Minbar Libya

توسع حضور القوى الدولية في المشهد الليبي، سواء عبر التدخل العسكري المباشر، أو من خلال دعم طرف على حساب طرف آخر، دبلوماسيًا أو عسكريًّا، ليصبح البلد العربي المُثقل بآثار الحرب الدائرة لخمس سنوات وقبلها 30 عامًا من حُكم القذافي، ميدانًا للنزاع بين الخصوم الدوليين.

.الجزء الأول

الاهتمام غير المسبوق بليبيا من جانب كُل الفاعلين الدوليين تقف وراءه أهداف وأسباب متباينة، تُحدد موقف كل دولة من دعم أطراف الصراع في ليبيا، وهو ما يحاول التقرير التالي التعرف عليه عبر استكشاف أهداف ومكاسب أبرز الدول في هذا الصراع، والتي حددت بدورها طبيعة تدخلها.

تركيا.. 3 أهداف استراتيجية

أهداف عدة، تتنوع بين السياسة والاقتصاد، تسعى لتحقيقها تركيا التي دعمت – سياسيًا وعسكريًّا – حكومة الوفاق الليبية المُعترف بها دوليًا، لتقلب طاولة الصراع في الشهور الأخيرة.

يربط الكثيرون بين التدخل التركي في ليبيا ورغبة أنقرة في الاستحواذ على النفط، غير أن هذا الهدف يسبقه أهداف أخرى أكثر أهمية لأنقرة في سياستها الخارجية وحضورها النافذ في العديد من مناطق النزاع في الشرق الأوسط.

أولًا، تأتي الرغبة التركية في وجود موطأ قدم لها في شمال أفريقيا في ظل مواجهة نفوذ خصومها، فالهدف من توسعات أنقرة خارجيًا، ومنها التدخل في ليبيا والدول الأفريقية، ليس كما يروج خصوم أردوغان أو هو نفسه محليًا على أنه أجندة «عثمانية جديدة»؛ بقدر ما هي محاولة لمواجهة خصومه في صراع النفوذ داخل هذه المنطقة.

يتفق ذلك مع تحليل نشرته وكالة «الأناضول» التركية الحكومية، أشار لحرص أنقرة على الوجود في ليبيا لمواجهة الدول التي تهدف لمنع «أي محاولة تواجد تركية في جميع مناطق الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا».

ثانيًا، تسعى تركيا لتوظيف ملف المهاجرين في علاقتها مع أوروبا، وهو القضية ذاتها التي قد تنجح أنقرة في السيطرة عليها حال التحكم بشكل كامل في المشهد الليبي، وتوظيفها باعتبارها أحد أوراق التفوق التركي في العلاقة مع أوروبا.

يتقاطع ذلك مع أولوية سياسة تركيا الخارجية، وهي النجاح في تأسيس علاقة مستقرة مع أوروبا عبر أوراق نفوذ مختلفة.

تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن هذه النقطة في مقال منشور له بمجلة «بوليتيكو» الأمريكية، وقال: «أوروبا ستواجه مجموعة جديدة من المشاكل والتهديدات إذا سقطت الحكومة الشرعية في ليبيا».

ووجه أردوغان في المقال رسالة لقادة أوروبا: «يمكن لأوروبا أن تعتمد على تركيا – باعتبارها صديقًا قديمًا وحليفًا مخلصًا – لوقف العنف وعودة الاستقرار في ليبيا».

ثالثًا، تحاول تركيا مواجهة التحالف القائم في شرق المتوسط بين مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، وهو ما يتضح من كون بداية التدخل التركي في الملف الليبي شمل توقيع مذكرة تفاهم مع فايز السراج ممثلًا عن حكومة الوفاق والدولة الليبية، في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي.

هذه المذكرة كانت معنية بالأساس بالسيادة على المناطق البحرية في البحر الأبيض المتوسط، وتقسيم الحدود المائية، لمواجهة الاتفاق القائم بين مصر وقبرص اللذين وقعتا اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية بينهما في عام 2013، وهو الاتفاق الذي بادرت في إثره الدولتان، إضافة إلى إسرائيل واليونان، بعمليات التنقيب عن الغاز والنفط على مساحات واسعة شرق المتوسط.

نجح أردوغان في توظيف شرعية وصلاحيات الحكومة المعترف بها دوليًا في عقد هذا الاتفاق، ليكون قائمًا لا يناله أي تغيير حال حدوث أي تحول سياسي؛ إذ تنص الفقرة (2ح) من المادة (8) من اتفاق الصخيرات المغربية لعام 2015، على أن من مهمات المجلس الرئاسي «عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب»، في حين تنص الفقرة (8) من المادة (9) على أن من مهمات مجلس وزراء حكومة الوفاق «التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية».

الإمارات.. دعم حفتر يفوق المكاسب الاقتصادية

يأتي الدعم الإماراتي للمشير خليفة حفتر، ضمن استراتيجية ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في بناء دولة تواجه حركات الإسلام السياسي في العالم العربي.

لذلك، شرعت أبوظبي في تأسيس قاعدة جوية سرية في نهاية سنة 2016، في شرق ليبيا، تنطلق منها الطائرات لقصف أعداء حفتر في بنغازي، ودعمت قوات الجنرال العسكري بأسلحة حديثة وتمويل ضخم.

يؤكد ولي عهد أبوظبي دومًا في أحاديثه مع الدبلوماسيين الأمريكيين، أن مختلف ألوان الطيف الإسلامي تتشارك في نفس الهدف، وهو إرساء خلافة يقوم فيها القرآن مقام الدستور؛ ولهذا يرى أن لبلاده دورًا رئيسيًّا في دعم أي جماعة سياسية تعادي التيارات الإسلامية كحال خليفة حفتر في ليبيا.

