Minbar Libya

بقلم محمود سمير الرنتيسي

تناقش هذه الورقة القراءة التركية لردود الأفعال المعارضة لدورها في ليبيا والتي هددت بعدم السماح لتركيا بمواصلة حضورها المتصاعد في ليبيا، خاصة بعد تحديد منطقة سرت/الجفرة خطًّا أحمر، ومدى جدية هذه المواقف من وجهة النظر التركية، وتقف الورقة على سيناريوهات مستقبل الدور التركي.

دخلت ليبيا في أعقاب الانتصارات التي حققتها حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا مؤخرًا مرحلة جديدة؛ حيث أدت هزيمة قوات الجنرال خليفة حفتر في طرابلس وخاصة خسارة الأخير لقاعدة الوطية الاستراتيجية ومدينة ترهونة.

ومن تم أدت إلى تمركز قوات حكومة الوفاق في محيط مدينة سرت من أجل السيطرة عليها، إلى انتهاء أزمة البقاءالتي كانت تهدد حكومة الوفاق منذ أبريل/نيسان 2019، وبشَّرت بالانتقال من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التأسيس“.

ولعل قدوم الوفد التركي الكبير ومن ثم الإيطالي والأميركي إلى طرابلس يشير إلى رغبة هذه الأطراف في التوصل لتفاهمات مع حكومة الوفاق، وفيما يمكن التوقف عند العديد من النقاط والملاحظات فيما يتعلق بالبعد الدولي للتطورات.

فإن الملاحظة التي تعتبر جوهرية في سياق هذه الورقة هي أن تركيا التي دعمت وحدها تقريبًا بشكل عملي حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تم التخلي عنها وتُركت لتواجه عدوان حفتر الذي حصل على دعم من أطراف عدة إقليمية ودوليةتبدو من أهم الرابحين في سياق معركة طرابلس.

وأن قرار حكومة الوفاق سيراعي وجهة النظر التركية في تحديد المسار سواء بالمغامرة في دعم التقدم العسكري المحدود أو التعامل بهدوء لتحقيق تسوية مقبولة.

تستعرض هذه الورقة القراءة التركية لردود الأفعال المعارضة لدورها في ليبيا والتي هددت بعدم السماح لتركيا بمواصلة دورها المتصاعد سواء من مصر أو فرنسا أو روسيا وخاصة بعد تحديد منطقة سرت/الجفرة خطًّا أحمر، ومدى جدية هذه المواقف من وجهة النظر التركية.

وتقف الورقة على سيناريوهات الدور التركي من خلال مسارات معركة سرت، وترى تقدم حكومة الوفاق نحوها أصبح أكثر تعقيدًا في ظل مراكمة القوة ووضع العراقيل من الأطراف المعارضة، وفي ظل الضعف الأوروبي والتردد الأميركي مما يشي باستمرار الوضع الحالي ما لم يتم التوصل لتوافق تركيروسي باعتبارهما أكثر طرفين خارجيين لديهما قدرة على تحديد مسار المرحلة القادمة.

ما يخشاه داعمو حفتر

يخشى داعمو حفتر من تحوُّل حكومة الوفاق من وضع دفاعي إلى وضع هجومي بعد هزيمة حليفهم في طرابلس ومحيطها وانسحاب قواته شرقًا، وبالرغم من استياء داعمي حفتر من أدائه فقد كان لديهم خشية واضحة (روسيا، فرنسا، مصر، الإمارات) من تلقيهم مزيدًا من الخسائر، ولذلك سعوا لإيقاف تقدم حكومة الوفاق نحو سرت، ولتثبيت الوضع الحالي على الأقل، وجرى فرض وقف إطلاق نار بشكل سريع قبل سيطرة حكومة الوفاق على سرت.

وقد أسهم في التحرك السريع للجهات الداعمة لحفتر ما تمثله سرت من أهمية لكافة الأطراف حيث إن سيطرة حكومة الوفاق عليها تفتح الطريق للسيطرة على الموانئ النفطية القريبة منها وتزيد من رغبتها في استعادة منطقة الهلال النفطي التي تمثل 60% من صادرات ليبيا النفطية.

بالإضافة إلى أن إرهاصات السيطرة عليها جعلت بعض القبائل تبدأ في التحول من تأييد حفتر إلى تأييد حكومة الوفاق. وسيجعل بقاء حفتر مسيطرًا عليها إمكانية تكرار هجماته على طرابلس حاضرة.

