Minbar Libya

منذ أن نشرت الرئاسة الجزائرية مسودة تعديل الدستور الحالي في بداية أيار/ مايو 2020، تشهد الجزائر جدلًا بشأن مضمون المادتين 31 و95 من المسودة، اللتين يُعتقَد على نطاق واسع أنّ من شأنهما – إنْ اعتُمِدتا – أن تدفعا نحو تغيير كبير في العقيدة العسكرية الجزائرية.

تنص المادة 31 من المسودة على أنه “يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها أن تشارك في عمليات حفظ واستعادة السلام”. في حين نصت المادة 95 على أنّ رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، “يقرر إرسال وحداتٍ من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين من أعضائه”.

تناقش هذه الورقة احتمالات التغير والاستمرارية في الموقف الجزائري من الأزمة الليبية، في ظل هذا الجدل بشأن مسودة التعديل الدستوري التي تنص على إمكانية إرسال الجزائر وحداتٍ عسكرية خارج حدودها. تتضمن الورقة جزأين؛ يسعى الجزء الأول لمراجعة الموقف الجزائري من الأزمة الليبية ومحدداته الأساسية، في حين يسعى الجزء الثاني لفحص احتمالات التغير والاستمرارية في هذا الموقف، بناءً على المواد ذات العلاقة، الواردة في مسودة التعديل الدستوري، وانتهاءً بقراءة تحليلية في الموقف الجزائري الراهن من تطورات الصراع الليبي، منذ شروع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في محاولة السيطرة عسكريًا على العاصمة الليبية، طرابلس، في نيسان/ أبريل 2019.

أولًا: محددات الموقف الجزائري من الأزمة الليبية

يستند الموقف الجزائري من الأزمة الليبية إلى جملة من المبادئ المستمدة من العقيدة الأمنية التقليدية التي ورثتها الجزائر، منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي. وتقوم هذه العقيدة على مجموعة من “اللاءات”، أبرزها لا لانتهاك سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، ولا للتدخل الأجنبي في الصراعات الداخلية، ولا للخيار العسكري لتسويتها، ولا لتدخل الجيش الجزائري خارج حدود البلاد. ويُعدّ الاستقلال قيمة مركزية في إدراكات صانع القرار الجزائري، وهي مرتبطة على نحوٍ وثيق بإرث حرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي الذي دام نحو مئة وثلاثين عامًا، وانتهى بحرب مريرة دامت سبع سنوات ونصف السنة (1954-1962).

صحيح أنّ تاريخ الجزائر المستقلة شهد إرسال وحدات عسكرية محدودة خارج الحدود، ما يبدو استثناءً لهذه اللاءات، إلا أنها جميعًا لم تخرج عن نطاق مساعي الجزائر إلى تكريس مكانتها الدولية، بوصفها نموذجًا قوميًّا يقوم على شخصية وطنية مستقلة. شملت هذه الاستثناءات مشاركتها في الحروب العربية – الإسرائيلية (عامي 1967 و1973)، ومشاركتها في قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في كمبوديا (بين عامي 1991 و1993) وفي الكونغو الديمقراطية (بين عامي 1999 و2010)، ومراقبة انسحاب القوات الكوبية من الحدود الأنغولية بين عامي 1989 و1991، وفي ضمان احترام اتفاق وقف إطلاق النار بين إثيوبيا وأرتيريا (بين عامي 2000 و2008) وفي هايتي (بين عامي 1995 و1996).

واستنادًا إلى التمسك بمبدأي السيادة واستقلال القرار الأمني/ العسكري، لم تسمح الجزائر بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على ترابها منذ إجلاء القواعد العسكرية الفرنسية بين عامي 1967 و1970.

وسبق أن رفضت في عام 2013 طلبًا روسيًّا للحصول على تسهيلات عسكرية بحرية مقابل استفادتها من مزايا عسكرية، “مبررة رفضها بمبدأي السيادة وحسن الجوار مؤكدة امتناعها عن أي تهديد لجيرانها في غرب المتوسط”.

