بقلم إسماعيل ياشا

حققت القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، المعترف بها دوليا، انتصارات متتالية في وقت قياسي بمناطق غربي ليبيا، ونجحت في طرد القوات والمرتزقة التي يقودها الجنرال الانقلابي خليفة حفتر من قاعدة الوطية ومدينة ترهونة وغيرهما.

إلا أن تقدمها توقف أمام مدينة سرت الاستراتيجية، في ظل حشد الطرفين قواتهما لمعركة مرتقبة في غاية الأهمية لمستقبل البلاد ووحدة ترابها.

رئيس الانقلاب المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال زيارته للوحدات المقاتلة للقوات الجوية في المنطقة الغربية العسكرية القريبة من الحدود المصرية الليبية، قال إن مدينتي سرت والجفرة في ليبيا خط أحمربالنسبة لمصر، مدَّعيا بأن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية باتت تتوفر له الشرعية الدولية“.

الكل يعرف أن تواجد القوات الخاصة الروسية في سرت هو سبب توقف قوات حكومة الوفاق الوطني ورباطها على مشارف المدينة، وليس تهديد السيسي، إلا أن قائد الانقلاب المصري نجح في لفت الأنظار بتلك التصريحات، وسجل لصالحه عدة نقاط، ولو مؤقتا، أولاها أنه تظاهر أمام جمهوره بأنه هو من يرسم الخطوط الحمراء في ليبيا، في محاولة لإشغال الرأي العام عن الحديث حول عجزه المشين وهزيمته المدوية في ملف سد النهضة.

قوات حكومة الوفاق الوطني تنتظر بالقرب من سرت الضوء الأخضر الذي سيأتي من طرابلس لانطلاق عملية تطهير المدينة.

ويؤكد آمر غرفة عمليات سرت والجفرة، العميد إبراهيم بيت المال، جاهزيتهم للتقدم باتجاه سرت في أي لحظة، ما يعني أن الكرة الآن في ملعب القيادة السياسية.

عملية تحرير مدينة سرت اكتسبت أهمية بالغة بعد تصريحات السيسي، بل وأصبحت ضرورية للحفاظ على وحدة البلاد، للتأكيد على أن ليبيا كلها، من شرقها إلى غربها، خط أحمرللمرتزقة والقوات الأجنبية الداعمة للجنرال الانقلابي.

وأيضا بأن دكتاتور مصر لا يحق له أن يرسم خطوطا حمراء داخل الأراضي الليبية؛ لأن التراجع عن تحرير سرت يعني الاستسلام لتهديد السيسي الطامع في النفط الليبي، والقبول بتقسيم ليبيا.

كما أنه قد يؤدي إلى استرجاع حفتر قواته ليكرر هجومه على العاصمة طرابلس بهدف إسقاط الحكومة وتأسيس نظام دكتاتوري على غرار النظام المصري.

حكومة الوفاق الوطني الليبية هي اليوم في موقف أقوى يمنحها فرصة لا تعوَّض للمضي قدما في طريق بسط سيطرتها على كامل التراب الليبي.

ومن المؤكد أن هذ الموقف القوي هو الذي دفع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى القول بأن فرنسا لا تدعم حفتر، ولم تدعم هجومه على طرابلس، مؤكدا رفض باريس العدوان على العاصمة الليبية.

وإن أحسنت حكومة الوفاق الوطني في استغلال موقفها القوي، فيمكن أن تطرد المرتزقة الروس وقوات حفتر من سرت وجميع أنحاء ليبيا.

تواجد القوات الروسية في ليبيا تحت مظلة شركة فاغنر للأمن، غير شرعي وفقا للقانون الدولي.

كما أن تعزيز روسيا نفوذها العسكري في ليبيا يقلق الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الناتو“. وكان أمين عام الحلف، ينس ستولتنبرغ، قد أعرب قبل أيام عن هذا القلق، قائلا إن إن حلف شمالي الأطلسي قلق من الوجود الروسي المتزايد في منطقة شرق المتوسط عموما وفي سوريا وليبيا على وجه الخصوص.

ويدور الحديث حاليا حول فرق عمل مشترك شكلتها أنقرة وواشنطن للتعامل مع الأزمة الليبية.

الاتحاد الأوروبي هو الآخر قلق من تعزيز روسيا نفوذها العسكري في منطقة قريبة من سواحله الجنوبية، وخائف من احتمال تحول ليبيا إلى سوريا ثانيةلتطرق موجات لاجئين جديدة أبواب القارة العجوز. ومن المؤكد أن استتباب الأمن والاستقرار في ليبيا سيكون لصالح الاتحاد الأوروبي.

تركيا ترى ضرورة تحرير سرت والجفرة من القوات والمرتزقة التي يقودها حفتر، ومستعدة لتقديم دعمها العسكري لحكومة الوفاق الوطني.

وفي هذا الإطار، قام قائد القوات البحرية التركية، الأدميرال عدنان أزبال، الثلاثاء، بزيارة العاصمة الليبية. ويرى بعض المحللين أن هذه الزيارة تشير إلى أن عملية تحرير سرت المرتقبة ستنطلق من البحر بمساندة السفن الحربية التركية، كما تشير إلى اقتراب انطلاق العملية.

