Minbar Libya

المبارزة بين أردوغان وماكرون «تركيا وفرنسا» لم ولن تضع أوزارها بعد، حتى لو انطلقت صافرة الحكم معلنة انتهاء إحدى الجولات، وبالتالي فإن أي نقاط يحرزها أحدهما ضد خصمه ينبغي ألا يُنظَر إليها بمعزل عن السياق الأشمل.

.الجزء الثاني

إغلاق محبس الأسلحة على تركيا

قبل دخول تركيا بثقلها إلى ليبيا، كانت الأزمة في سوريا هي الملف الأكثر تعقيدًا في العلاقات بين تركيا وفرنسا، إذ دانت فرنسا التوغل التركي في مناطق شرق الفرات، وأكد «ماكرون» ضرورة وقف عملية «نبع السلام» ضد وحدات حماية الشعب الكردية، ووصفها بـ«الجنون»، كما اعتبر عملية «غصن الزيتون» التي شنتها تركيا في منطقة عفرين السورية حيث الغالبية الكردية «غزوًا».

بل ذهب الرئيس الفرنسي إلى حد اتهام تركيا بالتعاون مع وكلاء تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، حين قال في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي: «عندما أنظر إلى تركيا أرى أنها الآن تقاتل ضد من قاتلوا معنا. وأحيانًا تعمل مع مقاتلين على صلة بـ(داعش)».

والملف الأكثر حساسية وإثارة للجدل في هذا الصدد بين تركيا وفرنسا هو: الأكراد؛ فبينما تعتبر تركيا «وحدات حماية الشعب الكردية» «جماعة إرهابية» بحسبها، تثمِّن فرنسا دورها في محاربة «تنظيم الدولة»، حتى أن ماكرون اجتمع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع المتحدثة باسم قوات سوريا الديمقراطية، جيهان أحمد، لتأكيد تضامن باريس مع القوات التي يقودها الأكراد في قتال تنظيم «داعش».

وماكرون يأخذ هذه الجولة من المبارزة مع تركيا على محمل الجد، إذ أعلن في مايو (أيار) الماضي أن باريس تعمل من «أجل وقف أوروبي جماعيّ لمبيعات الأسلحة لتركيا»، وأعرب عن تطلع بلاده إلى «موقف أوروبي موحد وحازم ضد الهجوم التركي في سوريا». 

صحيحٌ أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لم يتوصلوا إلى موقف موحَّد، لكن الحكومة الإسبانية انضمت مؤخرًا إلى ألمانيا، وفرنسا، وهولندا، وفنلندا، والنرويج، وجمهورية، التشيك في الحظر الذي يفرضونه على بيع الأسلحة إلى تركيا، ما يقوِّي موقف ماكرون

أمام ضربة ماكرون، ذهبت تركيا لتحويط رهاناتها بتحالفات بديلة، فتوجهت على سبيل المثال إلى روسيا لشراء منظومة الدفاع الجوي المتطورة S-400، مؤخرًا التزامها بتفعيل المنظومة؛ وهي الخطوة التي وصفتها قناة «سي إن بي سي» بأنها «تشكل خطرًا على أقوى تحالف عسكري في العالم»، وأدت إلى استبعادها من برنامج الطائرة المقاتلة «إف-35».

الانضمام للاتحاد الأوروبي.. القبلة تتجه للجنوب

لم يكن ماكرون الذي يسعى حثيثًا إلى «قصقصة ريش» أردوغان في ليبيا وسوريا، وما وراءهما، ليترك تركيا تنعم بعضوية الكتلة الأوروبية؛ فبعد عامٍ واحد من اعتلاء سُدَّة الرئاسة في فرنسا، قال ماكرون: «حان الوقت كي نضع حدًا للنفاق المتمثل في التظاهر بأن ثمة إمكانية لتحقيق تقدم في مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي».

الخلاف يتفاقم مع تركيا.. إلى أين ستصل علاقة فرنسا بالأكراد السوريين؟

في الواقع، كانت تركيا هي الأخرى قد «سئمت من المناشدة المتواصلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، حتى أن أردوغان اتهم التكتُّل بـ«الخداع وتضييع وقت أنقرة»، ولفت إلى أن غالبية الأتراك «لم يعودوا يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي».

وفي الواقع فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عليه، اتضح أن أردوغان قد تخلى تمامًا عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي، وبدأ السير في طريق مغاير.

حين بدأ الاتحاد مفاوضات العضوية رسميًا مع ألبانيا وشمال مقدونيا، في مارس (أذار) الماضي، باتت النوايا الأوروبية – وفي القلب منها خطط قصر الأليزيه – جليةً أكثر من أي وقتٍ مضى؛ ما دفع وزارة الخارجية التركية إلى إصدار بيان اتهمت فيه التكتُّل بـ«تسييس مسألة العضوية من أجل مصالح قومية قصيرة النظر».

وتركيا مرشحة للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 1953، لكن مفاوضات عضويتها لم تبدأ سوى في عام 1994 على أساس 35 فصلًا تفاوضيًا، لم يُفتَح منها في الواقع سوى 12 فصلًا حتى عام 2012.