بطبيعة الحال، هذا التمسك بالاستقلال والتحرر من تبعية القرار الوطني للخارج من شأنه أن يسمح للجزائر بالحفاظ على المسافة الفاصلة نفسها من أطراف النزاعات، وهذا ما مكّنها من تحقيق عدد من الإنجازات على مستوى الوساطة في النزاعات (بين العراق وإيران عامي 1975 و1988، وبين إثيوبيا وأرتيريا عام 2000، وبين إيران والمملكة العربية السعودية عام 2016 في إطار منظمة أوبيك، وبين الحكومة المالية ومتمردي شمال مالي عام 2015).

على المنوال نفسه، وفي الحالة الليبية، ترى الجزائر أنّ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول يقتضي أن يكون حل الأزمة الليبية ليبيًّا، وأنه كلما تدخلت دول أجنبية بغرض تعزيز نفوذها عبر التحالف مع طرف ضد آخر، طال أمد اللااستقرار في ليبيا، وفي جوارها الإقليمي بالضرورة. في السياق نفسه، ترفض الجزائر المساس بالحدود الموروثة عن الحقبة الكولونيالية؛ لذلك، فهي تبدي حساسية مفرطة حيال المطالب الانفصالية التي من شأنها تقسيم الدول القائمة.

من جهةٍ أخرى، ترى الجزائر أنّ المقاربة الأمنية الخشنة القائمة على الحل العسكري لحسم النزاعات الداخلية لا تجدي نفعًا. ويرتبط هذا الموقف أيضًا بتجربة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي؛ حيث وجدت أنّ هذه المقاربة فشلت في النصف الأول من التسعينيات في استعادة الأمن والاستقرار، بل زادت من حدة نشاط الجماعات المسلحة. ومع مجيء الرئيس اليامين زروال عام 1995، انتهجت الدولة مقاربةً أقلّ خشونة عبر “قانون الرحمة”، ثم واصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة النهج نفسه مع “قانون الوئام المدني” عام 1999.

لذلك، ترى الجزائر أنّ استمرار الصراع المسلح، خاصة في ظل تدخلٍ أجنبيّ مكثف ودعمٍ عسكريّ متعدد الأطراف، كما هو الحال في ليبيا، لن يؤدي إلا إلى تقويض أكبر للأمنَين الليبي والإقليمي. كما ترى ضرورة إشراك جميع الأطراف الليبية في مسار التسوية، بما يضمن عدم عودتهم إلى التمرد والعمل المسلح مستقبلًا.

هذه المقاربة القائمة على الدّمج والإشراك هي حصيلة عقدٍ من الخبرة في إدارة ملف الجماعات الخارجة عن السلطة المركزية. وفي حالة ليبيا، يتعلق الأمر بتهديدٍ لبقاء سلطةٍ معترف بها دوليًا في طرابلس، ويتعلق في الوقت نفسه بأطراف متمردة تحظى بدعم إقليمي ودولي يجعل شبح التقسيم واردًا؛ وهو ما ترفضه الجزائر.

في هذا السياق استقبلت الجزائر، في 13 حزيران/ يونيو 2020، رئيس مجلس النواب الليبي بطبرق، عقيلة صالح، رغم التفوق العسكري الذي أحرزته قوات حكومة الوفاق الوطني ضد قوات حفتر، ورغم الموقف الأميركي المناهض صراحةً لطموحات حفتر وما سيترتب عليها من تعاظم النفوذ الروسي في ليبيا.

وجددت الجزائر، خلال استقبال صالح، موقفها الداعي “إلى الحوار بين الأشقاء الليبيين، من أجل الوصول إلى حل سياسي باعتباره السبيل الوحيد الكفيل بضمان سيادة الدولة الليبية ووحدتها الترابية، بعيدًا عن التدخلات العسكرية الأجنبية”. إذًا، على الرغم من اختلال ميزان القوى الميداني لصالح قوات حكومة الوفاق الوطني ضد قوات حفتر، ورغم تهديداتٍ سابقة صريحة أطلقها الأخير بنقل الحرب إلى داخل الأراضي الجزائرية، فإن الجزائر ظلت متمسكة برفض الحسم العسكري وضرورة إشراك جميع الأطراف في مسار التسوية السلمية للأزمة.

