Minbar Libya

اقترح الرئيس التونسي قيس سعيد أن تشرف القبائل الليبية على وضع دستور للبلاد، بينما عرض نظيره المصري تسليح قبائل شرق ليبيا، فهل تملك القبائل القدرة على والرغبة في تقديم حلول جذرية للصراع؟

قراءة في التاريخ الليبي الحديث ربما تقدم صورة أوضح.

مفاتيح الحرب والسلام

الحديث عن دور القبائل في الخروج من الصراع الدموي الحالي يستدعي قراءة سريعة في خريطة تلك القبائل ودورها في إدارة شؤون ليبيا كدولة ذات مؤسسات، وننطلق هنا من تصريح لافت لسيف القذافي في بداية اندلاع الثورة الشعبية ضد حكم والده، حين قال في خطاب مرتجل الوضع في ليبيا مختلف (عن تونس ومصر).. ليبيا قبائل وعشائر وليست دولة مدنية، ستتحول إلى مجموعة دول (…) الانفصال في ليبيا له جذور منذ أكثر من 70 سنة“.

ومن خلال السياق الذي قال فيه نجل القذافي ذلك الكلام، يتضح أن التلويح بورقة القبائل يمكن تشبيهه – مع الفارق – بالتهديد المبطن للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك أنا أو الفوضى، وهذا ما حدث في ليبيا حتى الآن، والفوضى في ليبيا تعني القبائل، وهذا ما أثبتته مسارات الأحداث حتى اليوم.

وعندما أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن إرسال الجيش المصري للحرب في ليبيا إذا ما دخلت قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا سرت وقاعدة الجفرة، جاء ذلك في وجود بعض شيوخ قبائل شرق ليبيا الذين قال لهم السيسي الجيش سيدخل وأنتم على رأسه“.

لكن هناك ما يشبه الإجماع على أن تهديد الرئيس المصري تهويشأكثر منه استعداد حقيقي لإقحام الجيش المصري في الساحة الليبيبة.

لكن ذلك لا يعني أن مصر لن تحرك ساكناً، فليبيا تمثل هاجساً رئيسياً للأمن القومي المصري، والأقرب أن البديل للتدخل المباشر في الصراع هو تسليح وتدريب شباب القبائل في الشرق الليبي، بحسب تقرير لموقع ذا ناشيونال إنتريست الأمريكي أمس الأحد 28 يونيو/حزيران بعنوان الملاذ الأخير يقترب: هل تتدخل مصر في ليبيا؟“.

القذافي وورقة القبائل

بنى القذافي نظام حكمه الذي امتد لأكثر من ثلاثة عقود على الدعم القبلي، وبالأخص قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها، والمنتشرة في مدينتي سرت (غرب) وسبها (جنوب)، وقبيلة المقارحة المنتشرة في براك الشاطئ (جنوب)، وقبيلة الورفلة، المنتشرة في مدينة بني وليد (غرب)، وتوصف بأنها أكبر قبائل الغرب الليبي.

وهذه القبائل الثلاث كانت الأكثر تسليحاً، وأبناؤها يتولون أرقى المناصب السياسية والعسكرية، قبل أن يتم تهميش قبيلة الورفلة بعد انقلاب فاشل في 1993، ودفع اعتماد القذافي على قبائل الغرب لتهميش قبائل برقة (شرق)، الأقل وفاءًوالأكثر معارضة وتمرداً على حكمه، وتجلى ذلك في نقل العاصمة من مدينة البيضاء (شرق) إلى طرابلس (غرب).

لا جيش ولا مؤسسات

هذه الطريقة التي اعتمدها القذافي أدت لإضعاف الجيش الليبي، خصوصاً بعد محاولة انقلاب 1993، وركز خلالها على تقوية الكتائب الأمنية، التي يقودها أبناؤه والمقربون منه من أبناء قبيلته وأيضاً من قبيلة المقارحة، كما جنّد الكثير من أبناء قبيلتي الزنتان وترهونة (غرب)، وهي الحقيقة التي أكد عليها سيف القذافي، عندما وصف ليبيا بأنها تقوم على حكم القبائل.

