Minbar Libya

بقلم بلال التليدي

يبدو أن الوضع في ليبيا أخذ يتجه إلى التوتر أكثر بعد أن ظهرت مؤشرات تصميم تركي ليبي على الاقتحام العسكري لسرت والجفرة، وضم الهلال النفطي لموارد الحكومة.

حكومة الوفاق، مع حليفها التركي، استثمرت الزمن بشكل قياسي لتحقيق تقدم عسكري في الأرض، بلغ حتى المناطق التي كان المحور الفرنسي المصري الإماراتي يعتبرها حمراء (قاعدة الوطية وترهونة)، بل حققت أكبر هدف استراتيجي لها، وذلك من انطلاق المفاوضات بين الفرقاء الليبيين للتوصل إلى حل سياسي، إذ لم تكتف بدحر قوات الجنرال المتقاعد حفتر، بل ألجأت الدول الداعمة والممولة له إلى التخلي عنه والتفكير في أوراق اعتماد جديدة تستعملها في مناوراتها القادمة.

بدأ الحراك أول ما ظهر مصرياً، إذ أخرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مبادرة للحل السياسي ترسم واقع التخلي عن الجنرال حفتر، وتقدم عرضاً سياسياً جديداً، يعترف بموقع مهم لحكومة الوفاق في أجندة الحل السياسي، لكن ضمن تركيبة أقاليم لا تتمتع مع مجموعها بالأغلبية.

لم تكن اللمسة الفرنسية غائبة عن مبادرة السيسي، وكان مقتضى الذكاء الفرنسي أن يتحقق بهذه المبادرة ثلاثة مقاصد، أولاً، جعل جزء من فكرتها يخرج من خارجها، أي من  طرف هو جزء من المنطقة ويشارك ليبيا الحدود الترابية. وثانياً، جس النبض عن درجة مصداقية مصر كوسيط بين الأطراف المتصارعة، لاسيما من طرف حكومة الوفاق. والثالث،  تهييء شروط فعل دبلوماسي ضاغط في المنطقة، يدفع في اتجاه التحذير من مخاطر سيطرة حكومة الوفاق على المنطقة، بل  التحذير من سيناريو تواجد الأتراك في المنطقة وسيطرتهم على مصدر أساسي من مصادر النفط بالمتوسط.

في البدء حاولت تونس والجزائر إبداء قدر من التحلل من الضغط الفرنسي، من خلال تصريح الرئيس التونسي قيس سعيد بأن الحل الليبي لا يمكن أن يكون إلا سياسياً ليبياً، ومن خلال تلميح الجزائر برغبتها وعزمها القيام بمصالحة تتمتع بأعلى درجات المصداقية والتأييد من قبل الطرفين، أما المغرب فقد بقي على موقفه الأول، أي اعتبار اتفاق الصخيرات المرجع النهائي للحل السياسي في ليبيا، بما يعني سلطة حكومة الوفاق على ليبيا، وإنهاء كل أشكال التدخل في ليبيا من أي جهة كانت. 

الموقف المغربي بقي ثابتاً لحد الساعة على ما كان عليه، في حين، لم تمر إلا أيام معدودة، حتى تغير الموقفان التونسي والجزائري بإيعاز فرنسي، فأدلى الرئيس التونسي بتصريح غريب تحدث فيه عن دور القبائل في مستقبل ليبيا، كما أدلى الرئيس عبدالمجيد تبون بتصريح أغرب من سابقه، زعم فيه أن الحكومة الحالية في ليبيا تجاوزتها الأمور، مشدداً على ضرورة الوصول إلى قيادة جديدة في ليبيا، لتظهر خلفيات هذا التحول بإعلان فرنسا عن موقفها بشكل رسمي، وحديثها عن دور للقبائل في رسم الحل السياسي في ليبيا.

ومع أن هذه التحولات في الموقف، والتي تؤشر على تحرك دبلوماسي فرنسي واسع على دول المنطقة، إلا أن الذي بررها في الواقع هو محاولة فرنسا وحلفائها في المنطقة تجاوز فراغ البديل بعد سقوط واحتراق ورقة الجنرال حفتر، وأن المحور الفرنسي المصري الإماراتي، الذي تحمل سقوط حفتر، لا يستطيع أن يتحمل رؤية القبائل تتحلل من تحالفاتها السابقة، وتعود إلى معسكر حكومة التحالف، ولذلك، حاولت فرنسا، بذكائها الأنثروبولوجي في المنطقة أن تحرك مصالح القبائل في السلطة والثروة من أجل أن توقف زحف التقدم العسكري.

