Minbar Libya

مع تعثر التوصل إلى تفاهمات سياسية بشأن الأزمة الليبية، تتجه الأوضاع على الأرض، خصوصاً في سرت والجفرة، إلى معركة كسر عظم بين قوات حكومة الوفاق ومليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفر، المدعومة من دول إقليمية ودولية مختلفة، إذ إن كل طرف يحشد قوات على هذا المحور.

وفي الوقت الذي كشفت فيه مصادر مصرية، لـالعربي الجديد، عن وجود تعليمات واضحة لسلاح الجو المصري باستهداف أية آليات تتقدم نحو سرت والجفرة، كان رئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح يقدم غطاء للقاهرة، عبر إشارته، في مقابلة مع قناة تلفزيونية مصرية، إلى أن بلاده ستحتاج إلى دعم القوات المسلحة المصرية في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة“.

وكشفت مصادر مصرية خاصة، لـالعربي الجديد، عن اجتماع جرى أخيراً بين المسؤول السياسي لما يعرف بجبهة النضال الوطني الليبية أحمد قذاف الدم ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، جرى خلاله التباحث بشأن الأوضاع في سرت، معقل قبيلة القذاذفة.

وقالت المصادر إن قذاف الدم تعهّد بتمويل عمليات جديدة لتجنيد مرتزقة للدفع بهم إلى سرت ومناطق الجنوب الليبي حيث معاقل إنتاج البترول“. وأوضحت أن الجانب المصري نسق مع قذاف الدم بشأن تمويل عمليات تجنيد مرتزقة يتبعون مليشيات سورية من اللاذقية، بتنسيق مصري روسي وتحت إشراف من شركة فاغنر الروسية“.

وأشارت إلى أنه تم اللجوء إلى عناصر مقاتلة مدربة، وشاركت في حرب شوارع قبل ذلك، حيث كانت المليشيات التي شاركت إلى جانب نظام (بشار) الأسد في سورية الأنسب، نظراً لمعرفتها الجيدة بطبيعة تلك المعارك، ومعظمها قاتل إلى جانب مجموعات فاغنر“.

وأوضحت المصادر أنه تم الاتفاق مع مسؤولي المليشيات على قيام عناصرها بتأمين المنشآت النفطية مقابل 1200 دولار للمقاتل شهرياً بعقود تمتد لأربعة أشهر فقط.
من جهتها، نقلت قناة الجزيرة، أمس الأحد، عن مصادر محلية من مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا إشارتها إلى وصول مرتزقة من السودان وتشاد إلى جنوب مدينة أجدابياشرق البلاد، موضحة أن قيادة مليشيات حفتر سترسل هؤلاء المرتزقة إلى مدينة سرت ومحاورها الغربية.

وفي إطار التحشيد العسكري، نشرت الكتيبة 128 مشاةالتابعة لمليشيات حفتر، على صفحتها على فيسبوك، صوراً لمغادرة تشكيلات عسكرية مدينة بنغازي لتعزيز المجموعات المتواجدة في سرت وسط البلاد.

في هذه الأثناء، أكد المتحدث باسم قوات حكومة الوفاق محمد قنونو، مساء أول من أمس، أنه بات من الملح تحرير سرت والجفرة والحقول النفطية من سطوة مرتزقة فاغنر ومليشيات حفتر، سلماً أو حرباً“. وقال إن العصابات الإجرامية المحلية والمرتزقة الروس يحتلون المدينتين وحقول النفط“.

وأضاف: “نحمل المسؤولية لدول عربية وأجنبية دعمت المرتزقة وأسهمت في جلبهم وسهّلت دخولهم، وتحاول اليوم حمايتهم بجعل أماكن وجودهم في ليبيا خطوطاً حمراء“. وأكد أنه من غير المقبول الحديث عن وقف إطلاق النار، في الوقت الذي يحتل فيه المرتزقة الأجانب سرت والجفرة، ويسيطرون على حقول النفط، مصدر قوت الليبيين، بالتواطؤ مع المتمردين والانقلابيين في الداخل وأطراف خارجية باتت معلومة للجميع“.

واعتبر قنونو أن سرت أصبحت اليوم بؤرة تجمع للمرتزقة الأجانب التابعين لفاغنر من روسيا وسورية والعصابات الإجرامية المحلية المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية“. وأوضح أن تلك المجموعات جعلت، بعد طردها من العاصمة طرابلس ومدينة ترهونة، من سرت أكثر الأماكن خطورة على الأمن والسلم المجتمعي في ليبيا“.

