Minbar Libya

إعداد: أحمد محمد بسيوني

دخلت ليبيا بعد تحولات الربيع العربية في حالة من هشاشة المؤسسات، وضعف في توفير الاحتياجات الأساسية، فضلا عن النزاعات السياسية والعسكرية على طول مراحلها، وتزامن هذا مع ظهور نشاط فعال للمليشيات والجماعات الاجرامية، وازدياد دور الفاعلين من الدول وغير الدول في الداخل الليبي.

لذا يأتي في هذا الإطار، تقرير مشروع ” Eu listco ” الممول من برنامج Horizon 2020 للاتحاد الأوروبي، الذي يهتم بالقضايا التي تواجه أمن الاتحاد، حيث يشكل أمن واستقرار ليبيا أمر بالغ الأهمية بالنسبة له، لا سيما فيما يتعلق بأمور الهجرة والتطرف، لذا سيتناول التقرير الحالة الليبية منذ سقوط نظام القذافي، وطبيعة مناطق الصراع، وكذلك الاقتصاد السياسي المغذى الازمة، ودور الفاعلين الدوليين وغير الدوليين ومصالحهم في ليبيا، والتصور المرجح لأنهاء حالة الاستقطاب داخل المجتمع الليبي.

التنازع على السلطة والسيطرة:

يحاول التقرير فهم كيف وصلت ليبيا إلى مثل هذا الوضع الدرامي، بالتركيز على بداية الاحداث في ليبيا، والتي تأثرت كثيراً بثورات الربيع العربي، بقيام الاحتجاجات وخروج الناس إلى شوارع بنغازي للاحتجاج على الاعتقالات، والتي رأى التقرير انها تحولت من مجرد ثورة من قبل المجتمع الليبي مجتمع ضد النظام إلى حرب أهلية بين الجماعات المؤيدة والمناهضة للقذافي، والتي سرعان ما تحولت وتصاعدت إلى صراع مفتوح وعنيف بين طرفي نقيض، غزتها الحكومات الغربية بالتدخل في ليبيا عبر قرار مجلس الأمن رقم 1973، متجنبه مبادرة الاتحاد الأفريقي لمحاولة حل الازمة بالطرق السلمية، حيث تجمعت الحكومات الغربية في هدف واحد هو إسقاط القذافي، بكافة الوسائل متهمة إياه بمجموعة من التهم لتأجيج الرأي العام حوله، وكسب شرعية التدخل، فتم إطلاق اتهامات علنية باستخدامه لجنود مرتزقة للقتال الى جانبه، والذى اتضح فيما بعد عن طريق رئيس منظمة العفو الدولية أنه لم يكن هناك أي دليل على ذلك.

ويرى التقرير أن الدولة الليبية تكونت من مجتمع غير متجانس، حرص فيه النظام السياسي على تجنب أي محاولة لإنشاء هياكل للدولة بمعناها الحديث، واعتمد على عائدات نفطية لشراء الشرعية من المجتمع، ولكنه يرى أن عملية التحول الديمقراطي في ليبيا لم تكن رهينة نظام القذافي، الذى لم يكن نظام دكتاتوري سلطاوياً بالمعنى المتعارف عليه بجمع السلطات كلها في يده، لكنه انشأ نظام أقرب للنظام القبلي لإدارة الدولة، وربما تجلى هذا بعد زول نظام القذافي، في عدم ترجمة موت القذافي إلي انتقال ديمقراطي، ولكن تطورت الأوضاع إلي خلافات سياسية؛ في البداية بين تحالف القوى الوطنية وحزب العدالة والبناء، ثم بين حكومة الوفاق في الشرق، والجيش الوطني بقيادة “خليفه حفتر” في الغرب.

 ديناميكيات تطور الأوضاع ومناطق الصراع:

أصبحت ليبيا ساحة للعديد من الجهات الفاعلة في الداخل الليبي، والتي تعمل من عدّة مستويات مختلفة، فيمكن من ناحية التعامل معها على إنها جهات تعمل على توفير الأمن في المناطق الليبية بمساعدة السلطات المحلية أو بالنيابة عنها، ومن ناحية أخرى، لا يمكن وصف تحالفها مع  السلطات المحلية مع حكومة الوفاق الوطني أو الجيش الوطني الليبي ضمانًا لعدم مشاركتها في أنشطة غير مشروعة؛ فوفق تقارير الأمم المتحدة ترتبط بعض من هذه الجماعات بمجموعة من الأنشطة الغير مشروعة مثل تهريب النفط والمهاجرين.

