Minbar Libya

بقلم عبدالعزيز الغناي

مَن يمارس لعبة الشطرنج يعي أن النقلات الأولى للقطع كالبيادق أو الحصان أو الوزير ما هي إلا بداية تموضع ورسم استراتيجية للهجوم، هجومٌ الغرض منه القضاء على الخصم، ومَن امتلك مبادرة الهجوم وضع خصمه تحت ضغط صد الهجوم بأقل الخسائر، لكن المهاجم لابد أن يكون على علم مسبق بأن أي ثغرة في هذا الهجوم قد يخترقها الخصم ستتسبب في هجوم مضاد لن يقتصر تأثيره على صد هجومه فقط، بل إلى نهاية وجوده بالكامل.

إنزال الحلفاء في نورماندي، خسارة النازيين في عملية بربروسا في الحرب العالمية الثانية فزحف السوفييت غرباً وثغرة شارون أو الدفرسوار الشهيرة في حرب مصر وإسرائيل 1973، أمثلة جلية حول ارتدادات خسارة معركة على نتيجة الحرب، أمثلة بالإمكان إسقاطها على حدث كبير ألا وهو الحرب على أسوار طرابلس بين محورين رئيسيين:

الأول بقيادة الإمارات (صاحبة المبادرة)، والثاني بقيادة الدول الداعمة لثورات الربيع العربي بقيادة تركيا، استفحل العداء بين هذين المحورين صراع بين العسكر والإسلام السياسي وبين الفكر العلماني والإسلامي وبين فرنسا وتركيا وبين الولايات المتحدة وروسيا، كل هذه الشبكة العنكبوتية تنسج خيوطها حول طرابلس الغرب (عاصمة ليبيا) وتصطف في أطر عسكرية ودبلوماسية لتحقيق غاياتها ومصالحها.

صراع المحاور

حقيقة الصراع بدأت مع تولي الرئيس المصري الراحل محمد مرسي رئاسة مصر ومن ورائه حزب الحرية والعدالة ذو الخلفية الإسلامية ومناصبة الإمارات العداء له، بل والإطاحة به بعد مرور عام فقط على توليه الحكم لصالح الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع في حكومة مرسي، دعمت الإمارات الانقلاب في مصر وبدأت تسوء العلاقات بين النظام المصري والنظام التركي القطري، وما يتبع هذا الاصطفاف الجديد من تبعات اقتصادية وجيوسياسية على قطر وتركيا في المنطقة.

استمرت الإمارات في هذا التحرك ودعمت الحرب على اليمن بمزاعم استرداد الشرعية ضد الحوثي، لكنها سرعان ما طعنت الشرعية ودعمت المجلس الانتقالي الجنوبي، كما أطاحت بطريقة غير مباشرة بحكم البشير في السودان ودعمت وصول العسكر لهرم السلطة هناك، بدا لهم أن ليبيا ليست بعيدة المنال أيضاً.

في السادس والعشرين من ديسمبر عام 2019 ومن تونس العاصمة صرّح وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي علي باشاغا بأن تونس والجزائر مستهدفتان بعد طرابلس بعدم الاستقرار، ويقصد أن المحور الإماراتي الذي هيمن على مصر والسودان وأجزاء من اليمن يسعى لإنهاء الحياة الديمقراطية في ليبيا وتونس والجزائر وإقصاء المناوئين له، ومن ثم التصرف بتفرد مطلق في جامعة الدول العربية وتوجيه الأنظار باتجاه قطر بعد زيادة عزلها، وتحقيق حلمها بالقضاء على حكم حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة.

تصريح باشاغا لاقى انتقادات لاذعة في وقته، خاصة أنه ربط مصير طرابلس وتحديداً حكومة الوفاق الوطني (الحكومة الشرعية في ليبيا والمعترف بها دولياً) بالأنظمة الحاكمة في تونس والجزائر، وإن كان تصريحاً يحمل قدراً كبيراً من الصراحة غير المطلوبة من هكذا مسؤولين إلا أنه كان تصريحاً واقعياً يدقّ ناقوس خطر إلى حد كبير، فإقصاء حكومة الوفاق المناوئة للإمارات وتمكين حفتر من هرم السلطة في ليبيا، كان خطوة أخرى على طريق الإمارات نحو النفوذ الإقليمي، بعد سيطرتها على مصر والسودان والبحرين واليمن، وتحجيمها للدور القطري في المنطقة ومطاردتها للديمقراطية في تونس والجزائر بمحاولات انقلاب وحراك شعبي مدفوع.