تبنت فرنسا الحكمة الإنجليزية التي نطق بها تشرشل حين قال إن الدبلوماسية هي استمرار للحرب بطرق أخرى، فحاولت أن تضع حكومة الوفاق وحليفها التركي في الزاوية أمام المنتظم الدولي،  وتستخدم ورقة “الميليشيات” و”المرتزقة”  وورقة “المتطرفين السوريين” التي تزعم أن تركيا تجليهم من سوريا للقتال في ليبيا، من أجل تعبئة الاتحاد الأوروبي ليكون في صفها، وهو ما نجحت فيه فرنسا نسبياً، إذ لم يخف الاتحاد الأوروبي انزعاجه من التدخل التركي في ليبيا وألح على ضرورة خروج الميليشيات والمرتزقة من ليبيا، لكنه، رأى أن الحل السياسي ينبغي أن يأتي  بمظلة أممية.

 خطوات فرنسا لم يكن لها صدى على أرض الواقع، إذ استمرت تركيا في تحركاتها وزيارات كبار مسؤوليها لطرابلس بما في ذلك وزير دفاعها، بل فعلت هي الأخرى دبلوماسيتها المضادة، وتبنت مع حليفها (حكومة الوفاق) سياسة المزاوجة بين رفع البندقية باليد اليمنى، والاستعداد لرفع غضن الزيتون باليد اليسرى إن تبدت شروط حل سياسي على أرضية اتفاق الصخيرات يعترف بشرعية حكومة الوفاق.

لحد الآن، لغة الدبلوماسية لم تنجح، لأن دينامياتها متقابلة بين الطرفين، ولأن الفاعلين الكبيرين الأمريكي والروسي يتميزان بكثير من الغموض، الغموض في موقع روسيا من استراتيجية المحور الفرنسي المصري الإماراتي، والغموض في موقع أمريكا مما يجري في المنطقة.

الضربة الجوية التي استهدفت بها قاعدة الوطية، مع أن مصدرها مجهول لحد الآن، إلا أن الهدف منها معلوم، في مجال السياسة كما في الميدان العسكري، فثمة طرف ما، سواء روسيا بشكل منفرد، أو المحور الفرنسي المصري الإماراتي، يريد تغيير الخارطة العسكرية تحسباً لكل تفاوض سياسي، فبدل أن يتم التفاوض مع حكومة الوفاق وهي على مشارف اقتحام سرت والجفرة، يتم التفاوض معها وقد بدأت تخسر جزءاً مما كسبته في الأسابيع القليلة الماضية

تركيا رفعت التحدي عالياً، فبدأت تجهز لمناورة عسكرية ضخمة في شرق البحر الأبيض المتوسط، في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر في ليبيا، فتفيد المعطيات بأن البحرية التركية تستعد لإجراء مناورات على “الاستعداد القتالي” قبالة السواحل الليبية، ستستعمل فيها رموزاً عثمانية ذات إيحاءات سيميائية تاريخية معروفة، مما يعني وجود تصميم تركي على المضي في التحدي إلى أبعد مداه وعدم الخضوع للضغط الفرنسي ولا لتكتيكات المحور الفرنسي المصري الإماراتي.

ثمة نقاط قوة كبيرة عند تركيا، أولاها أنها تدعم حكومة شرعية هي ثمرة اتفاق الصخيرات، وهي مناط تأييد أممي ودولي، والثانية، أن تدخلها جاء في سياق احترام القانون الدولي، والثالثة، أن لها أوراقاً تفاوضية مع كل من روسيا وأوربا على خلفية الملف السوري، ولها أوراق تفاوضية أخرى مع أمريكا على أكثر من ملف،  وأنها إذا كانت في ليبيا وسوريا على منطقة اشتباك مع ورسيا، فإنها لحد الآن لم تصل معها إلى الاصطدام، وأن خلاف المصالح الفرنسية أو الأوربية مع روسيا يعطي لتركيا مساحة مهمة للمناورة، أما أمريكا، فدورها السلبي في ليبيا يجعل تركيا في أريحية كبيرة وذلك تحاول تركيا أن تستثير الجانب الأمريكي بل وحتى الجانب الأوروبي، بتحذيره من انفتاح الشهية الروسية في المنطقة،  ومع أنها خسرت تحول الموقف لدول الجوار الليبي (الموقف التونسي والجزائري) إلا أنها تعلم أن ذلك جاء في سياق الضغط الفرنسي، وأن تغير مواقع القوى سيدعم تحولاً ثانياً لهذه الدول لجهة الإقرار بأن سيناريو الحل هو في حكومة التحالف، لا في حكومة أخرى يمكن أن يشكل الصراع على تشكيلها ربما بوابة لجنهم.

***

بلال التليدي ـ كاتب ومحلل سياسي مغربي

___________