وتعتبر سرت التي تقع على البحر المتوسط، حسب بعض المصادر التركية، مهمة لفرنسا كنقطة تجميع مهمة للموارد (الذهب واليورانيوم) التي تحصل عليها فرنسا من مالي وتشاد والنيجر، فضلًا عن النفط الليبي، وهي أيضًا تصلح لإنشاء قاعدة بحرية على غرار قاعدة حميميم الجوية الروسية فضلًا عن أنها تقع شمال قاعدة الجفرة الجوية التي توجد فيها حاليًّا ميليشيات فاغنر التي انسحبت من محاور القتال في محيط طرابلس.

بالإضافة إلى 14 طائرة حربية روسية أرسلتها موسكو مؤخرًا، حسب الادعاءات الأميركية، ومن المرجح أن روسيا ترغب فيها كقاعدة دائمة لوجودها في شمال إفريقيا، أو على الأقل للحفاظ على موطئ قدم في ليبيا وعلى الجبهة الجنوبية لأوروبا (الناتو) الذي نشر درعًا صاروخية على حدود روسيا الغربية .

مبادرات وقف إطلاق النار

بدأت محاولات إنقاذ حفتر عبر الدعوة لوقف إطلاق النار، وترجمت مصر رغبة روسيا وفرنسا في إنقاذ حفتر من خلال إعلان القاهرةوالذي تضمن مقترحًا بوقف لإطلاق النار يبدأ من 8 يونيو/حزيران 2020 ودعوة للالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا والعمل على استكمال مسار أعمال اللجنة العسكرية 5+5 برعاية الأمم المتحدة.

وكذلك ضمان تمثيل عادل لأقاليم ليبيا الثلاث في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، وأيدت كل من روسيا وفرنسا والإمارات والسعودية والأردن، مباشرة، إعلان القاهرة، ولكن حكومة الوفاق لم تقبل بالمبادرة المصرية بادعاء أنها تضمنت مغالطات ولم تُشر من قريب أو بعيد للاتفاق السياسي“. كما أن الإعلان عنها بوجود حفتر فقط لم يكن من المتوقع معه القبول بها.

من جهتها، ساندت تركيا موقف حكومة الوفاق الرافض للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار واعتبرت أن المبادرة وُلدت ميتةوأنها محاولة غير موثوقة لكسب الوقت تهدف لإنقاذ حفتر الذي رفض توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في موسكو وبرلين.

وبالتالي لا مكان له في أي اتفاق مستقبلي، ومسار فردي لا حاجة له في ظل وجود مسارات عاملة مثل جهود الأمم المتحدة ومؤتمر برلين. وترى تركيا أن الوقف الدائم لإطلاق النار يجب أن يكون تحت مظلة الأمم المتحدة.

وبالطبع، لا يبدو الموقف التركي من المبادرة المصرية مستغربًا بالنظر للعلاقات المتدهورة بين البلدين، ولعل يوم إعلان المبادرة شهد ملاسنات بين البلدين حيث ردَّ الناطق باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، على ما قاله وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال اجتماع عبر الإنترنت، لوزراء خارجية المجموعة المصغرة لمكافحة تنظيم الدولة، وجاء فيه أن تركيا تجنِّد وتنقل آلاف الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا“. 

ومع ذلك، انفتحت تركيا على المباحثات مع روسيا، المنخرطة في الملف الليبي والتي لا تزال تحافظ على علاقة مع حكومة الوفاق، وكانت أنقرة وموسكو حاولتا التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في يناير/كانون الثاني 2020، لكن حفتر رفض التوقيع عليه.

وبعد التطورات الأخيرة وإعلان القاهرة كان من المقرر أن يصل وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان، يوم 14 يونيو/حزيران 2020، إلى أنقرة لنقاش الملف الليبي، ويبدو أنه كان من المتوقع في أنقرة أن تطرح موسكو شيئًا مختلفًا عن الذي عبَّرت عنه القاهرة، ولكن قبل وصول طائرة الوزراء الروس إلى الأجواء التركية جرى تأجيل الاجتماع.

ذلك لأن مساعد وزير الخارجية الروسي الذي قدم ضمن الوفد التحضيري الروسي قد قدَّم مقترحًا يدعم إعلان القاهرة، الذي أُعلن في 6 يونيو/حزيران 2020، وقد رفضت أنقرة المقترح بشكل قاطع، مما أدى إلى إلغاء الزيارة التي أصبحت بلا طائل في ظل الرفض التركي القاطع.

وأعاد الطرف التركي تذكير نظيره الروسي بموقف حفتر عندما رفض التوقيع على وقف إطلاق النار في موسكو وفي برلين، واتفاق الطرفين على استمرار المباحثات، ومع أن وزير الخارجية التركي أشار خلال مؤتمر مع نظيره الإيراني إلى أن هناك اختلافًا في الآراء مع روسيا ولكن لا توجد أزمة، وأن قرار تأجيل اللقاء اتُّخذ بشكل مشترك.

