Minbar Libya

توسع حضور القوى الدولية في المشهد الليبي، سواء عبر التدخل العسكري المباشر، أو من خلال دعم طرف على حساب طرف آخر، دبلوماسيًا أو عسكريًّا، ليصبح البلد العربي المُثقل بآثار الحرب الدائرة لخمس سنوات وقبلها 30 عامًا من حُكم القذافي، ميدانًا للنزاع بين الخصوم الدوليين.

الجزء الثاني

إيطاليا.. المستعمر السابق وأكبر مستثمر في قطاع الطاقة

ليبيا، بالنسبة لروما، هي المُستعمرة الإيطالية السابقة، التي تُعد محورًا مركزيًا لسياستها الخارجية منذ عقود طويلة في الشرق الأوسط، وأولوية قصوى لمصالحها الاستراتيجية؛

ولهذا كانت إيطاليا حاضرة منذ اندلاع الصراع سواء بإبرام اتفاقيات مع حكومة السراج، أو بقيادة العملية الأوروبية (إيريني) في البحر المتوسط لمراقبة إرسال الأسلحة إلى ليبيا.

كذلك تعد ليبيا المورد الرئيسي للغاز الطبيعي والنفط الخام بالنسبة لإيطاليا؛ كما تعد شركة «إيني» الإيطالية أكبر منتج أجنبي للمحروقات في ليبيا.

أمنيًّا، يأتي دعم إيطاليا للوفاق بناء على قناعة مسؤوليها بعجز حفتر عن كسب ولاء قيادات قبائل التبو والطوارق التي تهيمن على جنوب ليبيا أو الفصائل المحلية المتعددة في شمال غرب البلاد، حتى مع تقدم قواته عسكريًا، وذلك في ضوء دراسة وفهم إيطاليا للديناميكيات الاجتماعية المُعقدة في ليبيا.

يُشكل الملف الليبي أيضًا ورقة انتخابية مؤثرة في الداخل الإيطالي، إذ تحاول الحكومات المتعاقبة توظيفه سياسيًا، عبر الربط بين نفوذها في الداخل الليبي ومنع وصول مهاجرين لأراضيها، كما كان يكرر دومًا وزير الداخلية الإيطالي السابق المناهض للمهاجرين ماتيو سالفيني، في التجمعات وخطبه السياسية.

تعد ليبيا بوابة عبور المهاجرين لإيطاليا منذ عقود طويلة؛ إذ يسافر نحو 82 في المائة من المهاجرين إلى أوروبا عبر الممر البحري بين ليبيا وإيطاليا، بعدما أصبحت الأخيرة مقصدًا للكثير من المهاجرين من دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى الراغبين في الهرب إلى أوروبا.

كانت هذه القضية دافعًا رئيسيًا لروما في تعزيز صلاتها مع حكومة الوفاق الليبية، التي أثمرت عن توقيع اتفاقية بين الجانبين، ساعدت إيطاليا بموجبها السلطات البحرية الليبية على إيقاف الزوارق وإعادة الأشخاص إلى مراكز الحجز. كما عملت إيطاليا على تدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي وأجهزة أخرى لإبقاء المهاجرين داخل ليبيا.
وأثمر هذا التنسيق الدائم في نجاح حكومة الوفاق بالتنسيق مع القوات الإيطالية في ضبط نحو 40 ألف شخص وإعادتهم إلى ليبيا، منذ عام 2017.

مصر.. من وسيط محايد لدعم حفتر

كانت المحطات التي تنقلت خلالها مصر في تفاعلها مع الأزمة الليبية مرتبطة بأهداف مختلفة بنت عليها القاهرة سياستها.

المحطة الأولى للدور المصري، كانت الانخراط في الصراع من أجل الحفاظ على نفوذ القاهرة وتأمين حدود البلاد مستقبلًا في ظل أي سيناريو يحتمل حدوثه بجارتها الغربية، وكان تلك هي المهمة الرئيسية للقائمين على إدارة الملف برئاسة محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري آنذاك، دونسيطرة هاجس «الاستئصال الكامل للإسلاميين في ليبيا» على مصر في ذلك الوقت.

يتأكد ذلك من تأييد فصائل إسلامية في ليبيا أبرزها الإخوان المسلمون لجهود القاهرة في تسوية النزاعومضت القاهرة، من أجل هذه المهمة، في عقد مباحثات سياسية مع رؤساء دول كالجزائر وتونس، والتي أسفرت آنذاك عن عقد قمة ثلاثية بين الرؤساء الثلاثة.

بحسب دبلوماسي مصري تحدث لموقع «مدى مصر»، قبل ثلاث سنوات، كانت الغاية المصرية خلال تلك الفترة هي: «إعادة تثبيت القاهرة في موقع اللاعب العربي الأهم في ليبيا بعد طول غياب»، و«تغيير الصورة الذهنية المترسخة عن مصر بوصفها طرفًا غير محايد وعقبة أمام التسوية الليبية».

وفق هذه الاستراتيجية، دعت القاهرة السرّاج أكثر من مرة إلى زيارتها، رغم اعتراضات حفتر، وجرى التنسيق مع قادة دول الجزائر وتونس رغم الخلافات السياسية.