في هذا الوقت يواصل عقيلة صالح تقديم غطاء لأي تدخل مصري مباشر في ليبيا. وأعلن، في مقابلة مع قناة مصرية، أن بلاده ستحتاج دعم القوات المسلحة المصرية في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة، وأن استجابة النواب الليبيين لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يمكن إغفالها“.

واعتبر أن موقف السيسي وتحذيره الأخير بشأن الصراع الدائر في ليبيا مشروع لحماية الأمن القومي المصري“. وكان السيسي اعتبر أخيراً أن مدينة سرت خط أحمر لا يمكن تجاوزها بالنسبة لقوات حكومة الوفاق.

وقالت مصادر مصرية، لـالعربي الجديد، إن الأجهزة المصرية المعنية تتابع الوضع والتحركات في سرت والجفرة ومحيطهما عبر تقارير يومية، مؤكدة أن هناك تعليمات واضحة لسلاح الجو المصري لاستهداف أية آليات تتقدم نحو المنطقتين“.

وعقب زيارة عدد من مشايخ قبائل المنطقة الشرقية الليبية للقاهرة أخيراً انتشرت صور للرئيس المصري في شوارع عدد من المناطق، معلقة على أعمدة الإنارة وبعض المباني، ومدون عليها مصر قلب العروبة، وهو ما أرجعته مصادر قبلية ليبية إلى اتفاق جرى مع المسؤولين المصريين بشأن تلك الخطوة.

من جهة ثانية، طالب عضو المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن الشاطر، في تغريدة، بتشكيل حكومة حرب، وذلك للضرورة العسكرية“. وقال الشاطر إن حرباً شديدة طويلة وقاسية يراها قادمة، وإن المجلس الرئاسي ثبت عجزه عن تقديم المفيد للبلاد وبسياساته الخاطئة أوصلنا لهذه الكوارث“.

وأضاف أن المطلوب عاجلاً حكومة حرب على مستوى عال من الحنكة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، وليبقَ (رئيس الحكومة فائز) السراج لغرض التوقيع فقط“. وفي تصريح لموقع عين ليبيا، قال الشاطر لا بد من وجود حكومة حرب تتعامل عسكرياً مع عدوان عسكري على الشرعية.

دخول مرتزقة فاغنر حقول النفط والسيطرة عليها هو احتلال صريح لليبيا لا ينبغي أن يُعالج سياسياً، فذلك يعني اعترافاً بالغزاة وحقهم في حصة من ثروات وسيادة الدولة الليبية، وهذا خطأ فادح وتفريط يرقى لمستوى الخيانة“.

من جهتها، أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز عن انزعاجها من تقارير تفيد بدخول مجموعات من المرتزقة إلى حقل الشرارة النفطي، جنوب غرب ليبيا، ومنشآت نفطية أخرى، ما ينذر بتحويلها إلى منطقة صراع.

وناقشت وليامز خلال لقائها مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج جهود البعثة الأممية في المسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية، واستئناف المسار السياسي، إضافة لمسألة الألغام التي زرعتها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في منازل المدنيين جنوب العاصمة طرابلس.

من جهة أخرى، ذكرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، أمس الأحد، أن الألغام المضادة للأفراد التي زرعت في أحياء جنوب طرابلس أسفرت عن أكثر من مائة قتيل وجريح، بينهم عدد كبير من المدنيين، وذلك منذ انتهاء المواجهات بداية يونيو/حزيران الحالي.

*****

مواجهة عسكرية حاسمة.. لهيب ليبيا يجر مصر وتركيا لـ الملاذ الأخير

الحرة / ترجمات

المشهد الحالي في ليبيا لم يعد ساحة حرب محلية بقدر ما هو ساحة مواجهة دولية، حيث يتحضر الجميع للقتال من أجل السيطرة على سرت والجفرة، وبالتالي منطقة الهلال النفطي في البلاد. اللاعب الجديد في هذه الحرب هو القاهرة والتي دخلت في صدامات غير مباشرة مع أنقرة.

الطرفان المصري والتركي لا يستبعدان الخيار العسكري للمواجهة، إلا أن تحليلا نشرته مجلة ناشونال إنترستالمتخصصة يرى أن هذا الخيار الصعب لن يطبق في الوقت الحالي.

