Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

توقف العمليات العسكرية في ليبيا لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، فالوضع الميداني يتجه نحو مزيد من التصعيد خاصة مع التحشيد المستمر من الجانبين وتسارع وتيرة التحركات على المستويات السياسية والعسكرية

فبعد إرسال تركيا كلًا من وزير الدفاع خلوصي أكار ورئيس الأركان يشار غولر إلى طرابلس للاجتماع مع فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، التي تعد الحليف الأساسي لأنقرة، وإرسال إمدادات عسكرية لقاعدة الوطية العسكرية القريبة من مدينة سرت، زار عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق (شرق) الداعم للواء المتقاعد خليفة حفتر موسكو للاجتماع مع وزراء الخارجية والدفاع، فيما قصفت طائرات رافال مجهولة الهوية المنظومة العسكرية التركية بقاعدة الوطية الجوية في الغرب الليبي، ما يُوحي بأنّ الحل السياسي قد ابتعد لصالح العسكري وأن الوضع قد ينفجر في أيّ لحظة في حال اندلعت أولى شرارات المواجهة في سرت .

سرت.. التاريخ والجغرافيا

تعد مدينة سرت، واحدة من أهم المناطق في خريطة النزاع الليبي، لامتلاكها ميزات جيو استراتيجية وتاريخية واقتصادية عدة، فهي تقع في منتصف المسافة تمامًا بين عاصمتي النزاع الليبي بنغازي وطرابلس، حيث تبعد عن كليهما مسافة 500 كيلو متر، وهي حلقة الوصل بين شرق ليبيا وغربها وجنوبها.

تاريخيًا، أنشئت مدينة سرت الحالية في عام 1885-1886 ميلادية (1303 هـ)، في عهد الوالي العثماني على طرابلس الغرب “أحمد راسم باشا”، وبحسب كتاب مدینة طرابلس عبر التاريخ للمؤرخ الليبي نجم الدین غالب الكیب، فإن ليبيا تحت حكمه عرفت نهضة على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأشرف على إعمارها قائم مقام قضاء سرت “عمر باشا المنتصر” (1879) واستمر في منصبه نحو 30 سنة أشرف فيها على تأسيس المدينة، ووطن بها من يرغب من قبائل البادية منهم (العمامرة والهماملة والورفلة والقذاذفة والفرجان ومعدان وقماطة ولحسون وأولاد سليمان والجماعات والمزاوغة والربايع والمشاشي وأولاد وافي والمغاربة والهوانة والزياينة، كما انتقل إليها عدد من العائلات من مصراتة التي يستوطن فيها أغلب الكراغلة (أتراك)، وأسس بها في سنة 1898 “جامع بن شفيع”، والذي يعد اليوم أهم المعالم القديمة بالمدينة.

وتُعد مدينة سرت التي وقعت تحت الاحتلال الإيطالي في 31 ديسمبر 1912م، شاهدةً على أحداث تاريخية هامة منها معركة القرضابية الشهيرة في 29 ابريل 1915 والتي اتحد فيها كل الليبيين وهزم فيها الإيطاليون بقيادة الجنرال أمياني، كما أنها المدينة التي عقد فيها أول مؤتمر للوحدة الوطنية في 22 يناير 1922 ايام الجهاد ضد الغزو الإيطالي.

سرت، هي أيضًا مسقط رأس الرئيس السابق لليبيا معمر القذافي، ولد فيها وقتل إبان ثورة 17 فبراير، وعمل لسنوات على تهيئتها لتكون عاصمةً للبلاد، وضخ فيها لتحقيق هذا الحلم مليارات الدولارات لتحسين بنيتها التحتية، وإنشاء مقرات حيوية، ويكفي أنها المدينة التي أعلن فيها تأسيس الاتحاد الأفريقي عام 1999، من القرن الماضي.

سرت إستراتيجيًا

تكتسب مدينة سرت الليبية أهمية استراتيجية في تحديد مسار المواجهات، وفقًا لخصائص عدة تتمتع بها لا سيما موقعها الجغرافي، إذ تقع على منتصف الساحل بين طرابلس وبنغازي، وهي أيضًا من أكثر المدن امتدادًا على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط.