وتتوزع الفصائل المتنازعة في الأزمة الليبية حسب مناطق السيطرة على ثلاثة أقاليم سياسية هي: “طرابلس”، “فزان “، “بنغازي”. ففي طرابلس تتواجد حكومة الوفاق الوطني، والتي بالكاد تمتلك القدرة على ممارسة سلطتها على العاصمة وسكان المدينة وخارجها، وتعتمد على مجموعة من المليشيات، لتأمين العاصمة والمناطق المجاورة، وأشهر تلك المليشيات، “قوة الردع الخاصة”، “كتيبة ثوار طرابلس”، “لواء النواصي”، “وحدة أبو سليم”، وتم ادماجهم فيما بعد داخل وزارة الداخلية والدفاع تحت مسمي “قوات حماية طرابلس”.

تسيطر تلك الميليشيات الأربعة على معظم اقتصاد العاصمة، وتعتمد في تمويلها على مصادر مالية مخصصة لها من قبل وزارتي الدفاع والداخلية، ولكن مع تطور سناريوهات الازمة والضغوط الاقتصادي على طرابلس من قبل الجيش الوطني الليبي، تقلصت الأموال المخصصة لتمويلهم من قبل الدولة، فبحثوا عن طرق أخرى لتمويل نفسها، تجلت في عمليات اختطاف، وفرض ضرائب على البنوك والسكان، مقابل الحماية والأمن.

أما إقليم فزان الواقع في الجنوب الليبي الذي كان دائمًا منطقة غير مستقرة، لأسباب تتعلق بموقعه على الحدود الجنوبية لليبيا، والمرتبط بتواجد قبليتي: “التبو” و”الطوارق” المسيطرة عليه، والموزعة بين عدد من الأقاليم في الجزائر ومالي ونيجيريا بفعل الحدود التي أوجدها الاستعمار، هي تعتبر أقلية مقارنة بعموم المجتمع الليبي.

وقد ساهم النظام في تغزيه الفرقة بين تلك القبلتين، لمحاولة تشتيتهم عن مطالبهم الانفصالية، فقد منحت الحكومة الليبية وضعًا خاصًا للطوارق، ووفرت فرصًا اقتصادية واجتماعية، وسمحت لهم بالانضمام إلى القوات العسكرية، بينما أساءت الحكومة معاملة التبو، واتبعت سياسات تمييزية ضدهم، مثل: تدمير منازلهم، وعدم منحهم حق الوصول إلى التعليم والصحة.

وبعد قيام الثورة الليبية نما الاحساس بهويتهم، وازدادت رغبتهم في لمّ شتات قبائلهم في الدول المختلفة خاصة الطوارق، والتي أثرت على الدول المجاورة، حيث طالبت الحركة الوطنية لتحرير أزواد -الجناح العسكري للطوارق- المتواجدة في مالي بالانفصال ودخلوا في صراعات مع دولتهم.

تغير وضع تلك القبائل في ليبيا، وتزايدت حالة العداء والنزاع بينهم، لأسباب عدّة منها أسباب اقتصادية، ترجع للسماح للتبو بتهريب الوقود والسلع بدعم غير مباشر من دول فعالة في الساحة الليبية بما فيها فرنسا، الساعية لكبح جماح الطوارق، لأسباب تتعلق بمصالح الفرنسية مع دول جنوب ليبيا؛ ونتيجه لهذا وقع صراع عنيف بين التبو والطوارق في عام 2014 في مدينتي سبها وأوباري بهدف فرض السيطرة.

حاول كلاً من حكومة الوفاق والجيش الوطني بناء تحالفات مع قبائل فزان المحلية بحجة ضبط المنطقة الحدودية ضد التدخل الإرهابي، ويعتبر السبب الرئيسي وراء هذه المحاولات للتحالف معهم، هو محاولة الجانبان السيطرة على الطرق الجنوبية لليبيا؛ حيث يعد الجزء الجنوبي ممر رئيسي لطرق التجارة الرسمية والغير رسمية من جنوب ليبيا إلي شمال أفريقيا، فضلا عن سيطرتها على أنشطة التهريب وحقول النفط، ومناجم الذهب، والذي يُشكل للجانبين دخل يستطيع من خلاله تمويل أعمالهم القتالية، لذا كان تقدم للجيش الوطني الليبي في الجنوب واستيلائه على حقل شرارة النفطي تغيير في موازين القوي الهشة بين التبو والطوارق، حيث يبدو أن الجيش الوطني بدا متحالفاً مع الطوارق لاستبعاد التبو، بعد ما كانت الطوارق متحالفة مع حكومة الوفاق من قبل.

