Minbar Libya

المبارزة بين أردوغان وماكرون «تركيا وفرنسا» لم ولن تضع أوزارها بعد، حتى لو انطلقت صافرة الحكم معلنة انتهاء إحدى الجولات، وبالتالي فإن أي نقاط يحرزها أحدهما ضد خصمه ينبغي ألا يُنظَر إليها بمعزل عن السياق الأشمل.

.الجزء الأول

منذ كان ماكرون مرشحًا للرئاسة، وهو يضع عينيه على المتوسط وأفريقيا؛ إذ قال في مقابلة مع صحيفة «لوموند»، يوم 23 أبريل (نيسان) 2017: «عندما أنظر إلى أفريقيا، أرى قارة المستقبل، ولهذا السبب أريد أن أعقد شراكة طموحة بين فرنسا وأوروبا ومنطقة البحر المتوسط وأفريقيا، لتعزيز مصالحنا المشتركة في مجالات: المناخ، والتجارة، والعمالة، والإبداع، وأيضًا الأمن والاستقرار».

وبعد أيام قلائل من وصوله إلى قصر الإليزيه، اختار القارة الأفريقية، وتحديدًا دولة مالي، لتكون الوجهة لأولى جولاته خارج القارة الأوروبية، مصطحبًا معه وزير خارجيته، جان إيف لودريان، المعروف بعلاقاته القوية مع عدد من القادة الأفارقة؛

وكانت تلك رسالة واضحة على أن طموحات الرئيس الشاب ليست مجرد فرقعة انتخابية، ومن هنا يمكن أن نبدأ رسم الحكاية بين تركيا، وفرنسا في السنوات الأخيرة.

صدام الأفيال داخل متجر الخزف الأفريقيّ

حين حطّ ماكرون ورجاله برحالهم في أفريقيا، كانوا يجُرُّون وراءهم تاريخًا طويلًا وثقيلًا لبلادهم في القارة، ووجدوا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هناك منهمكًا في تعزيز دور تركيا الاقتصادي والعسكري، وتأليب الأفارقة على الماضي الاستعماري الفرنسيّ؛

فكان ذلك مؤشرًا مبكرًا على الصدام المرتقب بين ماكرون وأردوغان، الذي ستتسع رقعته خلال السنوات المقبلة لتشمل العديد من الساحات.

«تشبه الصين قبل 20 عامًا».. لهذا ستشهد أفريقيا مستقبلًا واعدًا

أردوغان ظل لسنوات يمُدُّ حبال الود بدأب مع دول أفريقيا، وكانت زيارته إلى الصومال في عام 2011 – حين كان رئيسًا للوزراء – ذات رونقٍ خاص باعتباره أول زعيم غير أفريقي يزور مقديشو منذ عقدين، وإن كادت طائرة الوفد المرافق لأردوغان تتحطم لدى هبوطها في مطار مقديشو بسبب اصطدام جناحها بأرضية المدرج.

ولم تتوقف الجهود التركية طيلة العقد التالي – مثلما لم تتحطم طائرة الوفد رفيع المستوى – وبعد هذه الزيارة بعشر سنوات، وتحديدًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، أصبحت جامبيا الدولة الأفريقية الـ28 التي يزورها الرئيس التركي.

يهدف أردوغان من خلال هذا الجهد إلى تحقيق أهداف عديدة، على رأسها البحث عن «أسواق بديلة لأخرى انهارت في الشرق الأوسط، مثل سوريا والعراق»، كما يلفت كريستيان براكيل، من مؤسسة «هاينريش بول» في إسطنبول، ناهيك عن ثروات النفط والغاز التي تتداعى عليها القوة الخارجية لتحوز نصيبًا منها.

وهذا قطعًا لم يكن ليناسب ماكرون، «المصرفيّ المتمرس في عالم الاستثمار وعقد الصفقات».

صحيحٌ أن في الدبلوماسية بديلًا رَحْبًا عن الصراع، لكن ماذا لو قرر أحد الأطراف، أو تواطأوا جميعًا على اختلاف دوافعهم، أن يتصرفوا كـ«فيلٍ ضخم داخل متجر خزَف»؟ على نحو ما حذرت الكاتبة الصحافية بارشين ينانش في صحيفة «حرييت» التركية عام 2018.

أما إذا قرر الأفيال تقاذف كرات اللهب حول جرار الخزف المليئة بالبارود، فلا غرابة حينها أن يحدث ما نراه الآن على الأرض في بقاع المنطقة الملتهبة.

ولنقيِّم أيهما سجَّل نقاطًا أكثر ضد غريمه بين أردوغان وماكرون «تركيا وفرنسا»، اللذين يتنافسان منذ سنوات في العديد من الملفات، سنبدأ من آخر محطات الصراع، ثم نستعرض مختلف ساحات المنافسة، والمناكفة السياسية منها، والعسكرية، وحتى الأيديولوجية والتاريخية.

