Minbar Libya

بقلم عمر سمير خلف

التطورات الأخيرة للأزمة الليبية الممتدة منذ 2014 كشفت عدم قدرة الأطراف التي تدعمها مصر وحلفاؤها الإقليميون على الحسم عسكريا لنحو ست سنوات.

بالإضافة إلى عدم قناعة حلفاء مصر بالجلوس لمائدة الحوار والتوصل لاتفاقات وتنفيذها، ناهيك عن تدهور الأوضاع في غير صالح السياسة الخارجية المصرية بأهدافها الحالية التي ترفع راية الحرب على الإرهاب فقط.

الجزء الأول

بالنظر إلى محاولة مصر إطلاق إحدى مبادرات الحل بحضور طرف واحد فيما عرف بإعلان القاهرة في السادس من يونيو 2020 والتي تم رفضها في ذات اليوم من الطرف الآخر، يصبح علينا التساؤل حول مدى قدرة هذه التوجهات على خدمة الأهداف الاستراتيجية لأية سياسة خارجية مصرية تعمل لصالح المصريين؟

وعن مدى إمكانية تغيير هذه السياسة وأهدافها لنقاط توافق موضوعية يمكن الوقوف عندها لتحقيق تقدم سواء بضمان دور مصري ملموس في هذا الملف وبكلفة أقل ويخدم مصالح المصريين الاقتصادية بمؤشرات العمالة والاستثمار وإعادة الإعمار.

وكذلك الأبعاد الأمنية بضمان أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وبناء علاقات مستقرة مع ليبيا أيا كان من بالسلطة هناك، إلا أن ثمة تحديات ومعضلات يجب مناقشتها بجدية لمراجعة تلك السياسة نعرضها في النقاط التالية:

معضلات المقاربات والأهداف والتوجهات والأدوات

هناك معضلة رئيسية للسياسة المصرية هي أنها لا تنبني على أية دراسات أو مقاربات وتحليلات علمية وبحثية معمقة للوضع الليبي الذي تفتقد المؤسسات الرسمية والأكاديمية المصرية لمتخصصين حقيقيين فيه، بل تقديرات شخصية لباحثين مقربين من السلطة ويعمل أغلبهم في مراكز بحثية إماراتية ويخدمون تلك الرؤية الخاصة بالإمارات من دون إدراك الأبعاد الاقتصادية شديدة الأهمية للعلاقة بين مصر وليبيا وشبكة المصالح المختلفة التي تخلقها حالة الجوار والحالة الاقتصادية للبلدين.

بل هناك غياب للأخذ في الاعتبار الأهمية الاستراتيجية لليبيا سواء لأطراف أخرى أو لمصر باعتبارها كانت ويمكنها أن تعود لتمتص قدرا معتبرا من العمالة المصرية في الخارج تفوق نظيرتها في كثير من دول الخليج باستثناء السعودية.

يُغذي هذا أن القائمين على صناعة وتنفيذ السياسة الخارجية المصرية يُقَدَّر أن ليس من بينهم أي من المصريين في الخارج أو أبنائهم لأن هؤلاء ربما يستبعدون لأسباب اجتماعية وأمنية تمييزية أو لا يتقدمون من الأساس لهذه الوظائف السيادية المرتبطة بصنع السياسة الخارجية.

وذلك إيمانا منهم بأنهم مستبعدون لأسباب طبقية وأخرى تتعلق بفساد آليات التعيين بتلك المؤسسات، وهنا يغيب هذا البعد الاقتصادي الهام في مقابل طغيان البعد الأمني الهش وعدم إحراز تقدم فيه يتكافأ مع ما يحوزه من أهمية.

بل تشير بعض الدراسات أن أغلب الأحداث الإرهابية المنطلقة تجاه مصر حدثت في ظل سيطرة حفتر على الشرق الليبي وأن تدهورا كبيرا قد حصل في العلاقات المصرية الليبية بمؤشرات العمالة والتجارة والاستثمار.

وثمة معضلة أخرى لهذه السياسة أنها كانت تنبني على هدف وحيد مبني على تقديرات خاطئة وهو الحرب على الإرهاب، وفي بلد تعداده ستة ملايين ونصف في بنية قبلية ومدينية متباعدة أغلبهم محافظين دينيا واجتماعيا ولم يترك لهم النظام السابق دولة أو مؤسسات ويمتلكون قرابة 30 مليون قطعة سلاح وتتوزع كتائب ومجالس الثوار ولجان المدن على مدنه كافة لا يمكن للمرء أن يصف كل من يمتلك سلاحا بكونه إرهابيا أو منتم لمليشيا مسلحة.

بينما التحالف الذي يقوده حفتر يتمكن منه التيار السلفي المدخلي المغذي الرئيسي للإرهاب ولم يحقق تقدما في حرب على الإرهاب بل ويتركز تواجد تنظيم داعش وعملياته في مناطق سيطرته ويستغل مصر في صراع بحت على السلطة وبتحالف هش مع بقايا نظام القذافي وبعض الفيدراليين والشخصيات التي أفشلت المسار الليبي من أعضاء المؤتمر الوطني العام السابق.

