Minbar Libya

بقلم عمر كوش

من غير المرجّح أن يترجم الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تهديداته أخيرا بالتدخل في ليبيا، إلى عمليات عسكرية مباشرة لجيش بلاده في ليبيا، على الرغم من اعتباره مدينة سرت وقاعدة الجفرة العسكرية الليبيتين خطّاً أحمر، وتوسيعه أهداف الجيش المصري التي لم تعد محصورة في حماية حدود مصر وأمنها.

إنما في سرعة دعم استعادة الأمن والاستقرار على الساحة الليبية، مبرّراً ذلك باعتباره جزءاً من الأمن القومي المصري، وزاعماً أن أي تدخل مباشر من مصر في ليبيا باتت تتوفر له الشرعية الدولية، سواء للدفاع عن النفس أو بناء على السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة في ليبيا، في إشارة إلى البرلمان في مدينة طبرق.

ومعروف أن سرت تبعد كثيراً عن الحدود المصرية الليبية، ومعارك السيطرة عليها لا تشكل تهديداً مباشراً للأمن المصري، خصوصا أن السيسي لم تكن له الهواجس والحسابات نفسها عندما سيطرت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر عليها في يناير/ كانون الثاني الماضي، لكنها طرأت بعد أن تلقت هذه القوات هزائم عسكرية متتالية أخيرا، الأمر الذي يطرح تساؤلات عما وراء تهديدات السيسي وتوقيتها، والغاية منها، وما هي فرص تنفيذها وممكناته

تحمل تهديدات السيسي رسائل إلى الداخل الليبي، وإلى الأطراف الدولية المساندة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وخصوصا إلى تركيا التي تمكّنت من وضع قدم قوية لها في ليبيا

ويبدو أن رهانات الرئيس المصري تغيرت كثيراً، خصوصا بعد هزائم قوات حفتر أخيرا، وخسارتها كل مناطق الساحل الغربي، وصولاً إلى الحدود التونسية، إضافة إلى خسارتها قاعدة الوطية الجوّية، ومدينة ترهونة. ولذلك تحول موقفه حيال ليبيا، من تقديم مبادرة سياسية في بداية شهر يونيو/ حزيران الجاري، تقضي بوقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي، إلى التلويح بالتدخل العسكري المباشر.

وبالتالي فإن لهذا التغير أهدافاً، لا تنحصر في إمكانية التخلي عن حفتر لصالح زعاماتٍ أخرى، مثل رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، وزعامات قبلية تتمتع بنفوذ في مناطق منابع النفط وموانئه شرقي ليبيا، وتشمل مناطق الهلال النفطي التي تتوزع فيها مواقع لحقول النفط والغاز وموانئ تصديرها.

وتحمل تهديدات السيسي رسائل إلى الداخل الليبي، وإلى الأطراف الدولية المساندة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، وخصوصا إلى تركيا التي تمكّنت من وضع قدم قوية لها في ليبيا، وحققت تفاهماً مهما مع إيطاليا حيال الوضع في ليبيا خلال زيارة وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو،

أخيرا إلى تركيا، حيث تعتبر إيطاليا من أهم الفاعلين الدوليين في ليبيا، وتتمتع بنفوذ تاريخي مؤثر فيها، إضافة إلى أن مواقفها الرسمية باتت تتجه نحو حكومة الوفاق الشرعية.

يبدو أن رهانات الرئيس المصري تغيرت كثيراً، خصوصا بعد هزائم قوات حفتر أخيرا، وخسارتها كل مناطق الساحل الغربي

ويبدو أن الساسة الطليان لا يميلون إلى الموقف المصري والمحور المنخرط فيه، وفضلوا الابتعاد عن الموقف الفرنسي ومواقف الاتحاد الأوروبي حيال الملف الليبي، لصالح التفاهم مع الأتراك، خصوصا بعد نجاح تركيا في تغيير موازين القوى، وفشل الرهان على حفتر.

