Minbar Libya

كان موظفو مؤسسة النفط الوطنية الليبية يحاولون التقاط أنفاسهم من يوم عمل زادته حرارة الصحراء شقاء، ففي نهار هذا اليوم شكّل الجميع ما يشبه خلية النحل من أجل إنجاز أكبر قدر من أعمال الصيانة في أكبر حقول النفط في ليبيا، حقل الشرارة الذي تبلغ طاقته 300 ألف برميل يوميًّا.

في ذلك المساء، ليلة الخامس والعشرين من يونيو (حزيران) 2020، وبينما كانوا غارقين في التفكير بآلية تعويض الإنتاج في الحقل، الذي أغلق في يناير (كانون الثاني) الماضي لخمسة شهور، سمعوا ضجيج قافلة من المركبات حطت في المقام من حولهم، ذهل الجميع، بمن فيهم العاملين في الشركات الأجنبية، بوصول مرتزقة روس وسودانيين لينضموا إلى ميلشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي تسيطر على الحقل، وأخذوا يلقون بعتادهم العسكري في المكان ثم أمروا الجميع بوقف كافة أعمال الصيانة واستئناف الإنتاج.

على الجانب الآخر، قبل أن تنضب الفرحة بالانتصارات التي حققتها قوات حكومة الوفاق في عملية «عاصفة السلام» التي انطلقت في مارس (آذار) الماضي، كانت جهود حكومة الوفاق تنصب حول آلية التصدي للدعم العسكري الروسي، الذي تمثل في 14 طائرة من طراز «ميج 29» و«سوخوي 24» في الشرق الليبي، حيث تقبع قوات خصمها حفتر، قبل أن يصلها خبر دخول المرتزقة الروس حقل الشرارة لتنتبه لحدث أخطر، وهو تعزيز السيطرة الروسية على الأصول النفطية الأثمن، وحرمانها من الإيرادات الحيوية، إذ تريد موسكو السيطرة على أمن تلك المنطقة واستخراج ونقل مواردها من الطاقة إلى أوروبا.

باعتبار النفط هو العمود الفقري لاقتصاد ليبيا، تمنح السيطرة على حقوله النفوذ لمن يتحكم في أصوله وموانئ نقله، لذا تريد الحكومة المعترف بها دوليًا الآن استرجاع الجزء الأكبر من حقول النفط التي يسيطر عليها حفتر، وكذلك تريد دول أوروبية لها نفوذها في ليبيا الحفاظ على حصتها النفطية أو أن تحظى باستثمارات مستقبلية، كفرنسا وإيطاليا وألمانيا.

نزيف النفط في ليبيا.. 5 مليارات دولار ضاعت في 5 أشهر

على عكس ما يمكن أن تحمله النزاعات المسلحة، نجت البنية التحتية للنفط في ليبيا من الدمار والتخريب منذ الثورة وحتى 2014، لكون الميلشيات المسلحة تجنبت استهداف المنشآت النفطية. وتمكن القطاع النفطي من المحافظة على إنتاجه لحد كبير، بفضل العمل الذي كانت تقوم به المؤسسة الوطنية للنفط بالشراكة مع عدة شركات أجنبية منحتها الاتفاقيات مع نظام القذافي حق التنقيب عن النفط الليبي واستخراجه، وأيضًا بفضل قيام الجهات الرسمية في ليبيا بتأمين الحدود وكبح جماح بعض الميليشيات المسلحة التي حاولت السيطرة على أصول النفط، وانتعش القطاع النفطي ليصل إنتاج النفط إلى 1.4 مليون برميل يوميًا في 2013، أو ما يقرب من 90% من مستويات الإنتاج قبل الثورة.

بيد أن العام 2014 كان مفصليًا، بسبب ما أفضى إليه الصراع بين حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًا، وبين قوات خليفة حفتر، التي تسمي نفسها الجيش الوطني الليبي.

