Minbar Libya

بقلم محمود سمير الرنتيسي

تناقش هذه الورقة القراءة التركية لردود الأفعال المعارضة لدورها في ليبيا والتي هددت بعدم السماح لتركيا بمواصلة حضورها المتصاعد في ليبيا، خاصة بعد تحديد منطقة سرت/الجفرة خطًّا أحمر، ومدى جدية هذه المواقف من وجهة النظر التركية، وتقف الورقة على سيناريوهات مستقبل الدور التركي.

الجزء الثاني

تبلور الموقف الروسي

بالرغم من أن هزيمة حفتر تعد تقويضًا لطموحات روسيا في ليبيا فإن تركيا تعتبر أن روسيا لم تحرق الجسور مع حكومة الوفاق وأنها مستعدة للتعامل معها من حيث المبدأ، وستكون أكثر قربًا في حال حصلت على ضمانات لمصالحها، وأن موسكو بالأصل مستاءة من حفتر وعثراته السياسية، وقد انتقدت الخارجية الروسية إعلان حفتر لنفسه حاكمًا للبلاد، ولهذا، فإن أنقرة تحث طرابلس على تنفيس مخاوف موسكو على مصالحها في ليبيا من جهة وعلى إضعاف آمال موسكو في التعويل على حفتر من خلال رفض الجلوس معه.

ومع أن دولًا أخرى تحث روسيا على الوقوف وراء حفتر فإن أنقرة مدركة أن مشروع موسكو في ليبيا يتجاوز حفتر، وأن لديها رغبة في تكريس وجودها في ليبيا، وهي ربما الآن تبحث عن بديل لحفتر قبل أن تضطر للاعتماد على العلاقة مع حكومة الوفاق، وليس أدلَّ على ذلك من مواصلة روسيا نقل الدعم العسكري إلى سرت؛ فبعد التقارير الأميركية عن نقل 14 مقاتلة عسكرية روسية إلى قاعدة الجفرة في نهاية مايو/أيار 2020، أفادت مصادر ليبية برصد هبوط أكثر من 11 طائرة روسية تقل أسلحة ومرتزقة سوريين في مطار سرت غربي البلاد، صباح 26 يونيو/حزيران الجاري. كما وردت تقارير أخرى عن سيطرة ميليشيات فاغنر على حقل الشرارة النفطي.

تحاول أنقرة فتح الباب أمام موسكو لتحظى ببعض المكاسب سواء بمجال الطاقة أو غيره لكنها في الوقت ذاته تستقوي بالجبهة الغربية (واشنطن وبرلين..) على روسيا حيث تحاول أنقرة إقناع واشنطن والعواصم الأوروبية بالتدخل لعدم تكرار خطأ السياسة السلبية في سوريا في ليبيا والتي سمحت لروسيا بتكريس وجودها، وتراهن أنقرة في هذا السياق على كل من واشنطن وبرلين بالدرجة الأولى، ومع ذلك تصطدم أنقرة في هذا السياق بعدة عوائق وهي الموقف الفرنسي المناوئ لها، والضعف الأوروبي على الفعل، والتردد الأميركي.

ويبدو أن المقاربة المفضلة من تركيا تجاه روسيا في ليبيا هي حصول موسكو على مكاسب اقتصادية وفي مجال الطاقة ورفض تكريس وجودها العسكري عبر قواعد عسكرية. وليس واضحًا ما إذا كان سلوك موسكو حتى الآن يهدف إلى تحقيق مكاسب أكبر في المباحثات أم يهدف إلى وجود دائم في الساحل الإفريقي، مع ترجيح للخيار الأول، وبالطبع فإن أنقرة لا تستطيع أن تمنع الخيار الثاني وحدها. كما أن أنقرة متخوفة من لجوء موسكو لعمل صداع جديد لأنقرة في إدلب.

الموقف الفرنسي

كانت تركيا متحفظة على تدخل الناتو في ليبيا والذي كان مدفوعًا بجهد فرنسي في مارس/آذار 2011، ومنذ تأسيس حكومة الوفاق، في 2015، كان الموقف المعلن لفرنسا هو تأييد شرعية حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة لكن الموقف الحقيقي والفعلي كان هو دعم حفتر بشكل كبير مما جعل فرنسا وتركيا في جبهتين مختلفتين في ليبيا، ولا يقتصر الخلاف الفرنسي مع تركيا على الملف الليبي فهناك خلاف في وجهات النظر حول سوريا وقبرص وشرق المتوسط، والعلاقة مع حزب العمال وقضية الأرمن وملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، إلا أن فرنسا صعَّدت مؤخرًا من موقفها تجاه الدور التركي في ليبيا بشكل كبير، الذي تكرَّس بعد اتفاق أمني وبحري مع حكومة الوفاق والذي بدا أنه سيتحول إلى جني المزيد من المكاسب بعد إحباط هجوم حفتر على طرابلس كانت فرنسا تمني بها نفسها في حال نجح حفتر.