في ليبيا كان لابد من الصدام المسلح عكس مصر وتونس، وفعلاً حشدت الإمارات قواتها وحدث هذا الصدام على الأسوار الجنوبية لطرابلس، لكن التدخل التركي عبر الاتفاقية الأمنية والاقتصادية مع حكومة الوفاق غيّرت الموازين وقامت قوات الوفاق بعملية مضادة وحررت مدن الساحل وقاعدة الوطية الجوية وجنوب طرابلس وترهونة وبني وليد.

انتهت معركة طرابلس لكنها لم تحسم

نتائج معركة طرابلس لقيت صداها في عواصم عدة، ففي القاهرة أعلن الرئيس المصري السيسي عن مبادرة غريبة المعالم، تدعو لإنهاء حكومة الوفاق وتسليم أسلحة الجيش الليبي لحفتر وقواته، بينما نددت باريس بما سمّته التدخل التركي المزعزع للاستقرار في ليبيا، أما موسكو فأيدت إعلان القاهرة، فيما وجّهت روما أنظارها نحو تعاون محفوف بالمخاطر مع حكومة الوفاق.

لكن يبدو أن الحراك الدبلوماسي لن يكون له أي صدى على الأرض، فالوفاق استلمت زمام المبادرة وفعلياً أحدثت الثغرة استغلتها وحشدت قواتها باتجاه سرت والجفرة؛ في تصور المحور الإماراتي أن سرت والجفرة ليستا ذات أهمية في حد ذاتهما، لكن الخوف مما بعدهما، فالجفرة مفتاح السيطرة على الجنوب وتأمين حقول النفط، أما ما بعد سرت فهو الهلال النفطي الخالي نسبياً من السكان والمهم استراتيجياً واقتصادياً، وما يطلق عليه المعدة الليبية وشريان تصدير النفط.

بعد هذا التحشيد من قبل الوفاق أعلن السيسي خطوطه الحمراء في ليبيا، وقال صراحة إن تجاوز خط سرت الجفرة يعتبر بالنسبة للنظام المصري خطاً أحمر، وإن التدخل المصري في ليبيا أصبحت تتوفر له الشرعية، فيما وصفه مراقبون بأنه ليس خوفاً على الأمن الوطني المصري بل حرص على عدم اهتزاز نظام السيسي الغارق في المشاكل الاقتصادية والحقوقية وكارثة سد النهضة، وتنفيذاً لإملاءات إماراتية بالتصدي لتركيا.

مما لاشك فيه أيضاً أن المحور القطري التركي بأمسّ الحاجة للانتصار في هذه المعركة، فقطر في حالة خسارتها لليبيا ومن المتوقع أن تتبعها تونس، ستعيش عزلةً عربية حقيقية، وسيصبح الاصطفاف ضدها أكثر حدة في الجامعة العربية والمنطقة، كما أن تركيا بعلاقاتها المتدهورة مع أقطاب في شرقي المتوسط كإسرائيل ومصر واليونان تعيش عزلةً متوسطية تجلّت في اتفاقيات الغاز بين إسرائيل ومصر وقبرص واليونان، وكادت تخرج فعلياً من حفل تقاسم ثروات الغاز المهولة في المنطقة.

فرنسا تبحث عن مصالح يمكن أخذها عن طريق الإمارات وتستحيل عن طريق تركيا، أما روسيا فحربها على موقع يقضّ مضجع حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة ولا بأس أن تنغص عيش تركيا في ليبيا -كما تفعل تركيا لروسيا في سوريا- بمال إماراتي يسيل له لعاب مرتزقة فاغنر والدب الروسي.

