Minbar Libya

الجنائية الدولية توافق على التحقيق بجرائم ميليشياته في ليبيا، ماذا يعني ذلك؟

بقلم خير الدين الجابري وافقت المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء 7 يوليو/تموز 2020، على إرسال فريق للتحقيق بجرائم اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا. 

جاء ذلك وفق تصريح المتحدث باسم الخارجية الليبية محمد القبلاوي لوسائل إعلام محلية. الذي أضاف أن موافقة المحكمة جاءت بناءً على طلب لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، بشأن إرسال فريق للتحقيق بجرائم ميليشيا حفتر في ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس).

ففي يونيو/حزيران الماضي، دعا السراج المحكمة الجنائية الدولية إلى إرسال فريق بشكل عاجل للتحقيق بـ”جرائم ميليشيا حفتر”. وتعهد السراج، في رسالة للمحكمة الدولية آنذاك، باتخاذ كافة الإجراءات وتقديم المساعدة اللازمة لفريق التحقيق.

متى سيبدأ التحقيق؟ وما الجرائم التي سيتم العمل عليها؟

المسؤول الليبي أوضح أن “المدعية العامة للمحكمة الجنائية فاتو بنسودا تتوقع بدء مهمة الفريق في النصف الآخر من يوليو (تموز) الجاري، وتؤكد ضرورة التعاون مع السلطات الليبية”.

وسيعمل فريق المحكمة على التحقيق بمقتل وجرح العشرات جراء انفجار ألغام زرعتها قوات موالية لحفتر خلال معارك طرابلس، وكذلك اكتشاف مقابر جماعية تضم جثامين أكثر من 200 شخص في المناطق التي فرت منها ميليشيا حفتر، في ترهونة وجنوب طرابلس. وكانت حكومة الوفاق قد أعلنت في رسالة إلى مجلس الأمن الشهر الماضي، أن عدد المقابر الجماعية المكتشفة في ترهونة، وصل حتى الآن إلى 11 مقبرة، تم دفن بعض أصحابها أحياء، وبينهم أطفال ونساء.

ويوم الثلاثاء 7 يوليو/تموز الجاري، أعلنت الأمم المتحدة مقتل وجُرح 138 شخصاً في غضون شهرين، جراء ألغام زرعتها قوات حفتر. وفي 22 مايو/أيار الماضي، أعلن الجيش الليبي أن ميليشيا حفتر زرعت ألغاماً قبل فرارها من تمركزاتها بالمنازل في محاور صلاح الدين، والمشروع، وعين زارة جنوبي طرابلس.

ماذا تعني هذه الخطوة من قبل الجنائية الدولية؟

منذ أبريل/نيسان 2019، شنت قوات حفتر، بدعم من دول عربية وأوروبية، كالإمارات ومصر وروسيا وفرنسا، عدواناً على طرابلس، ما أسقط قتلى وجرحى بين المدنيين، بجانب دمار واسع، بالإضافة إلى وقوع مجازر استهدفت عشرات المدنيين خلال عمليات قصف متكررة نددت الأمم المتحدة ودول حول العالم.

وإذا تمت إدانة الجنرال حفتر ومَن حوله بهذه الجرائم -الذين صدرت بحق بعضهم مذكرات توقيف سابقاً- فمن المتوقع أن يمثل اللواء المتقاعد أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته كمجرم حرب، ومن المتوقع أن يسبب ذلك حرجاً كبيراً، وخطراً آخر على الدول والجهات الداعمة لحفتر، التي أمدّته بالسلاح والأموال لشن هذه الحرب الدامية.

إذ سبق أن أعدت وزارة العدل الليبية ملفاً كاملاً مرفقاً بأدلة قطعية تثبت تورّط الجنرال حفتر ومناصريه بجرائم ضد الإنسانية تم تقديمه للمحكمة، فيما كان قد صدر تقرير لخبراء من الأمم المتحدة، مكوّن من 300 صفحة في ديسمبر/كانون الثاني 2019، أكد توفر الأدلة بشأن مسؤولية حفتر عن مقتل 94 مدنياً في قصف نفذته طائراته على مدينة مرزق جنوب البلاد.

