Minbar Libya

 بقلم عمر سمير خلف

التطورات الأخيرة للأزمة الليبية الممتدة منذ 2014 كشفت عدم قدرة الأطراف التي تدعمها مصر وحلفاؤها الإقليميون على الحسم عسكريا لنحو ست سنوات.

بالإضافة إلى عدم قناعة حلفاء مصر بالجلوس لمائدة الحوار والتوصل لاتفاقات وتنفيذها، ناهيك عن تدهور الأوضاع في غير صالح السياسة الخارجية المصرية بأهدافها الحالية التي ترفع راية الحرب على الإرهاب فقط.

الجزء الثاني

إن عملية مراجعة السياسة الخارجية أمر بديهي في ظل تسارع وتيرة المتغيرات المحلية والدولية بل إن نظما مستقرة تراجع سياستها بشكل دوري وهي ليست علامة ضعف أو تراجع أو تدهور.

فيمكن للمرء أن يرى دولا عدة راجعت سياستها الخارجية المستقرة لسنوات مثل مراجعة الولايات المتحدة لسياستها تجاه الملف النووي الإيراني في عهد أوباما وإظهار مرونة أكبر أدت للتوصل لاتفاق نووي، ثم روجعت هذه السياسة وقادت هذه المراجعة لانسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني وهو أمر محل نقد ومراجعة من دوائر مختلفة لصنع السياسة الخارجية الأمريكية خاصة أنه يرسخ لسياسة حافة الهاوية غير مضمونة العواقب.

أيضا يمكن أن نرى ألمانيا وهي قوة أوروبية وعالمية عظمى أقرت مراجعة شاملة لسياستها الخارجية في العام 2014 تناولت موقفها من القضايا والأحداث في الشرق الأوسط ومن أزمات الديون الأوروبية ومواقفها من النظام الأمريكي وعلاقتها معه وكذلك صعود الصين وروسيا والعلاقات الأوروبية معهما والبحث عن آليات وسياسات جديدة للتعامل مع أزمات اللجوء والهجرة وآليات الأمن الجماعي الأوروبي…إلخ.

وهي تحرز تقدما في تدعيم دورها في أوروبا وقضايا الشرق الأوسط ومن بينها الأزمة الليبية إذ عززت وجود شركات تكرير وشحن النفط الألمانية في ليبيا في السنوات الأخيرة واستضافت مؤتمرا دوليا هاما بشأن الأزمة ببرلين في يناير 2020.

كما أن محاولات لعب دور الوسيط في الأزمة الليبية سواء عبر آلية دول الجوار أو حتى عبر رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي أو عبر المحاور التي حاولت القاهرة تشكيلها مع قبرص واليونان وفرنسا والإمارات وبتجاهل تام للطرف الروسي والتركي الفاعل وأطراف إقليمية مهمة كالسودان والجزائر وتونس، ورفض إيطالي ألماني لكافة التدخلات باعتبار استمرار الحرب يعيق عمليات إنتاج النفط.

كل هذه المحاولات فشلت كليا لأنها تنطلق من الانحياز التام لطرف رفض التوقيع على مسودة اتفاق وقف إطلاق النار الروسية التركية في يناير في اللحظات الأخيرة ورفض مخرجات برلين بعد أقل من أسبوع بعدها، ولعل هذا هو سبب الرفض المبدئي الأخير لحكومة الوفاق لإعلان القاهرة الذي ولد ميتا لأنه أعلن بحضور الطرف الذي تدعمه مصر وحده.

ويقتضى عدم إحراز تقدم نحو الهدف الأساس للسياسة الخارجية المصرية وهو الحرب على الإرهاب أو حتى مناوأة السياسات التركية مراجعة تلك السياسة لفشلها بل وتورط الأطراف التي تدعمها مصر في دعم توجهات سلفية مدخلية خطيرة في حال عدم سيطرة حكومة مركزية عليها.

وكذلك تكرار فشل وعدم تحقيق الأطراف المدعومة لأهدافها التي استجلبت الدعم وهي السيطرة على العاصمة طرابلس وكافة الأراضي الليبية، وتراجع العمالة والمصالح الاقتصادية المصرية في ليبيا عبر السنوات الست الماضية بل وإلقاء القبض على مجموعات من المصريين العاملين هناك واتهامهم بدعم الإرهاب لمساومة النظام وتحولها للتمركز في الشرق وحده بدلا من انتشارها السابق في كافة ربوع ليبيا.