أما عن الجهة الشرقية في ليبيا معقل الجيش الوطني الليبي بعدما كانت مرتعًا للجماعات الإسلامية، فقد كرس الجيش الوطني فيها جهودًا كبيرة لإرساء شرعيته عليها بالقوة والاستبداد، خصوصا بعد عملية الكرامة في عام 2014، وحرص على استبدال أعضاء المجالس البلدية، بحكام عسكريين موالين له، لظروف متعلقة بالحرب، وقد لاقى هذا قبول بين السكان المحليين، وذلك لحاجتهم لمن يوفر لهم لخدمات الأساسية والأمن.

ويعتبر حال شرق ليبيا مشابه للحال في مدينة طرابلس، حيث تعمل مجموعات مع الجيش الوطني رئيسية لتوفير الأمن بين الليبيين. وتعبر جماعة “السلفيين المدخلية” هي أكبر الجماعات الداعمة للجيش الوطني، إذ يستفيدون من تخالفهم معه كوسيلة لزيادة عدد أتباعهم، ونشر أفكارهم داخل المجتمع الليبي.

غير أن التقرير يجادل بوجود مؤشرات ترجح كفة تماسك الجانب الشرقي عن الجانب الغربي، وتؤشر على تصاعد الصراع العنيف وانهيار الحكم في الغرب، إلا أنه يتساءل عن مدي قدرة اقتصاد الجيش الوطني الليبي على تلبية حجات السكان المحليين، وتوفير الرواتب والعمالة للأشخاص في المجالات المتعلقة بقطاع الأمن.

الاقتصاد السياسي للنزاع في ليبيا:

يعتمد الاقتصاد الليبي إلى حد كبير على إيرادات النفط، الذي يشكل نسبة 90 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وكان لانعدام الأمن والمنافسة السياسية بين الفصائل المجتمع الليبي تداعيات سلبية على الإنتاج والاستثمار في قطاع النفط، فأصبح جزء من معادلة الصراع والسيطرة في ليبيا من خلال تهريبه، كما يشكل مصدر لدفع الرواتب وتمويل القتال، بين لحكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي، ويرى التقرير بأنه طالما أن القطاع الاقتصاد المحلي سيزال متخلفًا، فمن المرجح أن تفشل أي عمليات إنفاذ القانون أو التحسينات التقنية أو البيروقراطية، وتجعل تلك الجماعات يلجأون إلى أنشطة التهريب.

يظهر من بين هذه الأنشطة عمليات الاتجار بالبشر، حيث تقوم بعد المليشيات الليبية بعمليات بالاتجار بالبشر، رغم أن معظمها تعمل في نفس الوقت مع الجهات الدولية لمحاربة هذا الامر؛ هذه الازدواجية في التعامل ربما تفسير حرص هذه الجماعات على توفير العوائد المالية من جهة، و اكتساب القوة الإقليمية وشرعية الدولة من جهة أخرى، في ظل التنافس الشديد بين المليشيات على الاستمرار والبقاء، وهذا يفسر أن معظم مبادرات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه لم تساعد في إيقاف الاتجار بالبشر، ويدخل تعاملها مع جماعات لا تحمل سجلات قوية في مجال حقوق الإنسان، في المخاطرة بصورة الاتحاد ودوله وتصورهم كمتواطئون في انتهاك حقوق الإنسان.

كما أن التطرف والعنف، الذي كان مرتبطًا بشكل رئيسي بظهور داعش في مدينتي سرت ودرنة، ومدفوعًا بشكل أساسي بتدفقات المقاتلين الليبيين العائدين من سوريا، شكل القطاع الوحيد الذي يوفر فرص اقتصادية للشباب، حيث أدى إغراءهم بالرواتب والأسلحة إلى انضمام العديد منهم إلى الجماعات الإرهابية مثل داعش.

ساعد على هذا التخبط التميز في وصف الجماعات بين “راديكالية” وغير راديكالية، فمعظم المجموعات التي تعتبر تاريخيا راديكالية هي في الوقت الحاضر جزء من المؤسسة السياسية الجديدة في ليبيا، ومنتسبة إلى حكومة الوفاق الوطني، وينذر هذا الوضع بوقوع ليبيا في حلقة مفرغة، من عدم الأمن والعنف انعكست على المستوى الاجتماعي، هو ما سيخلق فجوات بين الأجيال بعد انتهاء الصراع، ويضعف فرص بدء مصالحة وطنية شاملة.