وحتى اللحظة لم يوافق أو يلتزم أي من الطرفين بوقف إطلاق النار، أو حتى اتفاقية سلام لتقريب وجهات النظر ما بين حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها تركيا، وقوات خليفة حفتر التي تدعمها روسيا ومصر والإمارات أيضا.

موسكو رغم وقوفها خلف حفتر إلا أنها ستبقى تعمل على جبهات مختلفة، حيث ستستمر في إجراء محادثات مع المسؤولين الأتراك، وستدعم اقتراح وقف إطلاق النار الذي تدعمه القاهرة، وفي الوقت ذاته ستبحث عن إمكانية تأمين وجود قواعد عسكرية في البحر الأبيض المتوسط.

تحالف حكومة الوفاق بدعم أنقرة تستعد لاستعادة مدينة سرت والجفرة وسط البلاد إضافة إلى أربع مدن استراتيجية. وتبرز أهمية هذه المدن في أنها تضم الميناء الرئيسي في وسط ليبيا، كما سيتاح لتركيا تأمين مصالحها في البحر الأبيض المتوسط، وبالسيطرة على كامل منطقة الجفرة فإنها ستحيد نقطة الإمداد العسكرية التي يستخدمها حفتر وروسيا حيث القاعدة العسكرية الجوية في وسط الصحراء.

مصر اللاعب الأحدث في الحرب الليبية، حيث دعت القاهرة كلا من حكومة الوفاق وأنقرة إلى وقف إطلاق النار الذي يصعد من لهيب الحرب، وهو ما ردت عليه القاهرة بأن وقف إطلاق النار يرتبط بالعودة إلى شروط اتفاق 2015، وانسحاب حفتر من سرت والجفرة بالكامل.

الرد التركي أثار حفيظة مصر، ما دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى التأكيد بأن بلاده تتمتع بالشرعية الدولية للتدخل المباشر في تركيا، وهو أمر دعمته السعودية والإمارات. وقال السيسي إن مدينتي سرت والجفرة خط أحمروسيكون هناك أوامر للجيش المصري بالقيام بمهمات سواء من داخل حدود البلاد أو خارجها لضمان ذلك، وهو ما اعتبرته حكومة الوفاق الوطني إعلان حرب.

ويوضح تحليل مجلة ناشونال إنترست أن مصر أصبحت ترى في الوجود التركي تعارضا مع مصالحها، حيث ستتمكن أنقرة من استخدام القواعد الجوية والبحرية، ناهيك عن الطموحات بالسيطرة على ميناء ليبيا، وهو ما يمثل تهديدا لمصالح القاهرة ويسبب لها حالة من القلق.

وفي الوقت ذاته، فإن القاهرة تواجه تهديدات أخرى حيث هناك تحديات أمنية تتعلق بملء السد النهضة الإثيوبي الضخم الذي يهدد إمدادات المياه لمصر، ناهيك عن وجود تنظيم داعش في سيناء، وتحديات اقتصادية فرضتها أزمة فيروس كورونا، وجميع هذه التحديات تشير إلى أن خيار المواجهة العسكرية من قبل مصر في ليبيا سيكون الملاذ الأخير“.

ويقول التحليل إنه ورغم دعوة مصر إلى وقف إطلاق النار، إلا أن هذا لا يعني عدم تحركها على الإطلاق، فقد تستخدم استراتيجية أخرى بتوفير الدعم للميليشيات القبلية الليبية والتي أعلنت دعمها أصلا لموقف القاهرة.

تركيا في المقابل لن تقبل بوقف إطلاق النار وفق المقترح المصري، والذي ترى فيه دعما وإحياء لوجود حفتر، وأنها لن تخرج مقاتليها المدعومين منها خارج ليبيا، كما أن أنقرة تريد أن يكون لها اليد العليا في الصراع ببساطة. ولكن أنقرة قد تقبل بوقف إطلاق النار بوساطة روسية أو الأمم المتحدة، وهو ما يفسر معارضتها الاقتراح المصري في الشأن الليبي.

واضطرت قوات خليفة حفتر للانسحاب نحو معاقلها في جنوب البلاد وشرقها بعد إخفاق هجومها على طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني. وتتهم حكومة الوفاق والأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش قوات حفتر بأنها خلفت وراءها حقولا من الألغام في الضواحي الجنوبية للعاصمة.

وليبيا التي تسودها الفوضى منذ سقوط نظام القذافي في 2011، تملك احتياطات نفطية هي الأكبر في أفريقيا لكن النزاع الراهن بين الأطراف المتحاربة يعيق استثمار هذه الثروة.

___________