تحتوي بداخلها على عديد من المنشآت الاستراتيجية، مثل مطار القرضابية الدولي وميناء سرت التجاري، وتضم أيضًا قاعدة جوية رئيسية في القرضابي يمكن من خلالها تسيير الطيران إلى أي وجهة في ليبيا، لذلك تعد من أهم المنافذ الرئيسية المطلة على العالم الخارجي، كما يمنح تحرير المدينة قوات فايز السراج طريقًا سالكًا إلى قاعدة الجفرة العسكرية الرئيسية التي تقع جنوب سرت، وهي نقطة اتصال تربط إقليم طرابلس بإقليم برقة وكذلك إقليم فزان الجنوبي.

اقتصاديًا، تحوي أرض سرت في باطنها، أكبر مخزون غاز مكتشف في ليبيا، في حوض جوفي يحمل اسمها “حوض سرت”، الذي يعد واحدًا من أهم أسباب التنافس المحموم بين إيطاليا وفرنسا في الملف الليبي، حيث تخوض الشركتان العملاقتان “إيني وتوتال” صراعًا منذ سنوات للفوز بحصة الأسد في الامتيازات المستقبلية للتنقيب، والاستثمار في هذا الحوض الكبير الذي يحوي أيضًا مخزونًا هامًا من النفط، بحسب المعلومات الواردة عن المؤسسة الليبية للنفط.

إضافة إلى المميزات التي سبق ذكرها، تعتبر سرت خط الدفاع الأخير عن الهلال النفطي الليبي، الذي يحوي أهم أربعة موانئ نفطية في البلاد، التي تصدر 80% من النفط الخام الذي تنتجه ليبيا يوميًا، حيث يمكن تصدير ما سعته 750 ألف برميل نفط من موانئ شرق ليبيا، في حين يبلغ إجمالي القدرة التصديرية لموانئ غرب ليبيا 380 ألف برميل يوميًا في حال الوصول للكفاءة التشغيلية القصوى.

وهذه الموانئ هي “رأس لانوف والبريقة والسدرة والزويتينة “، لا يفصلها عن مدينة سرت سوى 150 كيلو متر باتجاه الشرق، ويفتح تحريرها أبواب المنطقة التي تمثل عماد الاقتصاد الليبي وشريانه الرئيسي، كما تعد مدينة الجفرة التي تبعد نحو 650 كم جنوب شرقي طرابلس، هي الأخرى محور ربط بين الشرق والغرب والجنوب، والخط الواصل بين سرت والجفرة والذي يبلغ طوله نحو 300 كم يمثل خط منتصف للجغرافيا الليبية من الشمال للجنوب.

المعركة القادمة

في ظل تغير الخارطة العسكرية بعد التقدم الذي أحرزته قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا على حساب مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من الإمارات والسعودية ومصر (حلف الثورة المضادة)، واختلاف الوضع الميداني بعد أن أصبحت الحكومة الشرعية على مشارف سرت التي تعتبر مدينة استراتيجية بكل المقاييس، وتمسك الطرف المقابل بآخر حصن له (منطقة الهلال النفطي)، يسير الوضع تدريجيًا إلى معركة فاصلة قد يصعب تحديد مألات الصراع بعدها.

وترابط قوات حكومة الوفاق الوطني بالقرب من سرت في انتظار الضوء الأخضر الذي سيأتي من طرابلس لانطلاق عملية تطهير المدينة، وبحسب آمر غرفة عمليات سرت والجفرة، العميد إبراهيم بيت المال، فإن القوات القادمة من طرابلس جاهزة للتقدم باتجاه سرت في أي لحظة، مما يعني أن الكرة الآن في ملعب القيادة السياسية التي تعكف على دراسة جميع الخيارات المتاحة.

في مقابل ذلك، يرى محللون وسياسيون أن حفتر يحاول المحافظة على سرت والجفرة والاعتماد على الدعم المصري الإماراتي والروسي والسعودي لإنقاذه من خسائره الأخيرة، وحفظ ماء وجهه بعد فشله الذريع في قيادة معركة السيطرة وتراجع قواته إلى وسط ليبيا، لذلك فإنّ السيطرة على سرت ومنع قوات الوفاق من التقدّم قد تضمن له اللعب على ورقة الموارد الحيوية ضخمة للمنطقة، التي تُحاول قوى إقليمية بسط يديها عليها، وتساعده على تأمين نفسه ودعم قوّته الذاتية من جهة، ومحاصرة خصومه اقتصاديًا وجغرافيًا من جهة أخرى، إضافة إلى الإبقاء على نفسه رقمًا في معادلة الحل السياسي.