ومما يؤكد هذا استقبالُ الجزائر رئيسَ حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، بعد أسبوع من زيارة صالح، لتأكيد مساعي الجزائر لاستئناف الحوار الوطني الليبي “لإيجاد حل سياسي للأزمة يكون قائمًا على احترام إرادة الشعب الشقيق وضمان وحدته الترابية وسيادته الوطنية، بعيدًا عن التدخلات العسكرية الأجنبية”.

ولما طرحت مصر، أحد أبرز حلفاء حفتر وداعميه في الصراع الليبي، مبادرة وقف إطلاق النار بعد سلسلة هزائم قوات حفتر أمام قوات حكومة الوفاق الوطني (في 6 حزيران/ يونيو 2020)، والتي فُهِمت على أنها محاولة لإنقاذه من هزيمة مطلقة، تجاهلت الجزائر المبادرة المصرية، تعبيرًا عن رفضها التدخل المصري القائم على الانحياز إلى قوات حفتر. حيث “شددت الجزائر على أهمية دور دول الجوار [جميعها] في مسار التسوية السلمية في ليبيا، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف”.

من ناحية أخرى، وفي مقابل رفض الجزائر خيار الحسم العسكري، فإنها تتبنى سياسة التشبيك مع القبائل المحلية القاطنة على تخومها الصحراوية في شمال مالي وجنوب غرب ليبيا (شرق الحدود الجزائرية وجنوب شرقها وجنوبها)، وتستغل في ذلك الروابط الدينية والعرقية العابرة للحدود، كما تُقدّم مساعدات اقتصادية لكسب تلك القبائل والحواضن السكانية حتى لا تتحول إلى معاقل للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة التي تهدد الأمن القومي الجزائري؛ فضلًا عن ذلك، تظل الجزائر مصدرًا إقليميًا للمساعدات الأمنية والعسكرية والمالية لحكومات دول الجوار ودول الساحل (تونس، وليبيا، ومالي، والنيجر، وموريتانيا، وتشاد، وبوركينافاسو).

وعلى الرغم من كل ما تقدم، تشير سوابق حديثة – مصرَّح بها رسميًّا – إلى أنّ هذه المبادئ لم تعد راسخة تمامًا على النحو الذي يُفصِح عنه خطابُ السياسة الخارجية الجزائرية؛ كما تشي بوضوح أنّ صانع القرار الجزائري – على الأقل منذ انهيار الدولة في ليبيا وفشلها في مالي – صار يرزح تحت ضغط مبدأ عدم التدخل من جهة ومصالحه المتمثلة في الأمن من جهة أخرى.

ففي شتاء عام 2012، سمحت الجزائر للمقاتلات الفرنسية بالمرور عبر مجالها الجوي وقصف تنظيمات مسلحة في شمال مالي؛ وفي صيف عام 2014، نفذت عناصر من الاستخبارات الجزائرية وعناصر من قوات المهمات الخاصة عملية إجلاء للطاقم الدبلوماسي الجزائري من طرابلس إثر حيازتها معلومات عن مخطط للاعتداء على سفارة الجزائر في ليبيا.

وفي العام نفسه، وقّعت تونس والجزائر اتفاقيات تعاون وتنسيق أمنيّ تتيح لها إمكانية ملاحقة الإرهابيين عبر الحدود التونسية – الجزائرية، وذلك بعد هجمات جبل الشعانبي على الحدود الغربية لتونس، عام 2013، التي نفذها عناصر من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تسلّل عدد منهم من الجزائر.