كذلك شكلت الهجرة نشاطًا اقتصاديًا آخر، فعلى الرغم من النزاع ظلت الهجرة إلى ليبيا القطاع الوحيد الذى لم يتغير تقريبًا، حيث تعتبر عمليات تهريب المهاجرين عمل مربح للعديد من الجماعات المسلحة والميليشيات، فليبيا تعتبر معبر سهل للعديد للذين يطمحون للوصول إلى القارة الأوروبية، غير أنه لا ينوي معظم المهاجرين إلى ليبيا المضي قدمًا الى أوروبا؛ ويرجع ذلك إلى المميزات التي تقدمها ليبيا للمهاجرين من خلال العمل في القطاع غير الرسمي، والعوائد المالية العالية، بسبب الاستقرار النسبي للدينار الليبي مقارنة بالعملات الأخرى في شمال أفريقيا.

دور الفاعل الخارجي في ليبيا:

عند الحديث عن دور الأمم المتحدة في ليبيا نجد انها ساهمت في دعم الانتقال السياسي السريع في ليبيا خاصة بعد الثورة، والدعوة الى انتخابات، ومحاولات الصلح بين الطرفين والتي تمخض عنها اتفاق الصخيرات عام 2015، لكن فشلت كل من هذه الإجراءات في التوفيق بينهما، ويمكن ارجاع هذا الى عددٍ من الأمور منها أن: من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية الذين كانوا يدعمون اسمياً جهود الأمم المتحدة يقدمون دعمًا خفيًا في الوقت نفسه إلى احد الجانبين، كذلك اقتصاد الحرب المزدهر في ليبيا لعب أيضًا دورًا مهمًا في الحد من الحاجة إلى الحوار والمصالحة بفضل الثروة الطبيعية الهائلة في ليبيا، وتشدد مواقف الفاعلين المحليين وزيادة ميلهم للبحث عن دعم خارجي، وعدم وجود استراتيجية سياسية واضحة أو جهود لتعزيز التعاون بين العديد من الجهات الخارجية المشاركة خاصة للاتحاد الأوروبي، فضلا عن موقف الولايات المتحدة من ليبيا والذى اظهر عدم اهتمام واضح بالصراع في ليبيا، والتركيز اكثر عن حملات مكافحة الإرهاب وتأثير قطاع الهيدروكربونات الليبي على الاقتصاد العالمي، وكذلك قرار الجنرال حفتر في أبريل من عام 2019 بشن هجومه العسكري على حكومة الوفاق الوطني، كل هذا لم يساعد هذا الجهود الدبلوماسية الدولية التي تبذلها الأمم المتحدة لاحتواء الازمة.

غير أن دور الأمم المتحدة ومبعوثها للسلام في ليبيا سيبقى مهم في السعي إلى تهيئة الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية لتحقيق الاستقرار في ليبيا، وهذا يتطلب الحاجة إلى الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، لتجنب انتقال الصراع الحالي من المجالات السياسية والعسكرية إلى استخدام المجال الاقتصادي لصالح احدى الأطراف.

أما عن جيران ليبيا الأفارقة، فتاريخياً كان ما يميز علاقات ليبيا مع جيرانها من جنوب الصحراء الكبرى هو توفير النظام الليبي للأمن الحدودي، ولكن بعد الثورة حاولت كل من الحكومات والجماعات المتمردة في كلا من السودان وتشاد، والنيجر خلق مناطق نفوذ داخل ليبيا، وخاصة في جنوب البلاد، فقد شعرت القوات الحكومية في تشاد والسودان بأنهم يحق لهم بطبيعة الحال عبور حدود ليبيا لمواجهة أنشطة المتمردين، وتوسيع سياساتهم في سياق عابر للحدود، وذلك عبر تقديم أسلحة لمساعدة ميليشيات للسيطرة على المناطق الحدودية القريبة منها، مثل المساعدات السودانية لقبائل “الزوي” العربية على استعادة السيطرة على طريق الكفرة السودانية من التبو، وكذلك سعى الرئيس “إدريس ديبي” المنتمي إلى قبيلة “الغزاوة” ، إلى بناء تحالفات مع بعض فصائل التبو في ليبيا للحد من توسع المتمردين الشاديين باتجاه الشمال، وسعى النيجر كذلك لبناء تحالفات مع التبو لخلق عمق استراتيجي لها، للوصول إلى مناطق تعدين الذهب الليبي.