ولطالما كان هذا الملف خاضعًا للمناكفات السياسية، حتى قبل ظهور ماكرون؛ ففي عام 2006 جمَّدت المفوضية الأوروبية جزئيًا المفاوضات مع تركيا، وأوقفت فتح ثمانية فصول للمفاوضات بسبب اعتراض قبرص.

وبعدها بـ10 سنوات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إذ بالبرلمان الأوروبي يُعَلِّق مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد؛ احتجاجًا على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة. ثم جاء ماكرون بعدها بعامين ليتلو نص نعي الحلم التركيّ علانيةً.

في مواجهة ضربات الاتحاد الأوروبي وفي القلب منه فرنسا، ذهب أردوغان للبحث عن بدائل وتحديدًا في الجنوب الإسلامي، فانضم – على سبيل المثال لا الحصر – إلى رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد في 26 يوليو (تموز) 2019 لإطلاق مبادرة وصفوها بأنها «للنهوض بالحضارة الإسلامية العظيمة، التي كانت موجودة يومًا ما، وذلك بالعمل المشترك بين ماليزيا وتركيا، وبالتعاون مع باكستان».

وقبلها بشهرين فقط استعرضت الدول الثلاث جدول أعمال إصلاح منظمة التعاون الإسلامي، وناقشوا سبل جعل المظلة الإسلامية أكثر فعالية، مستفيدين من خبرتهم في تأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية (D-8) التي ظهرت في 15 يونيو (حزيران) 1997، باقتراح من رئيس الوزراء التركي حينئذ، نجم الدين أربكان.

«ورقة الهجرة».. «كم عدد اللاجئين الذين استقبلتَهم في بلادك؟»

إلى جانب المناكفات الدبلوماسية والمناوشات العسكرية والحروب الأيديولوجية بين تركيا وفرنسا، يوجه ماكرون الاتهامات الأخلاقية لأردوغان، وأبرز السهام في تلك الجعبة هو: ملف المهاجرين الذي تتهم فرنسا أنقرة «باستخدامه كوسيلة للضغط على أوروبا»، على حد تعبير وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، الذي قال في مارس الماضي إن تركيا «تبتز» أوروبا باستخدام «ورقة اللاجئين والمهاجرين الموجودين بالفعل على أراضيها».

هذا الاتهام عززه ماكرون قبلها بـ«التضامن الكامل» مع اليونان وبلغاريا في مواجهة تدفق المهاجرين من تركيا، مؤكدًا استعداد بلاده «لتقديم مساعدة سريعة وحماية الحدود» في إطار «جهود أوروبية».

أمام هذا الاتهام، فضلت تركيا الهجوم باعتباره خير وسيلة للدفاع، فقال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو: «إذا كان هناك من ينبغي انتقاده فهو الاتحاد الأوروبي ودول مثل فرنسا التي تحاول التظاهر بأنها زعيمة الاتحاد».

وتوجه أوغلو إلى ماكرون بالسؤال: «كم عدد اللاجئين الذين استقبلتهم في بلادك؟ بدلا من ذلك أنت تستضيف باستمرار أعضاء تنظيم (ي ب ك/بي كا كا) في قصر الإليزيه»، داعيًا الاتحاد الأوروبي وفرنسا إلى الصدق والالتزام بتعهداتهما قبل توجيه أي كلمة إلى تركيا.

«حقوق الإنسان».. الملف المفضل لدى ماكرون

في قلب هذه الحروب الأيديولوجية والمناكفات الأخلاقية بين تركيا وفرنسا، تعتقد فرنسا أن ملف حقوق الإنسان يمثل «خاصرة رخوة» سهلة الطعن في المبارزة الدائرة مع تركيا على أكثر من صعيد.

ففيما يتعلق بالسجال بين تركيا وفرنسا، ينتقد ماكرون دائمًا النظام التركي، وسجله في ملف حقوق الإنسان، وملاحقة الصحافيين والأكاديميين والمفكرين، فضلًا عن سن القوانين التي تحد من حرية التعبير وتكرس السلطة في يد شخص واحد، ويعتبر أردوغان أن تركيا لا زالت تنتهك حقوق الإنسان الأساسية.

في المقابل ترد أنقرة بأن «آخر دولة يحق لها انتقاد تركيا في هذين القضيتين هي فرنسا ورئيسها ماكرون». لم ينهمك صانع الخطاب التركي في الرد على الاتهامات الفرنسية، بل ذكَّر بفضيحة بينالا، التي هزت قصر الإليزيه؛ بدءًا بفيديو يظهر ألكسندر بينالا، المستشار الأمني السابق للرئيس ماكرون، وهو يضرب متظاهرين في الشارع، مرورًا بالتسجيلات التي سربها موقع «ميديابارت»، وكذلك العقود المشبوهة التي وقعها مع مستثمر روسي مثير للجدل.