ثانيًا: حدود التغير وقرائن الاستمرارية

تستند احتمالات التغير في الموقف الجزائري تجاه الأزمة الليبية إلى الربط، الذي صار شائعًا الآن، بين مقترح تعديل الدستور للسماح بإرسال وحدات عسكرية خارج الحدود والتطورات التي تعرفها الأزمة الليبية منذ عام 2011 إجمالًا، ومنذ عام 2014 تحديدًا؛ أي منذ شروع قوات حفتر في التمرد على المؤتمر الوطني العام، وهجومه على العاصمة طرابلس في نيسان/ أبريل 2019، والذي يُعتَقَد أنه ما كان لينفِّذه لولا انشغال الجزائر داخليًّا بالأزمة السياسية التي خلفتها استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بداية الشهر نفسه تحت ضغط حراك 22 شباط/ فبراير الشعبي.

مع ذلك، تحاجّ هذه الورقة – استنادًا إلى النص الدستوري نفسه وإلى السوابق سالفة الذكر – بأن التدخل الخارجي غير محظور بأتم معنى كلمة الحظر. فالمادة 29 من الدستور الحالي المعدل عام 2016 (المادة 26 من دستور 1996) تنصّ على أنّ الجزائر “تمتنع عن اللجوء إلى الحرب من أجل المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها. وتبذل جهدها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية”. فهي لا تمنع، لا نصًّا ولا تأويلًا، إرسال قوات مسلحة إلى خارج الحدود؛ وإنما يتعلق الأمر بحظر التدخل إذا كان فيه “تقويضٌ للسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها”.

وبصرف النظر عن إرسال قوات مسلحة جزائرية للمشاركة في حربي 1967 و1973؛ فإن السوابق، سالفة الذكر، تؤكد أنّ ثمة حالات تجاوزت فيها الجزائر مبدأ عدم التدخل، لكن على نحوٍ لا يلفت الانتباه كما يمكن أن يفعله “إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج”، كما تسميه مسوّدة التعديل الدستوري.

إنّ الأمر لم يكن متعلقًا بعائق دستوري موضوعي، لكنه لطالما تعلّق بتقليد ممارساتي، يتعاضد فيه التاريخ بالهوية بمدركات التهديدات الأمنية الخارجية لدى صانع القرار الجزائري. لذلك، فإن التعديل الدستوري قد لا يشكّل متغيرًا مساعدًا في فحص حدود التغير والاستمرارية في الموقف الجزائري من الأزمة الليبية، على النحو الذي يحاجّ به أنصار فرضية أنّ التعديل قد يفتح المجال أمام تدخل عسكري جزائري في ليبيا؛ بل ينبغي البحث في حجج خارج سياق النقاش بشأن الدستور:

  1. من منظورٍ تقليدي للأمن الحدودي، يقتضي تأمين الحدود وجود دولتين قائمتين قادرتين على جعل تلك الحدود آمنة ومستقرة على طرفيها. غير أنّ انهيار إحدى الدولتين يحوّل التخوم المشتركة بينهما إلى منطقة عدم استقرار. 
  2. من الواضح أنّ هذا ما ينطبق تمامًا على حالة الجزائر؛ إذ يؤدي انهيار الدولة في ليبيا منذ 2011، وفشلها في (شمال) مالي منذ 2012، إلى انكشاف الحدود الجزائرية الممتدة أمام تهديدات أمنية غير دولتية المصدر، تزيد من تكلفة تأمين الحدود؛ ما يجعل التخوم الجزائرية الشرقية والجنوبية الشرقية، خاصةً ذات الطبيعة الصحراوية جغرافيًا والقبَلية ديمغرافيًا، فضاءً خصبًا لنشاطات الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة بأشكالها كافة.
  3. يعني هذا أنّ المسألة، موضوع النقاش، لا تتعلق بالأزمة الليبية في حد ذاتها، بوصفها أزمة أمنية في الجوار الجزائري، بل تتعلق بعواقب انهيار الدولة في ليبيا على الأمن القومي للجزائر، وتحديدًا على استقرار تخومها – فضلًا عن حدودها – الشرقية والجنوبية الشرقية.
  4. لذلك، يمكن المحاجّة بأنه إذا كان للجيش الجزائري أن يتدخل في ليبيا (أو في غيرها من دول الجوار)، فمن غير المرجّح أن يتعدى التدخل حدود التخوم المشتركة على طرفي الحدود، مما يعني أنّ عملياته – في حال تنفيذها – ستكون سريعة ومحدودة زمنيًّا وجغرافيًّا، وستقتصر على مواجهة التهديدات الأمنية الناجمة عن الأزمة لا المساهمة في أي مجهود عسكري أجنبي يستهدف حل الأزمة في حد ذاتها؛ طبعًا إلا إذا تم ذلك “في إطار الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية” عبر المشاركة “في عمليات حفظ واستعادة السلام”، كما ينص عليه التعديل الدستوري. وحتى في هذه الحالة، من المرجّح أنّ صانع القرار الجزائري سيظل مثقلًا بإرث اللاءات المحدِّدة للسلوك الخارجي للجزائر، بما في ذلك حساب التكاليف الأمنية للمشاركة في عمليات عسكرية خارج الحدود.
  5. من المهم أن تُؤخذ توازنات القوى الخارجية المتورطة في الصراع الليبي في الحسبان. وهو عامل مؤثر على نحوٍ كبير في تقييد خيار تدخل الجزائر عسكريًّا في ليبيا. لذلك، يبدو خيار الجزائر بشأن التدخل عسكريًا محدود، فضلًا عن أن تدخلها من شأنه أن ينقض دعوتها لاعتبار الحسم العسكري خيارًا فاشلًا في حل الأزمة الليبية.
  6. من جهة ثانية، لا تستطيع الجزائر الوقوف ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا؛ لأن في ذلك نقضًا لتمسكها بالشرعية الدولية، كما أنّ هذا سيؤدي بها إلى الاصطدام بتركيا والتضحية بالتطورات التي عرفتها العلاقات الجزائرية – التركية خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الاصطدام بإيطاليا التي تُعدّ أيضًا شريكًا أساسيًّا لها في سوق الغاز الطبيعي.
  7. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الجزائر التدخل عسكريًا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني؛ لأنها ستجد نفسها في مواجهة مع روسيا التي تعدّ شريكًا استراتيجيًّا لها، خاصة على صعيد التسليح، ومع فرنسا التي يُخشى أن يهدّد ذلك بانهيار التنسيق الأمني المشترك بينهما في مالي.
  8. في سياق تقدير الجزائر لتوازنات القوى في الصراع الليبي، لا يمكن تجاهل الدافع الاقتصادي في مدركات صانع القرار الجزائري إلى جانب الدوافع الأمنية والجيوساسية. يبدو أنّ خيار دسترة إرسال قوات عسكرية خارج الحدود يدخل ضمن مساعي اكتساب القدرة على التحكم في إدارة نتائج الصراع المحتملة مستقبلًا على الجزائر.
  9. من ذلك على سبيل المثال أنّ الجزائر تحظى بعلاقات اقتصادية جيدة مع الإمارات العربية المتحدة، لا تقل أهميتها عن علاقاتها تركيا؛ ما يعني أنّ اتخاذ موقف حدّي على صعيد أطراف الصراع المحلية هو بمنزلة اتخاذ موقف على صعيد القوى الدولية المتدخلة. وهذا يعني أنّ خيار الدسترة في هذا الوقت جاء مدفوعًا بهذه التوازنات في علاقات الجزائر الخارجية على صعيد التعاون الاقتصادي مستقبلًا، ولا سيما في سياق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إثر انهيار أسعار النفط. ويبدو أنّ هذا الخيار من شأنه أن يسمح بتوجيه رسالة إلى هذه القوى تؤكد الآن، وبصورة ملموسة، أنه لا يمكن استثناء الجزائر من أي ترتيبات مستقبلية.
  10. إنّ وضع مادة الدستور، المعنية بالنقاش هنا، موضع التنفيذ لا يرتبط بالتعديل الدستوري نفسه – مع أنّ صيغة المادة تشدّد على أنّ التدخل يكون في إطار “المشاركة في عمليات حفظ واستعادة السلام” وتحت مظلة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية – لكنه يتوقف على مستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر؛ إذ إنّ قرار إرسال القوات المسلحة في عمليات خارج الحدود يتخذه الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه مشروطٌ بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان. لذلك، فمن المرجح أنّ دسترة مشاركة القوات المسلحة في عمليات عسكرية خارج الحدود إنما تأتي جزءًا من مساعي النظام السياسي لتوجيه رسالة فحواها أنّ الجيش في طريقه نحو الدمقرطة والخضوع لرقابة السلطة المدنية (ممثلة في البرلمان أو السلطة التشريعية)، فضلًا عن تحقيق المزيد من الشرعية داخليًّا من خلال الإحالة إلى التهديدات التي تتربص بالأمن القومي للبلد، إلى الحد الذي يتطلب تعديلاً دستوريًا، يغيّر العقيدة العسكرية للدولة.