وعلى الرغم من وجود اتفاقية بين النيجر وتشاد والسودان مع حكومة طرابلس، لتأمين الحدود المشتركة ومحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، في تقنين جزئياً لحلات التدخل الجنوبي في ليبيا، إلا انه اظهر هذا الاتجاه بوضوح أن جيرانها أقوى وضعا في هذه الشراكة من ليبيا وفاعلية في تلك المنطقة، كما ظهر شبه إجماع بين الحكومات والفصائل المتمردة، بعد سقوط نظام “عمر البشير ” إلى الوقوف جانب الجيش الوطني الليبي ،كوسيلة لمنع أي حكومة مرتبطة بالإخوان المسلمين من الهيمنة على ليبيا، ووقف تتدفق تدفقات الهجرة غير المشروعة نحو ليبيا، حيث يقود زعيم المتمردين النيجيريين ” “Barka Sidimiقوة عسكرية لحماية الحدود بين النيجر وليبيا، رغم تاريخه الطويل من التورط في الاتجار بالبشر.

اما عن الجانب الروسي الذي يحاول استغلال الأزمة الليبية في خلق مناطق نفوذ خارجي، على سواحل البحر المتوسط قريبة اكثر من أوروبا، من خلال العمل على البحث عن شركاء سياسيين راغبين في قبول الدعم الخارجي ذو سلطة وسيطرة على الأرض لتامين مصالحها، فروسيا كانت لها مصالح اقتصادية في ليبيا اثناء حكم القذافي، تحرص على استعادتها وزيادتها، واتضح هذا في وصول مقاولون عسكريون روسيون نشطاء في مجموعة RSB-Group”” للقيام بمهام المقاولات وتطهير المنشآت النفط التي استولت عليها الجيش الوطني، وربما تحسبا لحصة من عائدات الاستخراج، كما ساهمت في طباعة الأوراق النقدية بالدينار الليبي نيابة عن “مصرف ليبيا المركزي”، وفى العمل العسكري وصول ما لا يقل عن 300 قوة من مجموعة “Wagner Group” للمشاركة في الاعمال القتالية، والحديث عن محادثات مع الجيش الوطني حول الوجود العسكري الروسي الدائم في ليبيا وطلبات لإدارة قواعد روسية في طبرق وبنغازي، رغم انه توضح الدراسة أن الجانب الروسي يفضل نهجًا أكثر تعددية في التعامل مع جوانب الصراع، من خلال محادثات مع حكومة الوفاق لحاجته في إعادة استثمارات التي هي اكثر في الجانب الغربي، وللوصل لتسوية لازمة يضم تواجدها في المعادلة.

وتختتم الدراسة في الحديث على امكانيات علاج الازمة من خلال آليات المرونة على المستوي المحلى، بمعنى إجادة مساحة بين القوى الداخلية في ليبيا تستطيع من خلالها إجادة أرضية تشاركية بينهم، من والابتعاد عن سياسات الاقصاء المتبعة بين الأطراف، والتي ستلعب الجهات الفاعلة الخارجية دور في تعزيز هذه المرونة، بوجود رؤية مشتركة بينهم، خاصة بين دول الاتحاد الأوروبي.

كما ستعمل على تغذية الثقة الاجتماعية بإشراك المجتمع بجميع طوائفه في حوار، بما لديها تاريخ طويل من آليات الحوار المجتمعي بالطرق غير الرسمية، لذا سيكون من المهم إشراك المجتمعات القبلية والبدو في هذا الحوار، كما ستقوم إعادة هندسة المؤسسات والدولة، عن طريق تفعيل اللامركزية في الحكم، لتحسن شكل توزيع القوى في ليبيا دون السماح إلي تكرار الخطوط العرقية أو القبلية السابقة، كما سيعمل تواجد جيش موحد في تعزيز الحوار حول إصلاح قطاع الأمن، لكن ستظل تلك المرونة مرهونة بتوزيع العادل للموارد والقوة المالية، خصوصا في ما يتعلق بالتوزيع المتساوي لإيرادات النفط، وكذلك صعوبة قياس ما إذا كانت الميليشيات والجهات الفاعلة المحلية المختلفة في بعض المناطق ستقبل مثل هذه الترتيبات، فضلا عن ضؤل الحديث عن الثقة الاجتماعية في ظل السماح بالتواجد الاجنبي.

***

أحمد محمد بسيوني (باحث في العلوم السياسية)

_____________