كل ذلك يقتضي مراجعة شاملة لتلك السياسة باتجاه قراءة جديدة للمشهد وتوجهات وأهداف وأدوات جديدة وليس فقط تغيير في الخطاب أو محاولة إقناع الشركاء بتنسيق التدخل والتخلي عن التدخلات المنفردة.

تكلفة الفرصة البديلة وتضاعف خسائر مصر

في الوقت الذي ضاعفت فيه الدول المتدخلة كافة مصالحها الاقتصادية والعسكرية والأمنية في ليبيا فإن مصر الوحيدة التي خرجت خاسرة. فمنذ 2014 يتدهور حجم التجارة البينية المصرية الليبية والاستثمار المتبادل في تناقص شديد، وأيضا فإن العمالة المصرية في ليبيا تراجعت بشدة منذ ذلك الحين كما لم تعد ليبيا المنقسمة قادرة على إقراض مصر أو دعمها ماليا كما فعلت قبل عام واحد من اشتعال الأزمة إذ سبق وأقرضت مصر 2 مليار دولار في أوائل 2013.

إن التفكير في هذه المسألة بمنطق الفرص الاقتصادية والأمنية والسياسية البديلة يعطينا مؤشرات شديدة الأهمية على ما كان يمكن لمصر تحقيقه في حالة استكمال ليبيا مساراتها أو عدم تورط مصر في جانب الطرف الخاسر في هذه الأزمة.

فإذا نظرنا إلى ما حدث لأرقام العمالة المصرية بليبيا والتي قدرت بمليوني عامل قبيل ثورة فبراير فإنها تراجعت بشدة أثناء الثورة على نظام القذافي جراء البطء المصري الشديد في اتخاذ موقف من الأزمة الليبية في بداياتها ثم الإمعان في معاداة هذه الثورة واستضافة رموز نظام القذافي وحمايتهم من المحاسبة ورفض تسليمهم للحكومات الليبية المتعاقبة إبان حكم المجلس العسكري إذ انخفضت العمالة إلى ما بين 200-600 ألف في 2011.

ثم لم تلبث أن بدأت بالتزايد وصولا لما تقدره منظمة الهجرة الدولية ما بين 750 ألف ومليون ونصف عامل لتواجه بالأزمة السياسية الحادة والتي انقلبت لحروب مدن ممتدة منذ 2014 وكان التورط المصري فيها سببا في انهيار أعداد العمالة المصرية وتعرضها لحوادث اختطاف وقتل على أيدي تنظيمات متشددة في مناطق القتال.

انهارت تلك الأرقام إلى ما دون 750 ألف في العام 2015 وتواصل تراجعها مع تواصل موجات العداء والشعبوية الليبية المتأثرة بالتدخل المصري وتنامي موجة العداء للنظام السياسي وبالتبعية للمصريين رغم أنه لا تزال أعداد من المصريين تتسلل هربا إلى ليبيا من أوضاع اقتصادية صعبة في مصر.

وبهذا التدهور في أعداد تلك العمالة فإن مصر تفقد مصلحة استراتيجية هامة وتنخفض أهمية هذه العمالة في تبرير تدخلاتها.

وإذا افترضنا سيناريو استقرت فيه ليبيا واستكملت مسارها السياسي منذ 2014 أو دعمت مصر تطوراته نحو الحل وحسمته بالانحياز لاتفاق الصخيرات والترتيبات التي انبنت عليه قبل تفاقم التدخلات الدولية، فإننا نكون بصدد سوق عمل ليبي يعود أقوى مما كان عليه قبل 2011 .

إذ لا تزال لدي الحكومة الليبية احتياطات ضخمة في صناديق سيادية بالخارج تمكنها من البدء في عملية إعادة الإعمار والتي كان بإمكانها امتصاص ضعف العمالة المصرية ما قبل الثورة أي ما قد يصل لـ 3-4 ملايين عامل أي ما يزيد عن ضعف مجموع العمالة المصرية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان مجتمعين.

وإذا كانت مصر تتلقى قرابة 30 مليار دولار سنويا من تحويلات عمالتها التي تقارب 10 ملايين وفقا للبيانات الرسمية فإننا نكون بصدد تحويلات محتملة من ليبيا خسرتها مصر تزيد على 10 مليارات دولار سنويا تفوق بكثير ما تحصل عليه مصر من تحويلات وقروض ومنح من دولة الإمارات ويفوق ضعف رسوم العبور في قناة السويس.