ولا يخفى على أحد أن سنوات حكم القذافي ومن قبله الملك السنوسي المعتمد على القبلية قد أدت أيضاً لعدم وجود مؤسسات حقيقية لها دور في تسيير شؤون الدولة، فالنظام القبلي يقوم على حكم الفرد ومن يفكر في معارضته يتعرض للقمع والتنكيل وربما القتل.

هل كان الأمر قبلياً طوال الوقت؟

لكن القول إن ليبيا دولة قبائل وليست دولة مدنية، فيه الكثير من التجني على الحقيقة، فمدن الساحل الليبي مثل طرابلس ومصراتة والزاوية وصبراتة (غرب) وبنغازي ودرنة (شرق) يغلب عليها الطابع المتمدن، وعاشت فيها أقوام وأجناس من نِحل مختلفة طيلة قرون وانصهرت فيما بينها، ولو بحثنا في جذور الصراع فإنه في أحد تجلياته نزاع خفي بين الحضر والبدو، أو بين سكان الساحل وسكان الجبل، بحسب تحليل لوكالة الأناضول.

وفيما يخص الصراع السياسي الحالي، نجد أن أغلب القبائل البدوية ساندت خليفة حفتر، وقبله القذافي، بينما وقفت أغلب مدن الساحل مع مشروع الدولة المدنية، خاصة في المنطقة الغربية، لكن النزعة القبلية متجذرة في الشرق أكثر منها في الغرب، بدليل أن أول جمهورية في ليبيا تشكلت في المنطقة الغربية (الجمهورية الطرابلسية) في 1918 بمدينة مسلاتة (100 كلم شرق طرابلس).

حفتر ولعبة القبائل

لا يعتبر حفتر نفسه زعيم قبيلة، ولكنه عسكري استعمل النزعة القبلية لتحقيق حلمه في حكم ليبيا، فنواة الميليشيات التي شكلها اعتمدت على بضع مئات من العسكريين، وتمكن حفتر عقب ذلك من ضمان دعم قبائل برقة، وعلى رأسهم: العبيدات والعواقير والمغاربة والبراغثة والبراعصة والحاسة والدرسة.

لكن كانت الأولوية دوماً للعسكريين النظاميين، فيما اعتبر حفتر مسلحي القبائل قوة مساندة، ولم يكن لهم الدور الحاسم في صناعة القرار، وعزز حفتر ميليشياته بكتائب القذافي الذين فروا إلى مصر، التي أوصته بالاستفادة من خبرتهم العسكرية وبدعم قبائلهم له، كما التحق به مسلحون متشددون دينياً موالون للتيار المدخلي المرتبط بالسعودية.

وفي الغرب الليبي، اعتمد حفتر على كتائب الزنتان، قبل أن يختار جناح منها التصالح مع مدينة مصراتة وتأييد حكومة الوفاق الوطني، التي تمخضت عن اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، وبالإضافة إلى القبائل العربية الأخرى في الجبل الغربي مثل الرجبان والصيعان والعربان، والقبائل الموالية لنظام القذافي على غرار ورشفانة والمقارحة ثم ترهونة.

على خطى القذافي

وعلى غرار القذافي، اعتمد حفتر على أبنائه خاصة صدام وخالد في قيادة أهم الكتائب تسليحاً، على غرار اللواء 106، وذلك لفقدانه الثقة في مقربيه وسعيه لتوريث حكم ليبياإلى أولاده من بعده، أما عون الفرجاني، ابن عم حفتر، فعينه معاوناً خاصاً له، وذراعه الأيمن، فحفتر ينتمي لقبيلة الفرجان، التي تستوطن مدينة سرت (غرب) ومنطقة الداوون شرق ترهونة (غرب)، لكنه من مواليد مدينة أجدابيا (شرق).

إلا أن قبيلة الفرجان منذ 2014، كانت في غالب الوقت تدعم الحكومات في طرابلس، إلى غاية هجوم ميليشيات حفتر في يناير/كانون الثاني 2020 على سرت، وهنا تغلبت النزعة القبلية للكتيبة 604، التي ينحدر أغلب عناصرها من الفرجان، رغم إيديولوجيتها المدخلية، وخانت الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية وانضمت إلى حفتر، وأصبحت تقاتل الآن في صفوفه.