تأخر عملية تحرير سرت في ظل تواجد القوات الروسية في المدينة أمر مفهوم، وتحتاج هذه العملية إلى استعداد شامل، نظرا لأهميتها.

وحين يأتي الوقت المناسب، فيجب أن تطلب حكومة الوفاق الوطني من القوات المرابطة على جبهة سرت أن تتحرك نحو المدينة، دون أن تتردد، كي لا تضيع فرصة سحق قوات حفتر ومرتزقته، لتواصل قوات الحكومة الشرعية طريقها حتى تبسط سيطرتها على كافة الأرضي الليبية.

****

سيناريوهات ليبية

بقلم بشير البكر

يبدو أن الوضع الراهن في مدينة سرت هو الذي سوف يتدخل، إلى حدٍّ كبيرٍ، في رسم مسار الوضع الليبي. ويراوح المراقبون بين عدة سيناريوهات متضاربة، حسب التطورات التي سوف تسفر عنها الأسابيع القليلة المقبلة.

السيناريو الأول، الحرب بين قوات حكومة الوفاق التي تدعمها تركيا وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي تمركزت في المدينة، بعد أن خسرت، في الشهرين الأخيرين، مدن الساحل الغربي، وقاعدة الوطية ومدينة ترهونة، وتساندها ميدانياً مليشيات من مرتزقة فاغنر الروسية ومرتزقة من السودان وسورية، بالإضافة إلى دعم جوي من الطيران الحربي الروسي والمصري والإماراتي.

السيناريو الثاني، أن تتفق الولايات المتحدة وروسيا على تسويةٍ سياسيةٍ تقدم فيها الأطراف كافة تنازلات.

وفي حين تبدو موسكو حاسمة لموقفها منذ زمن طويل إلى جانب حفتر، وتسانده عسكرياً وسياسياً، أكدت واشنطن في اجتماعات مع ممثلي حكومة الوفاق (وزير الداخلية) معارضتها جميع التدخلات الأجنبية في ليبيا، وضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، والعودة إلى مائدة المفاوضات الأمنية والسياسية التي تسهلها الأمم المتحدة.

السيناريو الثالث هو بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، من دون حرب أو سلم، إلى حين، بسبب خطورة خيار الحرب، وتعذّر الوصول إلى تسوية، بسبب إصرار المعسكر الداعم لحفتر على استبعاد حكومة الوفاق وما تمثله من أي حل ليبي.

وفي حين تبدو شروط طرفي النزاع عالية السقف، بدأت ترتفع الأصوات الدولية الداعية إلى وقف الحرب، مثل الولايات المتحدة، وبعض بلدان أوروبا كألمانيا وإيطاليا.

ومنذ وصلت قوات حكومة الوفاق إلى مشارف سرت قبل أسبوعين، فإن الاستعدادات والحشود العسكرية والضغوط السياسية لم تتوقف من معسكر خليفة حفتر المتمثل، في صورة أساسية، بروسيا، الإمارات، السعودية، فرنسا، ومصر. وشرعت الأخيرتان في إطلاق التصريحات.

وكان أبرزها تصريح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، اعتبار سرت والجفرة خطّاً أحمر أمام قوات الوفاق من جهة. ومن جهة ثانية، صعد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مواقف بلاده تجاه أنقرة، حين قال يوم الإثنين الماضي تركيا تمارس لعبة خطيرة في ليبيا، وتخرق جميع الالتزامات التي تعهدت بها في مؤتمر برلين“. مُضيفاً أن فرنسا لن تتسامح مع تدخل تركيا“.

وردّت وزارة الخارجية التركية، واعتبرت تصريحات ماكرون خسوفاً للعقل“. وحمّل المتحدث باسم الوزارة فرنسا مسؤولية كبيرة في جرّ ليبيا إلى الفوضى، عبر دعمها كيانات غير شرعية سنوات، وبالتالي فهي التي تلعب اللعبة الخطيرة في ليبيا“.

ولا يبشّر تبادل التصريحات النارية بين باريس وأنقرة إلى تبريد قريب للأجواء، في وقت تؤكّد التصريحات التي تصدر من أنقرة وموسكو سعيهما من أجل وقف إطلاق النار في ليبيا.

وإذا ما نجحت تركيا وروسيا في الاتفاق فإن القسم الأكبر من القضية الليبية يأخذ طريقه إلى الحل، لأن حكومة الوفاق لا تستطيع مواصلة الحرب من دون دعم تركيا المباشر، كما أنه لولا تدخل روسيا لكانت قوات حفتر خسرت سرت، وربما القسم الأكبر من الشرق، وهذا أمر ظهر بوضوح حينما تقدّمت قوات الوفاقنحو سرت.

وعلى أي حال، وقف النار المقبول من الوفاقهو على أساس اتفاق الصخيرات 2015، والذي يقضي بانسحاب حفتر من سرت والجفرة.

وفي حين يتابع العالم تطورات ليبيا بقلق بالغ، يظل أبغض السيناريوهات هو الذهاب نحو التقسيم.

وفي هذه الحالة، لن يقف الأمر عند انفصال الشرق عن الغرب، بل يمكن أن تتجزأ الدولة الليبية إلى ثلاثة أقاليم، برقة في الشرق، وفزان في الجنوب، وطرابلس في الغرب.

___________