لكن السياسة المصرية كانت تعمل في عكس هذا الاتجاه أو على الأقل أحدثت أثرا جانبيا يفوق الهدف من السياسة ومن ثم تراجعت مصر للمركز السادس بعدما كانت في المركز الرابع لتصدير العمالة للخارج عالميا.

كما أنه ولأسباب تتعلق بتلك السياسة بشكل رئيسي فإن مصر فقدت جزءا كبيرا من تجارتها مع ليبيا إذ تراجع حجم التبادل التجاري من 2.5 مليار دولار عام 2010، إلى نحو 500 مليون دولار في 2018، كما تشير بيانات التجارة أيضا للتراجع الشديد لمؤشرات الصادرات المصرية لليبيا إلى اقل من نصف ما كانت عليه في 2009 وحوالي ثلث ما وصلت إليه في 2012 و2013.

كما تراجعت الاستثمارات المصرية بليبيا لحدود 520 مليون دولار وتراجعت الاستثمارات الليبية بمؤشر عدد الشركات في مصر بنحو 25%. بينما يفترض أن ليبيا مقبلة على إعادة إعمار ويفترض لتلك الأرقام أن تتضاعف في سيناريوهات مغايرة.

في التحليل الأخير

لا بد من خطوط فاصلة بين العلاقات الاستراتيجية مع دول الخليج وبين علاقات مصر بدول أخرى وعلى رأسها دول جوارها، حتى لا نصبح إزاء فيتوهات خليجية جديدة على علاقات مصر بدول أخرى مثل ذلك الفيتو الخليجي التاريخي المشتبك مع توجهات سلفية وأمنية محلية والمرتبط بالعلاقات المصرية الإيرانية.

وذلك الفيتو هو الذي حرم مصر لعقود من سياحة إيرانية كبيرة ولم يحدث له اختراق من أي من النظم السابقة باستثناء محاولة لم تتم في العالم 2012 لفتح أبواب السياحة الإيرانية.

ما لم تتغير السياسة المصرية الحالية بشكل مدروس فإنها ستفقد مصر والمصريين فرص عمل بمئات الآلاف على أقل تقدير في ليبيا وستفقدها دورا محتملا في إعادة الإعمار في وقت يعاني منه الاقتصاد المصري والاقتصادات الخليجية المضيفة لعمالتها ، ويحتمل أن يعود ملايين من هؤلاء في ظل الإجراءات التقشفية الخليجية؛

وفي هذا الصدد فإن تغيير السياسة بشكل عاجل يمكن أن يجعل من ليبيا سوقا بديلا جيدا لتلك الوجهات الخليجية ولطالما كان هذا بديلا تاريخيا جيدا إبان حربي الخليج الأولى والثانية.

ينبغي للسياسة الخارجية المصرية أن تنبني على مناقشة سيناريوهات مختلفة والذهاب بها بعيدا عن ساحات المكايدات للوصول لتعريف دقيق لمصلحة المصريين في كل سياسة ولرؤية الصورة الكلية قبل اتخاذ أية سياسة محتملة وكذلك الانتباه لعملية تمثيل مصالح الجاليات المصرية الاقتصادية والاجتماعية بالبلدان محل السياسة.

ويمكن أن يحدث هذا بشكل معمق عبر إرسال باحثين وكتاب ورموز قبلية لاستجلاء الأوضاع وعدم الاعتماد بالكلية على معلومات وتقارير المصادر الحليفة بالداخل وهذا يقتضي التنسيق بين مراكز الفكر والرأي داخل الجامعات والمؤسسات المعنية، وعبر تنشيط الدبلوماسيين المعنيين بهذه الدول والاستماع لأصواتهم المختلفة بديلا عن ترهيبهم والتعامل معهم كموظفين إداريين وفقط.

لا شك أن هناك امكانية لهؤلاء بالتعاون مع باحثين موضوعيين أن يقدموا صورا أوضح عما يجري على الأرض وعما يجب اتخاذه من قرارات وسياسات في توقيتات مناسبة للتطورات المتسارعة.

فالسياسة المبنية على سيناريوهات يسهل تقييمها وتعديلها أو التراجع عنها كليا على عكس تلك المبنية على التوجهات الشخصية البحتة لشخوص صانعي السياسة.

___________