إلا أن عدم إتمام اللقاء بين الوزراء الروس والأتراك أشار إلى تزايد الخلاف وتعقيد المشهد ووصول المباحثات إلى نقطة انغلاق. مع عزم أطراف داخل حكومة الوفاق استمرار عملية بركان الغضبفي التوجه نحو مدينة سرت لبسط نفوذ الحكومة عليها وللسيطرة على قاعدة الجفرة الاستراتيجية لم تُخْفِ تركيا دعمها لهذا الخيار نظريًّا.

ولكن اعتبار روسيا بالتحديد لمدينة سرت خطًّا أحمر وإرسالها تعزيزات عسكرية وتحرك ميليشيات فاغنر بكثافة في سرت والجفرة كان عائقًا واضحًا أمام دعم تركيا لهذا الخيار عمليًّا.

وبينما تطور الموقف المصري من المطالبة بوقف إطلاق النار إلى التهديد بالتدخل المباشر وتسليح العشائر الليبية إلا أن العامل الروسي يعتبر أكثر حضورًا في قرار دخول حكومة الوفاق لسرت.

قراءة الموقف المصري

يبدو الموقف التركي الرسمي تجاه مصر عقلانيًّا من زاويتين:

الأولى: من خلال اعتبار مصر فاعلًا مهمًّا في معادلة ليبيا، وأن قلق مصر بشأن أمنها على الحدود مع ليبيا هو حق مشروع ومتفهَّم في أنقرة، لكن ذلك لا يمنع من الاعتقاد بخطأ سياسة مصر في دعم حفتر وأن عليها إدارة مصالحها مع حكومة الوفاق.

أما فيما يتعلق بتلويح مصر بالتدخل المباشر فبالرغم من وجود قناعة تركية بوجود عوائق حقيقية أمام تنفيذ مصر لهذه التهديدات (مثل تجربة مصر الأمنية في سيناء وموضوع سد النهضة والأوضاع الاقتصادية في مصر وغيرها) لم تستهن تركيا بموقف القاهرة وحرصت على عدم الانجرار لمربع تبادل التهديدات.

اعتبرت تركيا أن الخطوة المصرية جاءت بدعم وبضغط من الرياض وأبوظبي وباريس على القاهرة وأكثر تعبيرًا عن مواقف الأطراف الأخرى، مع سوْق عبارات تنزع فتيل التوتر من قبيل أن القاهرة يمكن أن تستفيد من الدور التركي في تحقيق الاستقرار في جارتها ليبيا وفي المكاسب البحرية التي تقدمها التوافقات مع تركيا بدلًا من التوافق مع اليونان.

وبشكل عام، لا تريد تركيا الدخول في مواجهة مع مصر فيما يتعلق بليبيا، ويطرح الأتراك أسئلة حول مصلحة مصر في المواجهة مع تركيا في قضية ليبيا؛ حيث إن الخيارات التي تدعمها تركيا في ليبيا لا تضر بمصر بل على العكس ستؤدي لاستقرار على حدود مصر، وستضيف مساحات أكبر لمصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط في حال توافق البلدان.

ولهذا، فالمرجح ألا تتجاوب أنقرة مع التهديدات المصرية، وستحاول احتواءها، ولن تنساق للمواجهة على الأرجح وبالنظر في الدوائر الأوسع فعلى المستوى الدولي سيكون الموقف الأميركي الذي تنسق تركيا خطواتها معه ضاغطًا على عدم تدخل مصر، وإقليميًّا، وبالنظر إلى التوازنات في شمال إفريقيا فإن تركيا مدركة أيضًا أن الجزائر لن تقبل بتدخل مصري في ليبيا وستغادر حياديتها وستدعم حكومة الوفاق بشكل قوي في حال تدخلت مصر.

ويمكن الاستدلال هنا أيضًا بما قاله حليف حزب العدالة والتنمية وزعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، الذي اجتمع مع أردوغان مؤخرًا؛ حيث علَّق على التصريحات المصرية:

أملُنا أن يمارس السيسي سياسة عقلانية ومسؤولة وحكيمة وأن يتجنب الاستفزاز والتلقين الأجنبي، وإذا حدث هذا سوف تكون التطورات باتجاه الاستقرار والسلام“.

وقد انتقد بهتشلي سياسة السعودية والإمارات بسبب وقوفهما مع حفتر ضد الحكومة الشرعية واصفًا حفتر بالإرهابي والانقلابي والقرصان، وأن تركيا ستستمر بالوفاء بتعهداتها في ليبيا وستبقى متيقظة لكل المؤامرات“.

يتبع في الجزء الثاني

***

محمود سمير الرنتيسي ـ باحث متخصص في الشأن التركي

_____________