليبيا“.

أما بالنسبة لتركيا، فربما لا تكون أنقرة حريصة من الأساس على الدخول في أي شراكة مع القاهرة، وقال مسؤول تركي سابق تحدث مع موقع ميدل إيست آي ، بشرط عدم الكشف عن هويته:

يُنظر إلى السيسي من الحكومة في أنقرة على أنه ديكتاتور، ويصعب رأب الصدع بين البلدين، وأضاف: “قبل أي تعاون على صعيد الطاقة بين البلدين، يجب أولاً بدء تطبيع العلاقات الدبلوماسية“.

_____________