المنافسة في ليبيا.. المعركة الأشرس بين تركيا وفرنسا

على كثرة ساحات المنافسة في أفريقيا بين تركيا وفرنسا، برزت ليبيا باعتبارها أشرس معركةٍ يخوضها ماكرون وأردوغان حتى الآن في القارة؛ إذ شنّ الرئيس الفرنسي هجومًا لاذعًا على تركيا مطلع العام الجاري قائلًا:

«شاهدنا في الأيام الأخيرة وصول سفن حربية تركية برفقة مرتزقة سوريين إلى الأراضي الليبية. هذا انتهاك واضح وخطير لما اتُّفِقَ عليه في برلين. إنه إخلاف للوعد… يمس ذلك بأمن جميع الأوروبيين وشعوب دول الساحل».

وكعادة مباريات المبارزة بين تركيا وفرنسا، رد المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، متهمًا فرنسا بأنها «هي الفاعل الرئيس المسؤول عن المشكلات في ليبيا منذ بدء الأزمة في 2011، وإذا كانت فرنسا تريد الإسهام في تنفيذ قرارات مؤتمر برلين؛ يتعين عليها وقف دعمها لحفتر… لم يعد سرًا أن فرنسا تقدم الدعم لحفتر لكي تكون صاحبة الكلمة في موارد ليبيا الطبيعية». 

وحين جدَّدت فرنسا انتقاداتها مؤخرًا لتركيا، أعاد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين الكُرَة إلى شباكها قائلًا: «ندعم الحكومة الشرعية في ليبيا بينما تدعم الحكومة الفرنسية زعيم حرب غير شرعي، وهي بالتالي تهدد أمن حلف شمال الأطلسي، والأمن في البحر المتوسط، والأمن في شمال أفريقيا، والاستقرار في ليبيا»،

وتابع «بالرغم من كل ذلك، يواصل (المسؤولون الفرنسيون) انتقادنا. لكننا نعمل مع الفاعلين الشرعيين وفرنسا هي من تعمل مع الفاعلين المُضِرِّين والمكونات غير الشرعية بينما توجه لنا أصبع الاتهام. هذا غير منطقي».

وتركيا إنما تحاول بهذا النهج أن تقلب اتهام فرنسا لها بتهديد سلامة أمن قوات تابعة لبلد عضو في الحلف الأطلسي، عندما اتهمت باريس سفن حرب تركية بمناورة عدائية ضد سفينة حربية فرنسية، حسبما ذكرت إذاعة مونت كارلو الدولية.

وفي هذا السياق، انتقد المتحدث التركي سياسة الكيل بمكيالين المتمثلة في «مراقبة الأسلحة التي تصل إلى حكومة الوفاق، بينما تغُضّ الطرف عن المساعدات والأسلحة التي تصل إلى قوات حفتر عبر البر والجو».

خلاصة هذه الجولة:

حين ترسو المنافسة على من يكسب في شاطئ الشرعية؛ يبدو أن أردوغان أرسخ قدمًا في مواجهة غريمه ماكرون، الذي يدعم حفتر سرًا وإن كانت فرنسا تتمسك علنًا بالحياد.

وإذا كان الرئيس الفرنسي يتهم نظيره التركي بأنه ديكتاتور ويبني الكثير من مسوغاته في مهاجمة النظام التركي وفي شرعيته الأخلاقية على أنه ليس ديمقراطيًا بما يكفي، فقد شق على ماكرون في الفترة الأخيرة تبرير دعمه للجنرال حفتر في ليبيا ودعمه بالسلاح.

التنسيق مع إيطاليا في ليبيا.. استغلال المنافسات الجيوسياسية مع باريس

في الواقع كانت ليبيا «ساحة خصبة للمنافسة» بين فرنسا وإيطاليا، حتى قبل صعود ماكرون إلى السلطة، فالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي هو الذي قاد التدخل العسكري في ليبيا، الذي اعتبره رئيس الحكومة الإيطالية الأسبق سيلفيو برلسكوني تهديدًا لمصالح إيطاليا الاقتصادية والسياسية في هذا البلد.

ولأن إيطاليا تدعم الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة ومقرها في طرابلس، ضد خليفة حفتر الذي تدعمه فرنسا، وجدتها أنقرة فرصة سانحة للتنسيق مع روما، التي «تهتم أكثر بمكانتهما الدولية والمحلية»، كما يقول الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط، يوخن هيبلر

وتعتبر إيطاليا ليبيا منطقة نفوذ جيوسياسي وإستراتيجي، لا يمكن أن تسمح لفرنسا أبدًا بدخوله، حتى وصفت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية التحرك الفرنسي في الأراضي الليبية بأنه «تهديد مباشر لأمن إيطاليا القومي، يجب إيقافه، والحد من تداعياته المستقبلية فورًا».