الوفاق وأنقرة

حكومة الوفاق الليبية تعلم أنّ إيقاف عملياتها العسكرية في الوقت الراهن وتحديدًا بعد دحرها قوات اللواء المتقاعد إلى خارج أسوار العاصمة طرابلس لن يضع حدًا لمشروع حفتر الشخصي وطموح داعميه، لذلك ستعمل على دعم إنجازاتها الميدانية الأخيرة بالسيطرة المطلقة على مدينة سرت والجفرة استعدادًا لبسط نفوذها على كامل البلاد، أو على الأقل ضمان عودة جميع الأطراف إلى مواقعها في عام 2015 حين تم توقيع اتفاق الصخيرات السياسي في المغرب، وهو ما يعني أن على قوات حفتر أن تنسحب من سرت والجفرة، وبالتالي فإن حكومة الوفاق قد تضمن استمرار تحكمها في موارد البلاد النفطية وعائداتها.

من جهة أخرى، فإنّ مواقف المجتمع الدولي والقوى الكبرى المنحازة للواء خليفة حفتر  والمنقسم حول المغانم والتي أكّدتها التصريحات الأخيرة للمبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة وجاء فيها أنّ “النظام الدولي متضعضع تمامًا”، وأن “قادة دول مهمة لم يعد لديهم ضمير”، في إشارة إلى أنّ الأزمة الليبية باتت رهينة أطماع الدول الفاعلة على الأرض والتي تسعى لتقسيمها وفق إرادة الأقوياء وذلك بعد أن تم تحويلها عمليًا إلى “صومال جديدة”، بحسب توصيف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ستدفع الحكومة الشرعية إلى المضي قدمًا في عملياتها العسكرية دون انتظار ما ستقدمه هذه الدول من مبادرات لا تخدم سوى أصحابها.

صمت القوى الكبرى على العمليات التي أطلقها خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس غداة الإعلام عن انعقاد المؤتمر الليبي الدامع بمدينة غدامس، وتحركاتها الأخيرة إما بالتهديد أو بفرض أنصاف الحلول كالمبادرة المصرية ودون الإشارة حتى لمخرجات مؤتمر برلين (وافقت عليه طرابلس) سعيًا لإنقاذ اللواء المتقاعد، أوضحت بما لا يدع مجالًا للشك أنّ هذه الدول لا تسعى لحل سلمي للأزمة الليبية بقدر ماهي تبحث عن مسالك تحفظ بها مصالحها الاقتصادية (فرنسا روسيا) حتى لو تطلب الأمر تقسيمها، أو إقامة نظام سياسي على المقاس تخيطه دول تعمل على عسكرة الحكم في ليبيا على الطريقة المصرية (الإمارات والسعودية).

ويبدو أنّ حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا قد فهمت الدرس مؤخرًا وعدّلت بوصلتها على تقوية اتصالاتها بالولايات المتحدة قصد إعطائها الضوء الأخضر لاستئناف عملياتها العسكرية وإطلاق “حرب تحرير سرت”، وهو ما تم بالفعل عقب زيارة وفد أميركي قبل أيام، ضمّ السفير وقائد “القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا” (أفريكوم)، حيث أكّد آمر “غرفة عمليات سرت الجفرة”، العميد إبراهيم بيت المال، أنّ نتائج الاجتماع “تسير في جانب إكمال العمليات”.

أمّا أنقرة الداعم الرئيسي للحكومة الشرعية والتي ألقت بثقلها في الأزمة، فتسعى إلى فرض سياسة أمر الواقع وتحصين نفوذها في ليبيا، وذلك بالدفع نحو تمكين قوات الوفاق من السيطرة الكاملة على مجالها الجغرافي وبسط يدها على مقدراتها الطبيعية، وهي خطوة تسعى من خلالها أنقرة إلى المحافظة على مصالحها المتمثلة في عقود الاستثمار (منذ عام 1972 عقود بقيمة 40 مليار دولار)وتحصيل امتيازات اقتصادية جديدة وتعزيز فرص شركاتها التي تعمل في ليبيا منذ عقود على الاستئثار بإعادة الإعمار، إضافة إلى ذلك فإنّ للتدخل التركي في ليبيا أبعاد سياسية أهمها الوقوف في وجه حلف الثورة المضادة الذي تقوده الإمارات والسعودية ومصر في المنطقة.