وبالإضافة إلى تأكيد مسؤوليته عن استهداف الأحياء بواسطة صواريخ “غراد”، فقد كشف التقرير الأممي عن جملة من الأدلة التي تثبت تورّطه أيضاً في مقتل أكثر من 60 مهاجراً سرياً جراء قصف طائرة مقر إيواء للمهاجرين في طرابلس مطلع يوليو/تموز 2019.

وكانت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، بنسودا، قد أعلنت في مايو/أيار الماضي، صدور مذكرات توقيف بحق متهمين بجرائم حرب مقربين من حفتر، منتقدة في الوقت ذاته عدم تعاون مصر والجنرال المتقاعد في تسليم المتهمين للمحاكمة.

وتعد قضية المقابر الجماعية الصادمة في ترهونة قضية هامة وأكبر تأثيراً من القضايا الأخرى التي سبقتها، إذ يمكن أن تعزز متابعة المحكمة الجنائية الدولية للوضع الليبي وتنقله لمرحلة جديدة، فالحجم المحتمل لعمليات القتل الجماعي، قد يفتح الباب لتوجيه مزيد من اتهامات لحفتر ومناصريه بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

فيما قد تفتح هذه الخطوة الباب أمام ملاحقات مباشرة وأكثر جرأة من قبل المحكمة الدولية للدول الداعمة لحفتر، على رأسها الإمارات، وذلك بحكم ما يتوفر للحكومة الليبية من أدلة ثبوتية عن جرائم الإمارات في ليبيا، والتي كان أبرزها شن غارات بواسطة طائرات مسيرة في طرابلس، وعلى مطاري معيتيقة ومصراتة، أدت لوقوع عشرات الجرحى والقتلى، بحسب ما أكد ذلك الحكومة الليبية.

هل سقطت ورقة حفتر؟

تأتي خطوة الجنائية الدولية هذه في وقت يتعرض فيه اللواء المتقاعد وقواته لخسائر متتالية، إذ حقق الجيش الليبي، سلسلة انتصارات في مواجهة حفتر مؤخراً، أبرزها تحرير كامل الحدود الإدارية لطرابلس، ومدينتي ترهونة وبني وليد، وكامل مدن الساحل الغربي، وقاعدة “الوطية” الجوية، وبلدات بالجبل الغربي، فيما يتأهب لتحرير سرت والجفرة.

ويتجه الملف الليبي للعودة إلى المسار السياسي، في ظل مؤشرات عديدة على أن العقبة الرئيسية في هذا المسار تتم إزاحتها بالفعل، وانحسار قوة الجنرال حفتر في ظل أحاديث عن بدء تخلي داعميه عنه، وتوجيههم له انتقادات لاذعة وعلنية لأول مرة.

ويبدو أن الإمارات باتت تعيد حساباتها وتسرع في عملية التخلص من حفتر وإيجاد بديل مدني له، إذ وصل بها الحد ولأول مرة لمهاجمة اللواء المتقاعد بعد سلسلة هزائمه الأخيرة، فقد انتقد وزير خارجية الإمارات أنور قرقاش بشدة حفتر الشهر الماضي في تصريحات صحفية، قال فيها: “لقد اتخذ بعض أصدقائنا قرارات فردية وأحادية الجانب، ولقد رأينا ذلك مع الجنرال حفتر في ليبيا”، واعتبرت تلك التصريحات أنها تعكس تغيراً كبيراً في سياسة الإمارات تجاه حفتر.

فيما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 29 يونيو/حزيران، أن بلاده لا تدعم زعيم ميليشيات شرق ليبيا خليفة حفتر، وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس الفرنسي بهذا الشكل المباشر وينفي تقديم الدعم للجنرال المهزوم.

وربما يكون تخلي الإمارات وفرنسا عن دعم حفتر، المؤشر الأبرز حتى الآن على قرب انتهاء دور “رجل شرق ليبيا القوي” كما كانت تسميه وسائل الإعلام الفرنسية، في ظل عودة لمعان نجم عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق، ومبعوثه الشخصي لدى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة وبريطانيا، المعين قريباً والمدعوم من الإمارات عارف النايض، كواجهة مدنية لشرق ليبيا، بدلاً من العسكرية التي رسمها حفتر طوال السنوات الماضية.

***

خير الدين الجابري ـ محرر صحفي في قسم التحليلات بعربي بوست، مختصص بشؤون الشرق الأوسط ومهتم بالتحليل السياسي

_______________