المحطة الثانية للدور المصري كانت إطلاق استراتيجية دعم مفتوح لحفتر، مدفوعًا برغبة إماراتية لتوحيد الدعم المادي والعسكري لقوات الجنرال العسكري، مقابل التخلي عن دور الوسيط الموثوق به من الجميع.

وبعد التدخل التركي في ليبيا عسكريًا، تبدلت أهداف مصر من اكتفائها بكونها محطة لدعم وتأييد حفتر، إلى محاولة بناء تحالف جديد على المستوى الإقليمي بشأن ليبيا، يواجه النفوذ التركي، من خلال تحالف سياسي جديد داخل ليبيا، يكون عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، أحد أركانه.

كان أبرز المؤشرات لهذا التحول المصري هو دعوة القاهرة، بداية العام الجاري، بعد يومٍ واحد من إرسال أردوغان معدات عسكرية لدعم قوات الوفاق، كلًا من إيطاليا، وفرنسا، وقبرص، واليونان، لبحث مسألة تشكيل تحالف دولي في الداخل الليبي.

لاهتمامات مصر في الداخل الليبي جانب اقتصادي أيضًا، يتمثل في إمكانية تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب يمتد من حقل ظهر إلى الحقول الليبية التي تديرها شركة إيني، وربط الحقول البحرية الليبية مع خط غاز بحري إلى إيطاليا، وهو ما يفسر تصعيد الخطاب المصري بعد اقتراب قوات حكومة الوفاق من مدينة سرت، المهمة في صناعة النفط الليبية.

روسيا.. الحنين لليبيا القذافي وتوسيع نفوذ موسكو

تدخل ليبيا ضمن دائرة اهتمام موسكو في سياق استراتيجية الكرملين لعودة النفوذ الروسي بشكل عام إلى الشرق الأوسط. وحظيت ليبيا بخصوصية كُبرى في الاستراتيجية الروسية، في ظل التحالف السابق لها مع القذافي، قبل أن ينحسر النفوذ الروسي عقب سقوطه بتدخل حلف شمال الأطلسي عسكريًا؛ لتفشل موسكو في حماية عقود بقيمة 10 مليارات دولار كانت قد وقّعتها مع نظام القذافي.

لهذا، تمسكت موسكو، عقب فشل المبادرات لتوحيد ليبيا، بالعودة من جديد بدور أكبر في الداخل الليبي؛ إذ رأت في الجنرال خليفة حفتر الشريك الذي يمكن التعويل عليه لتعزيز المصالح الروسية، لتدعمه بقوات وأسلحة رغم الحظر الدولي المفروض، وتعرض، في الوقت ذاته، نفسها وسيطًا يرعى المبادرات.

ويمثل الوجود العسكري في ليبيا فرصة لروسيا للحصول على قاعدة عسكرية قرب الساحل الليبي، مما يضمن تعزيز نفوذ روسيا في البحر الأبيض المتوسط، ويتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا والقواعد الأمريكية في صقلية.

أمام الدعم الروسي السياسي والعسكري لخليفة حفتر، ورقة روسيا النافذة في ليبيا، نجحت موسكو في تعزيز حضورها فاعلًا مؤثرًا ودوليًّا، وتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية. إذ سهل حفتر لموسكو الدخول في سوق الطاقة الليبية واستخدام مواني البحر المتوسط في طبرق ودرنة.

الجزائر وتونس.. الجارتان الوسيطتان بلا أطماع

تلعب الدولتان المجاورتان لحدود ليبيا الجنوبية، دور الوسيط في الأزمة الليبية، دون انخراط عبر الدعم العسكري لأي فصيل من أطراف الصراع، لكنهما يدعمان حكومة الوفاق الليبية سياسيًا. ونجحا مؤخرًا في فرض وجودهم باعتبارهما وسطاء، في ظل انتخاب رئيسين جديدين للبلدين، وتوطد صلاتهما سياسيًا.

وتتضائل المكاسب الاقتصادية لكلتا الدولتين من وراء الانخراط باعتبارهما وسطاء، إذ تنحصر الفائدة فقط في امتلاك شركة «سوناطراك» الجزائرية عقد امتياز ملء النفط قرب الحدود الجزائرية الليبية، لكن المكسب الأهم من وراء هذا الانخراط بالنسبة للرئيسين الجزائري والتونسي، هو تعزيز حضورهما، وتنشيط دبلوماسية بلديهما بعيدًا عن الركود الذي أصابهما في السنوات الماضية.

توجت هذه الجهود سريعًا، إذ تسابق وزراء خارجية دول مؤثرة في الداخل الليبي على زيارة الجزائر، والالتقاء بتبون أو مسؤوليه بحثًا عن تنسيق معهم، لتصبح الجزائر وتونس محطة مهمة ونافذة على الشأن الليبي، ورقمًا يصعب القفز عليه لتمرير مبادرة لتسوية النزاع دون حضورهما فيها بوصفهما رعاةً لها.

____________