وتعد سرت أيضًا هدفًا رئيسيًا للتدخل التركي الأخير، خاصة وأنّ المدينة التي تعيش فوق أكبر حوض للغاز في المتوسط، لها علاقة وثيقة بالحدود المائية التي أثارتها الاتفاقية البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق التي لا تزال محل جدل بين دول البحر المتوسط، وبالتالي فإنّ الاتفاق البحري بين أنقرة وطرابلس لن يكون له أي تأثير أو أهمية دون السيطرة على سرت.

على صعيد العسكري، تركيا لن تغفر للجهة المتسببة في الغارة الجوّية التي استهدفت قواتها المتمركزة بقاعدة الوطية غربي ليبيا، وهو أول استهداف مباشر تتعرض له قواتها التي تُقّدم الدعم الفني واللوجستي لحكومة الوفاق، وبالتالي فإن أنقرة مجبرة على الرد ثأرًا لكرامتها وكبريائها باعتبارها قوّة إقليمية ودولة ذات وزن في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لذلك ستعمل جاهدة على الرد وبقوّة في سرت والجفرة.

المأزق المصري

على عكس حكومة الوفاق وأنقرة، يبدو أن موقف القاهرة التي تقود حربًا بالوكالة في ليبيا محرجًا إلى أبعد الحدود، فمصر التي أعلنت مباشرة عقب السقوط المدوي لحليفها حفتر وهزائمه المهينة، عن مبادرة وُصفت بالمحاولة الأخيرة لإنعاش خطة اللواء المتقاعد للاستيلاء على الحكم، فشلت أيضًا في تحشيد الدعم وإيجاد حاضنة دولية لمقترحها الذي يخدم القوى العاملة ضد الشرعية الدولية، ممّا دفع بالنظام المصري إلى إطلاق تحذيرات من محاولة سيطرة الوفاق على سرت ووصفها بالخط الأحمر الذي قد يدفعها تجاوزه إلى الرد العسكري.

التهديد المصري بالتدخل العسكري في ليبيا، زاد من المأزق السياسي والعسكري الذي تعيشه القاهرة، فهي مدعوة من قبل الحلف الإماراتي السعودية للتحرك ميدانيًا لدعم خليفة حفتر متعلّلة بالأمن القومي، والحال أنّ موقفها المُعلن يرفض التدخل الأجنبي ويصر على العودة للحل السياسي، وبالتالي فإنّ القاهرة ستحاول تجنب أي صدام محتمل مع تركيا أو الوفاق وستحاول في المقابل العمل عبر قنوات أخرى من أهمها اللعب على وتر القبلية أو دعم فصيل ليبي عسكريًا يخوض عنها الحرب بالوكالة.

ويرى مختصون أنّ التكلفة المادية والإنسانية والسياسية قد تُعيق تنفيذ التهدادات المصرية على الأرض وأن إطلاقها أساس لا يعدو إلى أن يكون بروباغندا يُمارسها نظام السيسي لتلميع صورته في الداخل والتغطية على فشله في ملفات خارجية على رأسها سد النهضة، وأنّ القاهرة في حال أقدمت الوفاق وتركيا على خطوة عسكرية في سرت، ليس أمامها سوى خيار الدفع ببعض المركبات وعناصر قواتها المسلحة إلى الجزء الشرقي من برقة وإطلاق بعض التحذيرات.

فرضية التدخل العسكري المصري في ليبيا مستبعدة لأسباب أخرى من بينها المصالح المشتركة بين القاهرة وواشنطن والتي ستؤخذ بالحسبان، فالقاهرة ستفكر أكثر من مرة قبل المغامرة بتحريك فصيل واحد من جيوشها خارج حدودها، خاصة وأن الولايات المتحدة ستحاول منع أيّ خطوة تصب في مصلحة الروس وتقوية نفوذهم في ليبيا.