ولم يكن يقتضي الأمر للسياسة المصرية أن تصف كل من لا يؤيد حفتر بأنه إرهابي وأن تشيع خطأ متعمدا أن تيار الإسلام السياسي يسيطر على السلطة في ليبيا لأن هذا أمر تشير التحليلات الموضوعية أنه لم يحدث>

بل لم يسيطر الإسلاميون هناك في أي من الاستحقاقات الانتخابية الخاصة بالمؤتمر الوطني العام والمجالس البلدية على أغلبية بسيطة حتى وإنما حلَّ ثالثا أو ثانيا على أقصى تقدير.

وبينما كانت فرنسا وإيطاليا على سبيل المثال تضعان نصب أعين صانعي سياستهما الخارجية التنافس على حصة في عملية استخراج النفط الليبي لشركاتهما كأولوية بالإضافة لأمن المتوسط وقضايا اللجوء والهجرة والتزاماتهما تجاه الناتو وعملياته السابقة في ليبيا كأولويات أمنية متأخرة.

وتركز تركيا على الاقتصاد والتجارة وتجربة أسلحتها المتطورة محلية الصنع، وتركز روسيا على دور عسكري واقتصادي وأمني معقد في جنوب وشرق المتوسط، فإن تركيز مصر على هدف وحيد والذهاب به بعيدا وصولا لحملات دعائية قوية في نوفمبر وديسمبر من العام 2019.

تصوير مصر بأنها تخوض حربا لتحرير ليبيا من العثمانيين والإرهاب رفع من سقف توقعات المصريين بتدخل عسكري حاسم ورفع من موجة عداء ليبية تجاه مصر والمصريين وأفقد أية وساطة مصرية سابقة ولاحقة مصداقيتها وحيادها وصعَّب من عملية التراجع عن هذه السياسة، ثم هوى بهذه التوقعات بعيدا جراء هزيمة حفتر وحلفائه في معارك الغرب الليبي طوال الشهرين الماضيين.

ولدى هذه السياسة مشكلة رئيسية أخرى تتعلق بالتردد والبطء والاكتفاء بدور الرديف وبترديد مقولات الحلفاء فمن ترديد عبارات بكائية على رأسها المقولة الروسية بأن “تدخل الناتو في ليبيا كان خطأ فادحا” وصولا إلى أننا “نحارب الإرهاب في ليبيا والمنطقة نيابة عن العالم”، بينما كانت الأطراف الأخرى تعيد تقييم سياساتها وتناور بين أطراف النزاع وتسير بخطى ثابتة باتجاه يخدم مصالحها.

وهذا التبرير الواهي للسياسة أدى لتردد وسوء تقدير فلم تتمكن مصر من إدارة تدخل جيد يسمح لها بحسم المعركة ولم تتراجع لتترك لنفسها مساحة كافية من الأطراف المختلفة للعب دور الوسيط.

لم تدعم مصر المسارات الدولية بالشكل الكافي مثل مسار اتفاق الصخيرات أو حتى مسارات باليرمو وموسكو وبرلين واكتفت بالإشادات العلنية بمخرجات تلك المسارات مع العمل باتجاهات مناقضة لها على الأرض وغير قادرة على تغيير مسار الأحداث.

والحقيقة أن جوهر هذه السياسة استفزاز ممولين إقليميين ودوليين لها، وإن كان هذا حقق بعضا من أهدافه التمويلية والتسليحية إلا أنه ترك المشكلة محل التعامل أكثر تعقيدا وأدى لمحصلة نهائية ليست في صالح مصر.

وعندما طرحت مبادرتها في 6 يونيو لم تكن تختلف عن ذات نصوص مبادرة عقيلة صالح التي أطلقها في أواخر أبريل 2020، وتتبنى فكرة الفيدراليين بالكامل وتقوم على المحاصصة المناطقية للمناصب السياسية.

عبر فكرة المجلس الرئاسي ونواب لرئيسه عن الأقاليم الثلاثة (برقة فزًانطرابلس) ونواب لرئيس الوزراء وتثبت حق وزير الوفاق في الترشح للرئاسة، وتتحدث عن اقتسام واضح للثروة والسلطة وهي نفس المقدمات التي اتبعت في السودان منذ اتفاق نيفاشا وقادت لانفصال الجنوب.

المبادرة تضع بنود إعلان القوات المسلحة في مكانة خاصة شبيهة بوضعها في مصر إذ تتخذ القرارات المتعلقة بها بالإجماع وبحضور وزير الدفاع. وهو إعلان لم يذكر حتى الطرف الآخر أو يسمه باسمه وإنما يتعامل معه كأنه غير موجود.

هل من إمكانية لمراجعة هذه السياسات؟

___________