واعتبرت باريس تدخل أنقرة في ليبيا غير مقبول وأنها لن تسمح به، وبالتأكيد لم يكن التفاهم التركي/الإيطالي في ليبيا مريحًا لباريس، وقد عبَّر الرئيس الفرنسي بشكل واضح عن أن تركيا تمارس “لعبة خطيرة” في ليبيا تتعارض مع التزاماتها في برلين، فيما بدت فرنسا تناور بشكل أكثر نشاطًا مع مصر وتونس لمنع تركيا من التأثير على الأخيرة خصوصًا فيما يتعلق بالتطورات في ليبيا فقد ذهب ماكرون إلى التواصل مع كل من بوتين وترامب لتحجيم الدور التركي.

وفيما وراء الدبلوماسية، انتقل التوتر الفرنسي-التركي من التصريحات المتبادلة إلى المناوشات العملية حيث أعلنت فرنسا عن تعرض إحدى سفنها لعمل عدواني من زوارق بحرية تركية في سياق منع البحرية التركية لسفن فرنسية من تفتيش سفينة متجهة إلى الشواطئ الليبية، كما اعتقلت أنقرة خلال الأسابيع الأخيرة خلية تجسس مكونة من أربعة أشخاص أحدهم يعمل موظفًا في القنصلية الفرنسية بتهمة التجسس لصالح المخابرات الفرنسية، كما دعت باريس لاجتماعات لنقاش الدور التركي وعلاقة أنقرة مع الاتحاد الأوروبي في الناتو والاتحاد الأوروبي.

يهدد وجود تركيا الصاعد في ليبيا والمنطقة عبر تحالفها مع حكومة الوفاق المعترف بها من الأمم المتحدة فرنسا في عدة مجالات وهي نفوذها التاريخي في ساحل شمال إفريقيا ومصالحها في إفريقيا عمومًا، ويكرِّس تركيا كقوة منافسة في البحر المتوسط، ويحرم أو يخفض حصص فرنسا في قطاع الطاقة في المتوسط ومكاسبها الاقتصادية في ليبيا.

ويبدو أن الغضب الفرنسي المتزايد بعد هزيمة حفتر يأتي بسبب تزايد قلقها من الصعود التركي الذي يؤثر على مصالحها ومن عدم قدرتها على تحقيق موقف أوروبي مساند لها من جهة ضد تركيا التي يبدو أنها مستندة لتفويض أميركي في ليبيا ذهاب وفد إيطالي وأميركي لطرابلس بعد الوفد التركي)، وبسبب خوفها من أي توافق تركي/روسي محتمل على تقاسم إدارة ملف الطاقة في ليبيا سواء في حقول النفط أو التنقيب عن الغاز في سواحل ليبيا. كما أن وجود تركيا وروسيا -حتى لو كانتا مختلفتين- يحرمها من تنفيذ مخططاتها بوجود عملي في شمال إفريقيا ويقلِّل من هوامش تأثيرها في المنطقة.

تحاول أنقرة أن تظهر سياسة باريس الحالية الداعمة لحفتر على أنها عامل أساسي في تكريس الوجود الروسي في ليبيا باصطفافها مع حفتر، وترجِّح أنقرة أن الدول الأوروبية المستاءة من الموقف الفرنسي لن تتخذ خطوات عملية داعمة لفرنسا ضد تركيا في ليبيا لكن هذا ليس كافيًا لأنقرة فهي تحاول حثَّ هذه الدول -وخاصة برلين- لتكون أكثر شجاعة وتعمل على كبح الموقف الفرنسي الذي لا يخدم المصلحة الأوروبية والمعارض لدور تركيا في ليبيا. ومن جانبها، تحاول فرنسا إظهار صعود تركيا في ليبيا وتفاهمها المحتمل مع روسيا على أنه مقدمة لتغيير توازن القوى الموجود. ولكن ما من شك في أن الموقف الفرنسي المعارض لتركيا يضعف موقف الأخيرة أمام روسيا التي يعتبر موقفها أقوى المواقف في الجبهة المعارضة لتقدم حكومة الوفاق المدعومة تركيًّا نحو سرت والجفرة.

خاتمة وسيناريوهات

بعد السيطرة على ترهونة بدت حكومة الوفاق وبالتأكيد الداعم الأساسي لها، تركيا، تسير باتجاه السيطرة على سرت لأن بقاء قوات حفتر فيها يعني بقاء طرابلس تحت رحمة معسكره مرة أخرى، بالإضافة إلى حرمان حكومة الوفاق من إدارة أهم مصادر الطاقة في البلاد، وبدا حفتر مهزومًا يعاني من خلافات في معسكره ومع داعميه الخارجيين ولهذا تم رفض مطالب وقف إطلاق النار. ووفق سيناريو سيطرة حكومة الوفاق على سرت، كان من المنطقي أن تبدأ عملية تهدئة مخاوف الأطراف الداعمة لحفتر على مصالحها، ومنها مباحثات بين تركيا وروسيا لتأمين دخول حكومة الوفاق بدون صعوبات كبيرة، ليتبع ذلك عملية مباحثات مكثفة لمستقبل الحل السياسي برعاية الأمم المتحدة وامتدادًا لمؤتمر برلين.