مصر تتخوف أيضًا من أن أي نتائج عكسية لانخراطها المباشر في العمليات العسكرية على الأرض الليبية قد يفقدها موقف الوسيط النزيه الذي تُروج له، وأي دورٍ في حلحلة الأزمة مستقبلًا، كما أنه سيفوّت عليها فرص الحصول على عقود الإعمار والامتيازات التي تطمح إليها، لذلك فإن القاهرة مدعوة إلى إعادة رسم سياسة خارجية تعتمد على التعاون مع القوى الدولية لتفعيل الحل السلمي للأزمة الليبية.

الغرب.. تشابك المصالح

القوى الإقليمية التي تنشط على الأرض في ليبيا تُسابق الزمن لتجنب معركة سرت ومنع سيطرة قوات الوفاق المعترف بها دوليًا من السيطرة على مناطق، لذلك حاولت من خلال فرض “الخط الأحمر” الوهمي من أجل وضع المنطقة الشرقية في حالة دفاع وتهديد مباشر وإيقاف تقدم قوات الوفاق المدعومة من قبل أنقرة التي أصبحت فاعلًا رئيسيًا في الملف الليبي.

وتتخوّف القوى الإقليمية من الانزلاق في حرب مباشرة قد تقود المنطقة إلى فوضى شاملة، لذلك تعمل كل منها على استنزاف الحلول السياسية وما ستفرزه المفاوضات من تفاهمات قد تعدل الوضع وتعيد تشكيل مشهد جديد، خاصة أنّه من يبادر بالهجوم ليس دائمًا المنتصر.

ويُخطئ من يعتقد أنّ توقف العمليات العسكرية في سرت يعود إلى “خط أحمر” السيسي وهو ادعاء ينم عن جهل بتعقيدات الأزمة الليبية التي تتشابك فيها مصالح القوى الإقليمية الكبرى وتتقاطع بشكل كبير، ما يجعلها مدينة الفصل الأخير في مسلسل الصراع الدولي في ليبيا، ففرنسا تتماهى إلى حد كبير مع الموقف الروسي والمصري في رفض التدخل التركي والحال أنّ أوروبا تتخوّف من النفوذ المتنامي لموسكو في المنطقة ومن حصولها على قاعدة دائمة في المنطقة، في حين أنّ إيطاليا العضو في الاتحاد الأوروبي والتي تتنافس مع فرنسا على النفوذ تتقاطع مصالحها مع تركيا من خلال إعلان دعمها لحكومة الوفاق.

ويرى بعض الخبراء أنّ خسارة موسكو لقاعدة الوطية، التي كانت تأمل في أن تكون قاعدتها الاستراتيجية لتوسيع نفوذها نحو المغرب العربي وإفريقيا إضافة إلى محاصرة أوروبا، بسبب الدعم التركي، قد يطيل من الأزمة وعمر الحرب في سرت، لذلك تعمل روسيا على حشد قواتها غير النظامية (مرتزقة فاغنر) في المناطق النفطية، إلاّ أنّها في المقابل لن تضحي بعلاقاتها الاستراتيجية وتنسيقها في أكثر من ملف مع الأتراك وستصل عبر المفاوضات السياسية إلى حل يرضي الأطراف.

بالمحصلة، لا يُمكن التكهن بما سيؤول إليه الوضع في الأيام القادمة، ولكن يبدو أنّها ستكون محملة بالأحداث، خاصة وأنّ الحل كما يراه البعض، لن يكون إلا بانتصار حاسم لأحد أطراف النزاع، غير أنّ المؤشرات تُوحي أيضًا بأنّ واشنطن العائدة على مهل للإمساك بخيوط الملف الليبي لا تسير في اتجاه تعميق الأزمة خوفًا من انفراط العقد واتساع رقعة الصراع، لذلك ستحاول إيجاد صيغة ترضي حلفاءها  الإمارات والسعودية ومصر من جهة، وتركيا من جهة أخرى، دون أن تغفل على مصالحها الخاصة المتمثلة في إلجام موسكو وتحديد مجال نشاطها في المنطقة، ويُرجح أن لا يخرج الحل الأمريكي عن سياق مخرجات مؤتمر برلين باعتباره الصيغة الوحيدة التي يُمكن أن تقبل بها الحكومة الشرعية.

***

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

____________