مجلس النواب والانقلاب على الدولة المدنية

تمثل الأحزاب في العالم إحدى مظاهر الدولة المدنية وعبرها يتم التنافس سلمياً على الحكم، لكن في ليبيا بعد الثورة تمت شيطنة الأحزاب خاصة التي فازت في انتخابات المؤتمر الوطني العام (البرلمان التأسيسي) في 2012.

وعلى رأس هذه الأحزاب تحالف القوى اللبيرالية بقيادة محمود جبريل (يضم عدداً كبيراً من الأحزاب الصغيرة)، وحزب العدالة والبناء (محسوب على الإخوان المسلمين).

لكن في انتخابات مجلس النواب، التي أجريت في 25 يونيو/حزيران 2014، مُنعت الأحزاب من المشاركة في الانتخابات، مما خلق برلماناً مشوهاً سيطر عليه نواب مدعومون من قبائلهم خاصة في إقليم برقة بينهم الفيدراليون (يميلون لفصل برقة عن ليبيا).

وانتخب النواب زعيماً قبلياً على رأس البرلمان بحكم السن، قبل أن ينفرد بقرارات مجلس النواب ويُسيِّره كما القبيلة، دون نقاش أو تصويت أو احترام للنصاب القانوني لأي اجتماع، مما أدى إلى انفضاض أغلب النواب من حوله واجتماعهم في طرابلس.

وتتجلى النزعة القبلية والجهوية لعقيلة صالح، رئيس مجلس نواب طبرق، عندما قال في إحدى اجتماعاته مع أعيان قبيلة العبيدات التي يتزعمها: “أرغب في أن تحكم برقة ليبيا“.

وعندما حاول حفتر إزاحة صالح، من الواجهة، لم يلجأ الأخير إلى مجلس النواب أو إلى كتله البرلمانية، وإنما اجتمع مع أعيان قبائل برقة واحتمى بشبابها.

3 مدن هزمت قبائل حفتر

أقوى ثلاث مدن تصدت بكتائبها، لهجوم حفتر على العاصمة، وطردت ميليشياته من المنطقة الغربية، هي: مصراتة، والزاوية، وطرابلس، لكن اللواء أسامة الجويلي، أحد القادة العسكريين في مدينة الزنتان، نجح في حرمان حفتر من دعم أقوى قبيلة بالجبل الغربي، بعد أن سحب جزءاً من كتائب الزنتان للقتال إلى جانب الحكومة الشرعية.

فليست القبيلة التي انتصرت في المنطقة الغربية، إنما الحكومة المعترف بها دولياً، المشكلة من شخصيات تنتمي إلى مدن وقبائل مختلفة، وتضم رئيس أركان وثلاث قادة نواحي عسكرية، لا ينتمون إلى قبيلة واحدة أو تحالف قبلي، وهذا الجيش الليبي المدعوم من كتائب ثلاث أو أربع مدن كبيرة، هو النواة التي من خلالها يمكن حماية الدولة المدنية، من تغول قبائل متفلتة، أو أوليغارشية عسكرية أو مشروع ديكتاتورية مدمرة.

وإن كانت القبليّة متجذرة في المنطقة الشرقية بالخصوص، إلا أن الفاعلين على الأرض لا يخضعون بالضرورة لسلطة شيوخ القبائل، خاصة في المدن التي يتداخل فيها النسيج الاجتماعي للسكان.

وقد تلعب القبيلة دوراً في المصالحات بين العائلات والمدن، أو حماية بعض أبنائها المتمردين.. لكنها لا يمكنها أن تبني دولة حديثة، فالمملكة الليبية المتحدة التي أسسها الملك إدريس السنوسي بدعم من قبائل الشرق، لم تعش سوى أقل من 20 سنة (1951-1969)، واللعب بورقة القبائل لن يصنع نصراً، ولن يبني دولة آمنة ومستقرة.

_____________