واستهجنت تركيا أيضًا الضغوط التي مارستها الاستخبارات الفرنسية على الصحفيين بخصوص صفقات السلاح الفرنسية إلى بعض الدول الخليجية، وخاطبت ماكرون مباشرة قائلًا: ما دمتَ متعاطفًا مع حرية التعبير والصحافة إلى هذا الحد، فلماذا لم يسمح للصحافيين بالدخول إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا أثناء كلمته؟». كما نددت تركيا بموقف الشرطة الفرنسية من السترات السفراء.

صحيح أن فرنسا تحتل بالطبع في المؤشرات الدولية مرتبة أعلى من تركيا في احترام الحريات الفردية والديمقراطية، لكن يبدو أن تركيا أيضًا تمتلك ما تستطيع الرد به على ماكرون في هذا الشأن في إطار الحرب اللسانية

حرب التاريخ.. تقاذف تهمة «الإبادة» من الأرمن إلى الجزائريين

في هذا الفصل من المبارزة بين تركيا وفرنسا، نعود إلى مناكفات ماكرون المبكرة لتركيا، منذ أيام حملته الانتخابية، التي تعهَّد خلالها بتخليد ذكرى «المذابح التي قام بها الأتراك خلال الحقبة العثمانية ضد الأرمن»، ونفّذ وعده بالفعل يوم 24 أبريل 2019.

الرئاسة التركية – على المنوال نفسه في المناكفات السابقة – ردت على لسان المتحدث إبراهيم كالين بالقول: إن ماكرون يواجه مشاكل داخلية في بلاده ويلجأ إلى «تحويل وقائع تاريخية إلى قضية سياسية لإنقاذ وضعه».

أما الرئيس التركي فوصف نظيره الفرنسي بأنه «مبتدئ» في السياسة، وذكّر فرنسا بـ«الإبادة» التي ارتكبتها في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، وبمشاركتها في الإبادة التي وقعت في رواندا.

«شرطي أوروبا الجديد».. هل يقبل بصعود الأتراك؟

ما زلنا مع السجالات الكلامية بين تركيا وفرنسا، ففي حوار مع مجلة ذي إيكونوميست البريطانية عام 2019، أعرب ماكرون عن استيائه من حملات تركيا الجيوسياسية في سوريا والشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وقال بالنص: «إن عودة ظهور القوى الاستبدادية، لا سيما تركيا وروسيا، وهما اللاعبان الرئيسان في سياسة الجوار، إلى جانب تداعيات الربيع العربي، تخلق نوعًا من الاضطراب».

سياسية واقتصادية وعسكرية.. ما هي مصالح فرنسا في ليبيا؟

لكن ليست هذه هي القضية الرئيسة في رأي الكاتب التركي بيرجان توتار، بل «الصعوبة التي تواجهها فرنسا في العثور على موطئ قدم لها في النظام العالمي الجديد، ولهذا تنتقد هي والاتحاد الأوروبي علاقات الولايات المتحدة مع تركيا وروسيا والصين وتعتبرها خلطة سامة».

وأضاف توتار: «طريق النجاة لا يمر عبر التهجم على تركيا. لم يعد العالم كما كان من قبل والزمن يدور دورته. ويتوجب على فرنسا تقبّل حقيقة أن تركيا واحدة من أهم الأقطاب في العالم الحديث، ولا خيار آخر أمامها. وإلا فإن الصدمة التي يعاني منها ماكرون ستتفاقم».

لكن بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تعد «فرنسا هي القوة العسكرية الرائدة في الكتلة، ومن المتوقّع أن تتصاعد في هذا الصدد»، حسبما يرجح سايمون شوفيلد، الزميل لدى مركز أبحاث الأمن الإنساني في لندن.

وبينما يتراجع التزام الولايات المتحدة بأوروبا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، والاتحاد الأوروبي، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه «ملزمًا بتوفير قيادة أكبر؛ ومن ثمّ فإن فرنسا كقوة عسكرية رائدة، سيُطلب منها أن تصبح شرطيًا في أوروبا»، على حد وصف شوفيلد.

المباراة مستمرة

المبارزة بين أردوغان وماكرون «تركيا وفرنسا» لم تضع أوزارها بعد، حتى لو انطلقت صافرة الحكم معلنة انتهاء إحدى الجولات، وبالتالي فإن أي نقاط يحرزها أحدهما ضد خصمه ينبغي ألا يُنظَر إليها بمعزل عن السياق الأشمل، مع الوضع في الاعتبار أن النقطة التي يحرزها أحدهما في ميدان الحرب الكلامية، لا تكافئ على الإطلاق النفوذ الذي يكتسبه في أرض المعركة، أو التحالف الذي يعقده مع دولة قوية.

وأن المناوشات الإجرائية في إطار المنظمات الدولية، مع ما يصحبها من صداعٍ مؤلم، يمكن تجاوزها بتحويط الرهانات وتنويع البدائل.

بمعنى آخر: ليس بالضرورة أن يكون الفوز هنا بين تركيا وفرنسا بعدد النقاط، بل رُبَّ ضربةٍ أقوى من 10، وأحيانا تكون الهزيمة في جولةٍ، نقطة انطلاقٍ قوية للفوز النهائي في المباراة.

___________