عندما انقسمت البلاد بين حكومتين متنافستين، سعى حفتر للهيمنة على مبيعات النفط عبر خوضه معارك عسكرية متتالية، مكنته من الاستيلاء على معظم حقول ومنشآت النفط في الشرق الليبي، بما فيها حوض سرت الذي يمثل نحو ثلثي الإنتاج الليبي من النفط، ففي ذات العام انخفض إنتاج ليبيا من النفط إلى 150 ألف برميل يوميًا، بعد أن كان 1.6 مليون برميل يوميًا قبل الثورة، واستمرت قوات حفتر في معاركها للاستيلاء على المرافق النفطية في ليبيا، فاجتاحت في العام 2016 الجنوب الليبي وسيطرت على حقوله الرئيسية وهي حقل الشرارة والفيل.

رغم أن حفتر استطاع السيطرة على معظم حقول النفط، بقيت محاولاته لجني أموال النفط فاشلة، بسبب عدد من التشريعات المحلية والقرارات الدولية التي أوجبت أن يتم بيع النفط عبر المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي في العاصمة طرابلس، وعلى اعتبار أن تلك الهيئات هي الوحيدة المسموح لها ببيع النفط الليبي كان يتم إيداع عائدات المبيعات الشهرية في حساب مصرف ليبيا الخارجي ثم مصرف ليبيا المركزي بطرابلس لتوزيعها على الميزانية العامة للدولة.

في سبيل نزع تلك الأموال من حكومة الوفاق واصل حفتر وحلفاؤه مغامراتهم العسكرية، إذ تمثل صناعة النفط والغاز ما يقارب من 90% من إيرادات الحكومة.

أعلن اللواء حفتر في أبريل (نيسان) 2019 عن معركته للاستيلاء على العاصمة طرابلس، حيث مقرات المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي، مستكملًا بسط سيطرته على جميع حقول النفط الرئيسية في الجنوب الليبي، ومع سيطرته على حوض سرت الشرقي (موطن ثلثي إنتاج النفط الوطني) لم يتبق لحكومة الوفاق الوطني من الأصول النفطية سوى حقول بوري والجرف البحرية التي تنتج 100 ألف برميل في اليوم.

في المحصلة، أفضت سلسلة حصارات فرضها حفتر على البنية التحتية الرئيسية لإنتاج النفط والغاز في ليبيا، وآخرها حصار قواته لحقول وموانئ النفط في يناير الماضي، إلى انخفاض إنتاج النفط الليبي لأكثر من 80% خلال أسابيع فقط. وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إنها تسببت في خسائر مالية بلغت 4.94 مليارات دولار، ما بين يناير ومايو (أيار) من العام الحالي.

صراع دولي حول «كعكة النفط»

من بين من شهدوا ليلة الـ25 من يونيو، كان العاملون الفرنسيون في حقل الشرارة، عمال ومهندسو عملاق النفط والغاز الفرنسي شركة «توتال»، الذي كانوا يؤدون مهامهم في الحقل الذي تديره المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، بالشراكة أيضًا مع شركات أوروبية أخرى كشركة «ريبسول» الإسبانية، و«أو إم في» النمساوية، و«إكوينور» النرويجية.

أثار دخول عناصر قتالية من شركة «فاجنر» الروسية في ذاك اليوم ضغينة العاملين الفرنسيين وحكومتهم، إذ لم يكن سهلًا انضمام لاعب جديد إلى ساحة النفوذ التي احتكرتها فرنسا طوال عقود، خاصة أن الروس غير المرحب بهم جاءوا في وقت كانت تُشغل فيه الحكومة الفرنسية بالبحث عن آلية تمكنها من تعطيل عملية ترسيم الحدود المائية التي وقعت بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، والتي ترى فيها فرنسا، التي تعتبر ليبيا خزانًا لاحتياجاتها النفطية، سعيًا تركيًّا للسيطرة على منابع الغاز في شرق المتوسط.