ولا يمكن أن تفوِّت تركيا فرصة كهذه، حتى أن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أعرب قبل أيامٍ عن امتنان بلاده لإيطاليا «لعدم دعمها للجنرال الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا، على العكس مما فعلت العديد من الدول الأخرى».

مؤكدًا قناعته «بأن إيطاليا ستدعمنا في ليبيا دائمًا»، ومتعهدًا في المقابل بأن «تواصل أنقرة التعاون مع روما من أجل إحلال سلام دائم في ليبيا».

وهذا التنسيق ليس مُستَغرَبًا، فقذائف حفتر حين تستهدف طرابلس، لا تفرِّق بين سفارة إيطاليا وتركيا؛ إذ سقط صاروخ جراد على مبنى المحكمة العليا المجاور للسفارة التركية مطلع الشهر الجاري، وسقط صاروخ آخر قرب وزارة الخارجية، فيما تعرضت المنطقة المحيطة بمقر إقامة السفير الإيطالي للقصف؛ مما أدى لسقوط قتيلين على الأقل؛ ما أثار إدانة الاتحاد الأوروبي

خلاصة هذه الجولة بين تركيا وفرنسا:

يبدو أن أردوغان استغل جيدًا الخلافات التاريخية بين خصمه وجاره القوي؛ واستطاع بناء شراكة قائمة على المصالح مع عضوٍ في الناتو «إيطاليا»، واستطاع التنسيق معها وكسبها في المنافسة الأهم مع خصمه «ماكرون» داخل الأراضي الليبية

مناوشات تحت مظلة الناتو.. هكذا يحاول أردوغان إعادة السهم إلى راميه

الحديث عن الناتو، يعيد للأذهان رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أواخر عام 2019 على وصف نظيره الفرنسي ماكرون لحلف الناتو بأنه «ميت دماغيًا»: «أتوجه من تركيا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسأكررها له في الحلف الأطلسي: عليك قبل أي شيء أن تفحص موتك الدماغي أنت نفسك».

لم تأبه أنقرة كثيرًا بغضب الرئاسة الفرنسية وقتها، حتى حين وجهت وزارة خارجيتها باستدعاء سفير تركيا في باريس لتفسير «إهانات» أردوغان، بينما لم يتعامل قصر الأليزيه بالحدَّة ذاتها مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حين وصف تصريحات ماكرون بأنها «مقرفة» و«إهانة كبيرة».

بعدها بأشهر، وقعت حادثت أحدثت شرخًا في جدار الناتو، على حد وصف موقع «إي يو أوبزرفر»، إذ قالت وزارة الدفاع الفرنسية: «بينما كانت الفرقاطة الفرنسية تسعى لتحديد هوية سفينة شحن يشتبه في أنها تنقل أسلحة إلى ليبيا، تدخلت الفرقاطات التركية وأضاءت ثلاث مرات برادار التحكم في إطلاق النار»، واصفة السلوك التركي بأنه مناورة «عدوانية للغاية» و«خطيرة جدًا».

كان واضحًا أن فرنسا تريد تصعيد الموقف إلى أبعد حد ممكن، فقال مسؤول بوزارة الدفاع الفرنسية: «لقد مررنا بلحظات معقدة في الحلف، لكن لا يمكن أن نكون نعامة، ونتظاهر بأنه لا مشكلة بخصوص تركيا في الحلف، يتعين علينا التعرف على المشكلة والإفصاح عنها والتعامل معها».

بل قالت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي: «لا يمكن التهاون مع هذا السلوك. ينبغي التعامل مع هذه الواقعة الخطيرة على نحو خاص، وحلفاؤنا يشاركوننا المخاوف»، مشيرة إلى أنها حظيت بدعم ثماني دول لفتح التحقيق.

وبالفعل أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرج، فتح تحقيق بشأن الحادثة «لاستيضاح ما حدث بشكل كامل»، لولا أن تركيا حوَّلت دفّة الاتهام إلى اتجاهٍ آخر؛ فقال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار: «عند التدقيق بالمعلومات والوثائق والتسجيلات في سفننا وقواعدنا العسكرية، تبين لنا تمامًا أنّ هذه الادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة».

وأشار أكار إلى أنّهم أطلعوا الدول الحلفاء والمسؤولين العسكريين والمدنيين في مقر الحلف على كافة الوثائق التي تؤكد صحة ما تقوله تركيا، بل ذكر أنّ أفراد القوات البحرية التركية أظهروا منذ البداية موقفًا بناءً ومتعاونًا، وزودوا السفينة الفرنسية – بناء على طلبهم – بالوقود.

يتبع في الجزء الثاني

_______________