لقد أكدت مجلة الجيش، التي تصدر عن وزارة الدفاع الجزائرية، على هذا البعد المتعلق بدمقرطة المؤسسة العسكرية، حيث شدّدت على “الشروط والضوابط”، التي يفرضها التعديل الدستوري على قرار رئيس الجمهورية بإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، المحكومة “بمصادقة البرلمان، خلافًا لما كان معمولًا به سابقًا”؛ إضافةً إلى التشديد على “الإقرار بسيادة الشعب الجزائري في اتخاذ قرار إرسال وحدات مسلحة [إلى الخارج] من خلال موافقته عبر ممثليه على مستوى السلطة التشريعية”؛ كما استعملت المجلة في سياق ذلك وبكل وضوح عبارة “إخضاع [مثل هذا] القرار للأطر الديمقراطية”. وتؤكد المجلة، ومن ثمّ المؤسسة العسكرية نفسُها، على استهجان “بعض القراءات والتحليلات التي تحدثت عن تغير جذريّ في العقيدة العسكرية للجيش الجزائري”، مشيرةً إلى أنّ التعديل الدستوري يوظف “مصطلح ’إرسال‘ و’مشاركة‘ للدلالة بشكلٍ عام على ضوابط اتخاذ القرار، لا سيما احترام المواثيق الدولية وخدمة الأمن والسلم العالمي، ولم يستخدم مصطلح ’التدخل‘ الذي يُعَدُّ أحد المصطلحات الشائكة […] لعلاقته الوثيقة بمصطلح السيادة، كما أنّ المسودة تحدثت عن ’عمليات حفظ واستعادة السلام‘ للدلالة على طبيعة المهام ولم تستعمل المصطلحات القابلة للتأويل على غرار ’عمليات عسكرية‘”.

خاتمة

تخلص هذه الورقة إلى أنّ تدخّل الجزائر عسكريًّا خارج حدودها وحجمَه مرهونان بطبيعة التهديدات المحدقة بأمن حدودها وأمنها القومي إجمالًا. ففي غياب تهديدات دولتية من قبيل حرب (إقليمية) واسعة النطاق، من المرجّح أن تكتفي الجزائر – إذا ما تدخلت عسكريًّا – بالتوغل لمسافات قصيرة خارج حدودها إما لمطاردة الجماعات الإرهابية أو لحماية القبائل، القاطنة على تخوم حدودها، ومنع تحولها إلى قواعد خلفية لتلك الجماعات. أما إمكانية المشاركة في قوات سلام متعددة الجنسيات فستظل خيارًا مرهونًا بحسابات المكاسب والتكاليف بالنسبة إلى الأمن القومي الجزائري.

أمّا في الحالة الليبية، فمن المرجّح أنّ الجزائر ستواصل العمل على استغلال ثقلها الدبلوماسي، غير المنحاز تاريخيًّا، مع التلويح بإمكانية التدخل عسكريًّا لحماية أمنها القومي. وفي نهاية المطاف، يبدو أنّ الجزائر تسعى إلى البقاء على المسافة الفاصلة نفسها من جميع أطراف النزاع، محليين وإقليميين.

___________