وينسجم هذا مع وجهة نظر أنقرة بأن السيطرة على سرت، ورفض جلوس حفتر على الطاولة سيسهِّل الاتفاق السياسي، وسيحث داعمي حفتر على التخلي عنه، ويدعم هذا السيناريو ما قاله مصدر تركي مسؤول: “نعلم أن الغاية من مقترح وقف إطلاق النار هي كسب الوقت واستعادة الأماكن التي خسروها. ولذلك السبب لا نتوقع توقف العمليات العسكرية. وإننا ندعم فكرة مواصلة العمليات حتى إخراج حفتر تمامًا من المعادلة”.

بالرغم من التهديدات المصرية واعتبار سرت خطًّا أحمر، رجَّحت أنقرة أن كافة الأطراف ستتجنب المواجهة المباشرة إلا أن المفارقة هنا هي أن كافة الأطراف تدرك أن القوة على الأرض ستكون مفيدة على طاولة المفاوضات، وهذا ما يجعل الاستهانة بأي موقف غير واردة، ويُعتبر الموقفان، التركي والروسي، أساسيين في تثبيت أي سيناريو أو إفشاله إلا أن تنسيق أنقرة المتزايد مع واشنطن في ليبيا ووجود أطراف أخرى معارضة للموقف التركي بما يتجاوز المصالح الاقتصادية مثل فرنسا ومصر والإمارات، يقلِّل من فرص التفاهم بين أنقرة وموسكو. كما أن العجز الأوروبي والسياسة الأميركية في عدم التدخل تجعل موسكو أكثر جرأة.

في ذات السياق أيضًا، بدت حكومة الوفاق، ومن ورائها تركيا، مترددة إزاء التقدم نحو سرت بالرغم من إعلان حكومة الوفاق نيتها بسط نفوذها على كامل أراضي ليبيا، وقد بدت حكومة الوفاق وربما تركيا غير راغبة في المواجهة مع قوات فاغنر التي عززت من وجودها في سرت والجفرة وسيطرت مؤخرًا على حقل الشرارة النفطي، والتي تعني المواجهة مع روسيا، وهذا الموقف المعقد سيزيد من التوتر بين تركيا والأطراف الداعمة لحفتر، وكلما تأخرت حكومة الوفاق في السيطرة على سرت فإن هذا يخدم موقف حفتر وداعميه، وسيثبِّت سيناريو استمرار الوضع الحالي من الصراع وربما تتأثر طرابلس سلبًا في ظل تهديدات حفتر بضرب مصراتة. كما أن ملف تحكم حكومة الوفاق بعائدات النفط الصادر عن مناطق الشرق سيكون موضع شك.

يبقى السيناريو الآخر وهو الإقدام على تحرير سرت بالقوة، وهذا سيكون خيارًا مكلفًا بالنظر إلى المعدات العسكرية التي تم حشدها في المدينة من حلفاء حفتر وخاصة روسيا، وإلى توقع استماتة حفتر في الدفاع عنها للبقاء محافظًا على الموانئ النفطية خلف سرت ومع أن حكومة الوفاق أعلنت عن تصميمها على السيطرة على سرت لكن روسيا صعَّبت ذلك عمليًّا وبالنظر أيضًا إلى أن حكومة الوفاق ليس بالضرورة أن يكون موقفها الهجومي حاسمًا في تحرير سرت كما كانت في طرابلس عندما كان بقاؤها مهددًا.

يبدو أن تمكن حكومة الوفاق من السيطرة على سرت صعب ومعقد عمليًّا وسيحتاج لمباحثات طويلة وشاقة، وبالتالي فإن المرجح في المدى المنظور بقاء الوضع على ما هو عليه والاستمرار في المباحثات ومراكمة القوة. ويعتبر استمرار هذا الوضع أحد العوامل الممهدة لفكرة تقسيم ليبيا والتي لا تدعمها حتى الآن مقاربات الأمم المتحدة ولا حتى رؤى الأطراف سواء حكومة الوفاق أو حتى حفتر، ولكن قد تعمل أطراف إقليمية على التمهيد لذلك. ويربك الموقف الروسي موقف تركيا وحكومة الوفاق فالدخول لسرت قد يفتح توترات بين أنقرة وروسيا تتجاوز ليبيا والتأخير سيفقد زخم هزيمة حفتر في طرابلس ويقوِّي موقف داعميه. ومع ذلك، فإن الحراك العسكري لكل الأطراف يعتبر محاولة منها للحفاظ على دور سياسي في المفاوضات.

***

محمود سمير الرنتيسي ـ باحث متخصص في الشأن التركي

_____________