وبحسب دبلوماسية أمريكية مُقربة من ابن زايد، فالأخير يحاول من تدخله في ليبيا «تفرقة الأحزاب التي لا يحبها، لكن سيفهم في النهاية أنه لا يمكنهم التصرف هكذا».

رغم أن أبوظبي ترى أن استثمارها الأيديولوجي في حفتر يفوق أي اعتبارات اقتصادية مستقبلية، وأن الجانب الاقتصادي لا يُشكل هدفًا أولًا للتدخل الإماراتي، إلا أن الدعم الإماراتي لحفتر يأتي أيضًا ضمن استراتيجية إماراتية ترمي إلى بناء مجموعة من المواني، حتى تُصبح جزءًا من مشروع «الحزام والطريق» الذي ستنجزه الصين؛ إذ تسعى أبوظبي للعب دور محوري في المشروع الصيني، وأن تصبح شريكًا لا غنى عنه في إنجاح هذه المبادرة.

وبحسب تحليل صادر عن مركز بحثي إيطالي متخصص في العلاقات الدولية، فاهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بالسيطرة على البنى التحتية للمواني في ليبيا (مثل بنغازي وطبرق)، يعد جزءًا أساسيًا من استراتيجية أبوظبي لتصبح الفاعل الإقليمي الرئيسي في التجارة البحرية، مع الاستفادة من الفرص المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق الصينية.

يدعم هذا الافتراض ما أعلنته أبوظبي، نهاية العام الماضي، عن افتتاح الصين أول مكتب إقليمي في منطقة الشرق الأوسط، بدبي، لمتابعة مشاريع مبادرة الحزام والطريق العملاقة.

كما تروج وسائل الإعلام الإماراتية لدور أبوظبي في المشروع الصيني. وبحسب تصريح سابق لسلطان المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي، فبلاده هي «البوابة المثالية لانطلاق طريق الحرير بالاتجاه نحو الغرب وأفريقيا».

أخيرًا، تعمل أبوظبي على توظيف نفوذها داخل ليبيا لتعزز تواجدها في أفريقيا، التي أسست له من خلال قواعدها ومد نفوذها في القرن الأفريقي، حيث توجد العديد من المصالح الجيوسياسية الإماراتية، والتي توسع اهتمام أبوظبي بها في السنوات الأخيرة.

فرنسا.. نفط وإعادة إعمار وخطط عسكرية

بدأ الدعم العسكري الفرنسي لحفتر «سرًا» في بنغازي، في وقت مُبكر من عام 2015، بما اعتبره البعض مخالفًا لقيم باريس الديمقراطية الليبرالية، ضمن استراتيجة موسعة لها في تطوير تحالفات عسكرية في أجزاء أخرى من أفريقيا لتأمين الساحل والمصالح الفرنسية بالقارة الأفريقية.

ويسود رأي داخل الدوائر الحكومية في باريس أن حلول الرجل القوي، في الدول التي توجد فيها مصالح فرنسية، هي السبيل الوحيد لمواجهة التشدد الإسلامي والهجرة الجماعية.

وشمل الدعم الفرنسي السري لحفتر أسلحة وتدريب ومده بمعلومات استخباراتية وبعض من القوات الخاصة، والتي كان شاهدًا عليها وفاة ثلاثة جنود فرنسيين سريين في حادث طائرة هليكوبتر في ليبيا عام 2016 كانت مشاركة مع قوات حفتر.

يأتي التدخل الفرنسي أيضًا تجاوبًا مع دعوة الإمارات لها لدعم حفتر، عقب انسحاب واشنطن من الشرق الأوسط، فأبوظبي هي حليف سياسي وعسكري لباريس، حاولت توظيف المصالح المشتركة الاقتصادية والأمنية لها مع باريس، التي تُقدر بمليارات الدولارات، لدفعها لدعم حفتر، ونجحت في هذا الأمر.

كما يرتبط بالنقطة السابقة ميل فرنسا للتحالف القائم بين الإمارات والسعودية ومصر، على حساب التحالف القطري التركي، إذ تتعاظم مصالحه مع التحالف الأول.

كانت فرنسا قد أعلنت بعد سقوط القذافي أنه من «المنصف والمنطقي» أن تستفيد الشركات الفرنسية من كعكة النفط الليبية، بعد قيادتها للتحالف الذي أسقط الرئيس السابق.

ولطالما كان العامل الاقتصادي أحد دوافع الانخراط الفرنسي في الصراع الليبي منذ بدايته، وتطمع فرنسا بشكل أساسي في عقود النفط وإعادة الإعمار، وكان ذلك سبب تبنيها سياسة قائمة على الدعم العسكري والسياسي لقوات حفتر سرًا، والحرص في الوقت ذاته على التواصل مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط التي تقع في طرابلس، والتي تحمل الصفة الرسمية في عملية بيع النفط وإبرام الاتفاقيات.

تسيطر قوات الجنرال العسكري على معظم حقول ومنشآت النفط في ليبيا، بما فيها حوض سرت الذي يمثل نحو ثلثي الإنتاج الليبي من النفط.

ويستقر إنتاج النفط الليبي عند نحو 1.25 مليون برميل يوميًا، فيما يمثل الإنتاج الليبي نحو 2.5 بالمئة أي 55 الف برميل من إجمالي إنتاج «توتال» الفرنسية.

وحصدت باريس ثمار تواصلها سياسيًا مع المؤسسة الليبية، في الشهور الأخيرة، إذ وافقت المؤسسة، في ديسمبر العام الماضي، على شراء «توتال» الفرنسية حصة «ماراثون أويل» في امتيازات الواحة بليبيا.

______________