كذلك، وبينما تتمسك فرنسا بمصالحها الاستراتيجية في ليبيا، الأمر نفسه تفعله إيطاليا، التي تعتبر ليبيا جزءًا من نفوذها الاستعماري الماضي، وبالتالي تهدد التحركات الروسية في حقول النفط جهود شركة «إيني» الإيطالية، التي تعد أكبر شركة مصدرة للبترول في ليبيا، فالشركة التي كانت أول شركة أجنبية تعود إلى التنقيب عن النفط بعد الثورة الليبية، تمثل ليبيا الآن 15% من إنتاجها العالمي.

بطبيعة الحال، يشكل تضارب المصالح السابق جزءًا هيّنًا من نزاع الوكالة للقوى الإقليمية في ليبيا، والذي تمثله الشركات المتمركزة في البلد الأفريقي، وهي شركات لها أدوار رئيسية في الصراع الليبي، ففي الوقت الذي دخل الروس بقوة إلى ساحة الصراع على النفط في ليبيا، كانت فرنسا، وكذلك إيطاليا وألمانيا وغيرها، تخطط لانتزاع حصة كبرى للتنقيب والاستكشاف والإنتاج والصيانة مع شركات تمثل مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا والجزائر وروسيا، وهي في مقام متقدم تريد تنويع مواردها وعدم الاعتماد بشكل رئيس على النفط الروسي، فكما تظهر إحصائيات عام 2016، تستورد أوروبا ما يقارب 70 في المئة من إجمالي احتياجاتها النفطية من روسيا.

بناء على التطورات الأخيرة، يعتقد الصحافي الليبي عماد الدين بلعيد أن التحركات الروسية الأخيرة سوف تتسبب في أن تدق نواقيس الخطر في العواصم الأوروبية، ومنها باريس وروما، فليبيا التي كانت على مرَّ التاريخ ساحة نفوذ لهم، أصبحت الآن بسبب تحركات حفتر مرتعًا لروسيا، وهذا «يهدد الأمن الاقتصادي والعسكري لحلف الناتو بأكمله، وكل ذلك دفعهم لتراجع عن مواقفهم السابقة الداعمة أو الصامتة عن حرب حفتر، والتوجه للبحث عن مخرج سياسي يضمن عودة الاستقرار لليبيا والسير في العملية السياسية»، بحسب بلعيد.

من سيكون صاحب النفوذ الأكبر؟

إلى جانب النصر العسكري الذي حققته قوات الوفاق في عملية «عاصفة السلام» وعلى رأسه استعادة قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية ومدينة ترهونة أوائل يونيو الماضي، حققت حكومة الوفاق إنجازًا اقتصاديًّا يتعلق باستئناف الإنتاج في أهم الحقول النفطية التي أغلقتها قوات حفتر في يناير الماضي كما أسلفنا.

فبعد إغلاق دام خمسة أشهر، استأنفت مؤسسة النفط الوطنية العمل في حقل الشرارة الذي يضطلع بإنتاج ما يعادل ربع الإنتاج الوطني حاليًا، ثم بعد يوم واحد فقط استأنفت إنتاج حقل الفيل (جنوب غرب طرابلس) الذي يدار باحتياطي يقدر على أكثر من 1.2 مليار برميل بين مؤسسة النفط الوطنية و عملاق الطاقة الإيطالي «إيني»، وبذلك أعلنت الوفاق «رفع القوة القاهرة على صادرات الخام من الشرارة والفيل»، والقوة القاهرة هي حكم قانوني يعفي الشركات من الوفاء بالالتزامات التعاقدية بسبب الأحداث الخارجة عن سيطرتها.

مدعومة بالمكاسب الأخيرة في ساحة المعركة، تدفع حكومة الوفاق الآن نحو التقدم إلى حقول النفط الرئيسية في شرق ليبيا، حيث لا تزال مدينة سرت المركزية تحت سيطرة حفتر، التي يمثل الوصول إليها محطة هامة في الطريق نحو الشرق، و يدرك قادة الوفاق أهمية سرت وما تعنيه في معركة استرجاع السيطرة على المنشآت النفطية والمحطات وحقول النفط الحيوية التي بقيت طيلة فترة السنوات الماضية مع حفتر تغلقها قواته والقبائل المتحالفة معه وقتما تشاء، لكن الوفاق تصطدم الآن بواقع مفاده أن قوات حفتر وحلفاءها التي كفت عن استهداف العاصمة طرابلس مستعدة للقتال حتى الرمق الأخير من أجل الاحتفاظ بالأصول النفطية في شرق سرت، وفي سبيل ذلك استقدمت بشكل عاجل في يونيو الماضي، مقاتلين روس من مجموعة فاجنر، و حط هؤلاء رحالهم في حقل «الشرارة» منضمين إلى قوات حفتر بعد أن أجبروا شركة النفط الوطنية الليبية على وقف الإنتاج داخل الحقل.

