Minbar Libya

بقلم ياسر عبدالعزيز

بعض من زار مدينة النور، باريس يعرف حديقة التأقلم، لكن كثيرا ممن زاروها لا يعرفون تاريخ الحديقة والهدف منها.

الحديقة تاريخيا أنشئت لعرض الحيوانات النادرة التي تستجلبها فرنسا من مستعمراتها حول العالم، وعندما ضرب الطاعون فرنسا عام 1870 أكل الفرنسيون كل شيء حتى حيوانات حديقة التأقلم النادرة.

وبعد انتهاء الطاعون تم تحويل الحديقة من عرض الحيوانات النادرة إلى غرائب البشر، وهنا لا اعني المخترعات أو العادات، ولكن البشر نفسهم، نعم كانت تعرض البشر، فكانت فرنسا العظيمة تجلب أصحاب البشرة السمراء وتضعهم في أقفاص الحيوانات المأكولة، وتجبر البشر المخطوفين والموضوعين في أقفاص إلى لبس وتمثيل أدوار توزع عليهم بعناية، كتمثيل دور آكلي لحوم البشر.

وكان آخر عرض للحديقة عام 1931، وكان الهدف من الإبقاء على الحديقة حتى هذا التاريخ، لا الكسب المالي من تذاكر دخول الحديقة ولكن تثبيت الصورة الذهنية لتخلف هذه الشعوب المحتلة، والدور الحضاري الكبير الذي تقوم به فرنسا من أجل إدخالهم حظيرة الحضارة الغربية.

خلال الأيام الماضية بدأ التلاسن بين كل من تركيا وفرنسا على خلفية اعتراض ثلاث فرقاطات تركيات فرقاطة فرنسية قرابة سواحل ليبيا، وتنتقد فرنسا بشدة التدخل التركي في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، في وقت تدعم فرنسا اللواء المنقلب خليفة حفتر والساعى للسيطرة على العاصمة الليبية، وفرض نفوذه على الدولة الشرعية.

والغريب أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحمل تركيا المسؤولية التاريخية والجنائية جراء الصراع الليبي – الليبي! وصعدت فرنسا من هجومها على تركيا ورفعت أمر اعتراض الفرقاطات التركية لفرقاطتها إلى حلف ناتو شاجبة الإبقاء على تركيا في الحلف بعد هذه التصرفات تجاه دولة زميل في الحلف.

خلاف فرنسا وتركيا ليس وليد اليوم، فمن المعروف أن فرنسا من أكثر الدول الأوروبية معارضة لدخول تركيا لاتحادها، كما أن فرنسا الداعمة للميليشيات الكردية الانفصالية في كل من سوريا وتركيا، قد انتقدت التدخل التركي في شمال سوريا لحماية أمنها القومي وقطع الطريق أمام زرع كيان يهدد وحدة أراضيها.

بعد هذه الانتقادات، جاء القرار الفرنسي بمنع المدرسين والأئمة الأتراك من تفعيل نشاطاتهم في فرنسا، بحجة سيطرة الدولة على ما يدرس للمواطن الفرنسي وكذا المقيمين على أراضيها، وإن كان ظاهر القرار تنظيمي، كما تحاول فرنسا أن تغلفه، لكن الواضح والذي كشف عنه ماكرون نفسه في كلمته تعليقا على القرار، أنه للحد من النفوذ التركي في فرنسا.

هذه الحالة ليست جديدة ولم يبتدعها ماكرون، فلقد دأبت فرنسا على مناكفة تركيا، ففي عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، أقر البرلمان عقوبة السجن لمن ينكر المجازر العثمانية ضد الأرمن، وهو ما أغضب أنقرة واستدعت سفيرها من باريس وقررت فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على فرنسا، لكن الحقيقة لم يكن القانون وحده هو سبب هذه العقوبات أو التوتر بين البلدين.

ولكن القانون بالأساس جاء كرد فعل للنفوذ التركي المتصاعد في إفريقيا منذ العام 2005، إذ ارتفع عدد السفارات التركي في إفريقيا إلى أكثر من الضعف في هذه الفترة مع التحضير لضعف ما تم فتحه من سفارات، مع نمو مطرد للتبادل التجاري بين تركيا ودول القارة السمراء، ما عده الفرنسيين تعدٍ على النفوذ وخصما من الرصيد.

مع دخول تركيا نادي المنقبين عن الغاز في شرق البحر المتوسط، شَكَت اليونان متذرعة بأن تركيا تنقب عن الغاز في حدودها البحرية، ولما كانت تركيا لم توقع على قانون البحار، فقد بادرت بترسيم حدودها الاقتصادية مع الحكومة الشرعية في ليبيا، وهو ما جعل فرنسا، غير المعنية بسبب بعدها الجغرافي، تدخل على الخط لمساندة اليونان من جهة وتدفع كل من النظام المصري وقائد الميليشيات المتمردة في ليبيا خليفة حفتر، إلى التنديد بالاتفاقية، ومن ثم بالتنقيب عن الغاز أمام شواطئها.

الفعل الفرنسي في ليبيا غير مستغرب، فباريس لديها مصالح جيوسياسية وأمنية في ليبيا تتمّثل في تكريس السيطرة على نطاق نفوذها في منطقة الساحل والصحراء، وضبط الحدود الحرية الليبية إحدى منطلقات الهجرة غير الشرعية التي تعاني منها فرنسا، والحدود البرية مع مستعمراتها القديمة في مالي والجزائر وتشاد والنيجر، والأخيرة توليها باريس أهمية خاصة لما تمثل لها من أهمية اقتصادية وعسكرية حيث توجد قواعدها.

وفي المجمل فإن الوجود القوي لشركة توتال النفطية الفرنسية في إفريقيا باستثمارات جبارة وتسعي للتوسع في ليبيا بعد العقود الثلاثة التي وقعت في عام 2017 ما يعني أن الصراع على الهلال النفطي والحدود أصبح من أولويات السياسة الخارجية الفرنسية في ليبيا، والتعاون مع كل من النظام في مصر والانقلابيين في ليبيا يريح في تنفيذ أجندتها في الدولة التي تنتظر تسوية سياسية ومن ثم عقود إعادة إعمار بالمليارات تسعى فرنسا أن يكون لها النصيب الأكبر ولا تقبل أن يشاركها أحد وبالأخص تركيا صاحبة النفوذ المتمدد، والمبني على قواعد أكثر قبولا شعبيا من تلك التي أسستها فرنسا تاريخيا ولا زالت تعمل بها.

وبناء على ما تقدم فإن لعب فرنسا خلال الفترة الماضية على المسرح الليبي عبر عرائس تحركها من خلف الستار لم يعد يجدي، لاسيما أن مناكفة تركيا في ليبيا في حضور الدب الروسي يخسرها كثيرا على المستويين العسكري في حلف ناتو وسياسيا على مستوى الاتحاد الأوروبي وأمريكا الحليف الأقوى والفاعل الحقيقي في البحر المتوسط والحاضرة بأسطولها السادس في الجهة المقابلة لليبيا على شواطئ إيطاليا.

لذا فإن عمليات الشد التي تقوم بها فرنسا ستقطع شعرة معاوية بينها وبين تركيا، لكن قوة الشد ستوقع معها فرنسا الممسكة بطرف الشعرة والمتمثل في صفقة سلاح مع النظام المصري أو ترضية إماراتية ببضعة مليارات تستثمرها أبوظبي في أحد نوادي الكرة الفرنسية، أما زمام المبادرة حتى الآن فلا يزال في أنقرة مادامت تسير بحذر على حبل الولايات المتحدة الأمريكية.

________________