إضافة إلى أن ساسة طليانا وجّهوا انتقادات إلى الساسة الفرنسيين، على خلفية محاولاتهم توقيع اتفاقات غير معلنة مع حفتر، للحصول على امتيازات نفطية في ليبيا على حساب الشركات الإيطالية.

وترجع أسباب اعتبار السيسي مدينة سرت وقاعدة الجفرة خطاً أحمر إلى مصالح متشابكة في صراع النفوذ الدولي والإقليمي على ليبيا، والتي تفوح منها روائح النفط والغاز، حيث يعتبر حوض مدينة سرت من أكبر أحواض الغاز في البحر المتوسط، فضلاً عن أنها مفتاح السيطرة على الموانئ وحقول النفط العديدة التي تمحور حولها صراع الدول المتدخلة في الشأن الليبي.

ولكن أهمية سرت ليست في موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية فقط، بل في قربها (جنوبا) أيضاً من قاعدة القرضابية العسكرية المهمة، كما أن قاعدة الجفرة الجوية المهمة تقع شمالا، لذلك تتمتع هذه المدينة بأهمية كبيرة بالنسبة لمختلف الأطراف المتدخلة في ليبيا.

تلتقي خطوط السيسي الحمراء مع نظيرتها الروسية، حيث تخطّط موسكو لاتخاذ قاعدة الجفرة مرتكزاً لوجودها الدائم

وتلتقي خطوط السيسي الحمراء مع نظيرتها الروسية، حيث تخطّط موسكو لاتخاذ قاعدة الجفرة مرتكزاً لوجودها الدائم في مناطق شمال أفريقيا وجنوب البحر الأبيض المتوسط، وسبق أن انسحب مرتزقة فاغنر الروس إلى هذه القاعدة، ثم أرسلت موسكو إليها 14 طائرة من نوع ميغ 29 وسوخوي 24، بغية توطيد وجودها العسكري وتمكينه في ليبيا، حسب تقارير أميركية

أما تركيا فتشكل سرت أهمية بالنسبة لمصالحها التي تنص عليها مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها مع حكومة الوفاق في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وتقضي بتحديد مناطق الصلاحية البحرية بين البلدين.

ولذلك يريد السيسي من تهديداته إفشال هذه المذكرة وحرمان تركيا من الاستفادة منها، في مقابل استفادته من الغضب الفرنسي، والامتعاض الروسي حيال الدور التركي في ليبيا،

لكن هناك شكوكا في إمكانية قيام نظام السيسي بدور فاعل في ليبيا، نظراً لسوء أوضاعه الاقتصادية والسياسية وتدهورها، ولا تمكنه من القيام بأكثر من دعم محدود لجماعات مناهضة لحكومة الوفاق التي تريد إعادة السيطرة على سرت، كي تفتح الطريق أمامها للسيطرة على الموانئ النفطية ومناطق الهلال النفطي التي تمتلك أهمية اقتصادية، حيث تعتبر المصدر الرئيسي للنفط، وفيها موانئ تصديره، فضلاً عن أن للسيطرة عليها أهمية سياسية كبيرة لحكومة الوفاق.

ولا تصمد المبررات والحجج التي ساقها السياق لتبرير تهديداته بالتدخل العسكري في ليبيا، فالصراع في ليبيا وعليها لا يتعلق بالأمن المصري، ولا بأمن الشعب الليبي واستقرار بلاده، بل في النفوذ والمصالح الدولية والإقليمية.

ولذلك لن تصل رسائل السيسي إلى مبتغاها، ولن يُجدي الحديث عن استعراض القوة، وفي الوقت نفسه، الادعاء بالحصول على شرعية دولية للتدخل العسكري.

وبالتالي لن تحمل تهديدات السيسي جديدا، لأنه غير قادر على الدخول في صراع عسكري مباشر في ليبيا، ولن يتعدّى الأمر سوى محاولةٍ لشرعنة ما كان يقوم به النظام المصري من ضرباتٍ جوية، كالتي سبق وأن قام بها في ليبيا.

__________________