بالتأكيد، لم يكن هدف تعزيز السيطرة على حقل الشرارة هو فقط توجيه ضربة مالية ضخمة للوفاق بحرمانها من الإيرادات الحيوية، فروسيا التي تستفيد من غياب النفط الليبي عن الأسواق العالمية، أتت بعناصرها القتالية بغية تشتيت قوات حكومة الوفاق الآن عن الخطوط الأمامية لمعركة سرت، لكونها معنية لأقصى حد باحتفاظ حفتر بما في جعبته من حقول النفط الكبيرة، وموانئ التصدير الهامة، ذلك في سبيل تحقيق الاستراتيجية الروسية الساعية للتحكم بأمن الطاقة الأوروبي، ووصول روسيا إلى احتياطات النفط في ليبيا من أجل تنفيذ الخطة القائمة على زيادة تصدير النفط إلى الصين ليصل إلى 30 مليون طن سنويًا.

يرى الصحافي الليبي عماد الدين بلعيد أن الاتفاقية الأمنية مع تركيا منحت قوات الوفاق إمكانيات عسكرية عالية، مما مكنها من هزيمة قوات حفتر ومرتزقة فاجنر والجنجويد، وقدرة قوات الوفاق حاليًا تؤهلها للذهاب بعيدًا، حتى سرت والجفرة، وهما الممر نحو الهلال النفطي والورقة الأخيرة بيد حفتر.

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «المعادلة تتحكم فيها جزئيات مهمة، منها ما يمكن أن يصل له التفاوض الجاري بين حكومة الوفاق والجانب الروسي والذي أثمر عن إعادة تعيين سفير لروسيا في ليبيا يعمل من تونس، ومنها الخيار العسكري المطروح بقوة، إذ أثبتت قوات الوفاق قدرتها على التقدم بسرعة في حالة توفر الغطاء الجوي من الحليف التركي».

ويقول السياسي الليبي أحمد هدية أنه من الواضح من التحركات الأخيرة أن كل الداعمين لحفتر يريدون الضغط لإيجاد حل سياسي قبل تحرير سرت، وتقدم قوات الوفاق إلى الموانئ النفطية التي تعتبر سرت بوابتها وخط دفاعها الأخير، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «يطول الأمر كثيرًا ولن يدوم هذا الحال وسينفد صبر الجميع على ما يحدث من إقفال لتصدير النفط وسيأتي الحل إما بالطريقة السهلة أو الصعبة».

من المرجح أن تقاتل روسيا وحلفاء حفتر الآخرون بمرارة من أجل الاحتفاظ بسرت، لكون معركة المدينة الساحلية المركزية هي من ستحدد من صاحب النفوذ الأكبر المتحكم في حقول النفط في ليبيا، ومع ترجيح المراقبون خيار السير في مسار المحادثات السياسية بضغط من الولايات المتحدة التي أبدت تخوفًا كبيرًا من الدور الروسي في ليبيا مؤخرًا.

ويبدو أن الجمود سيستمر بينما يستعد الخصوم الليبيون واللاعبون الإقليميون لصراع طويل، إذ قد يحول وضع أسعار النفط العالمية وجائحة كورونا دون تحقيق نتائج عملية للدعم الدولي السلمي لليبيا، في ظل رغبة السعودية وروسيا قادة تحالف «أوبك» بكبح إمدادات النفط العالمية ورفع الأسعار، وهو ما قد يجعل الحشد العسكري هو الأقرب على الساحة الليبية.

_____________