ليبيا تقاطع مصالح أم معركة وجود؟

كل هذه التعقيدات موجودة فعلياً في الملف الليبي وتحديداً على أسوار طرابلس الغرب، ودون مواربة فالحرب حامية الوطيس ومن يخسرها يخسر الكثير بمنظومة ارتدادات الأحداث، خسارة المحور الإماراتي تعني زيادة توسع الدور التركي، وحدوث تقارب بين مصر وتركيا خاصة في قضية شرقي المتوسط، وتعثر مساعي سيطرة الإمارات على المغرب العربي، ولِمَ لا؟ خسارة الإمارات لدورها الإقليمي في اليمن والسودان.

خسارة فرنسا للمعركة تعني خسارة مقدرات نفطية ضخمة، وخسارة نفوذ جنوب ليبيا وخسارة التيار الخام للانتخابات الرئاسية، وتضعضعاً عاماً لمركز باريس وحضورها في أوروبا والمتوسط نظراً لرهانها على حصان خاسر.

الولايات المتحدة صاحبة الكلمة العليا واليد الطولى في ليبيا، لكن حيرتها بين حليف إقليمي كتركيا وحليف كالإمارات تجعلها تخطو بحذر، الخارجية والدبلوماسية الأمريكية لا تريد صداماً مع روسيا وتبحث عن خروج ناعم للروس من ليبيا، أما العسكر الأمريكيون فيرفعون الراية الحمراء لدخول الروس في ليبيا واستغلالهم القواعد جنوب المتوسط ما يعوق حركة مصالح الولايات المتحدة في إفريقيا.

إذا لم يُعِد التاريخ نفسه فإنه لن يخرج عن إطاره المألوف، فالبعد المغاربي الذي تمثل فيه طرابلس بوابته الشرقية هو مهدد فعلاً، ويوم كانت طرابلس متسيدةً على المتوسط كانت ترفدها تونس والجزائر في القرن التاسع عشر، رغم تقلب موقف الرئاسة الجزائرية من المشهد الليبي إلا أن تبون أعلن أن طرابلس خطاً أحمر، وهو يعي ما يقول لأنه إن سقطت في يد حفتر فستكون أبعد نقطة بين الجزائر وبين مصر هي مدينة غدامس على الحدود الليبية الجزائرية.

معركة طرابلس أشبه بحرب عالمية بين تكتلات سياسية وتيارات أيديولوجية وأرباب المال والاقتصاد والأبعاد الجغرافية والعرقية وامتدادات النفوذ الاجتماعية، معركة طرابلس ليست معركة بين خصمين ليبيين في الواقع بل هي حرب دولية وعالمية وإن كانت بالوكالة.

هل ستستفيد الوفاقمن الثغرة؟

نسبياً أصبح بإمكاننا القول إن معركة طرابلس قد انتهت لكن بدأت معركة أخطر ألا وهي معركة سرت، وستمثل فعلاً معركة المحاور الحقيقية، فالمحور الذي سيخسر معركة سرت سيخسر الكثير وفق مبدأ تأثر أحجار الدومينو. “الوفاق” تبحث عن إنهاء التمرد بالكامل وبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي، في ظل تحالفها مع تركيا وانحياز خجول من الولايات المتحدة تجاهها، أيضاً هي تبني آمالها على رسائل تصلها من شرق ليبيا بعدم رغبة في الانفصال ورغبة في بناء دولة مدنية دستورية، تركيا أيضاً تسعى لهذا فالمنطقة الاقتصادية بين ليبيا وتركيا وترسيم الحدود البحرية بين البلدين تقع حدودها على شواطئ بنغازي ودرنة.

من جانبها لن تتهاون الإمارات في السماح لمعارضيها بقتل حلمها الذي أنفقت عليه كثيراً وانتظرته طويلاً، فخسارتها لا تعني الهزيمة فقط بل ستطالها ملاحقات قانونية وجنائية بارتكاب جرائم حرب في ليبيا، كما أن نظام السيسي سيكون أمام خيارين: إما أن يعيد العلاقات مع تركيا على مضض وبتنازلات كبيرة، أو أنه سيدخل حرباً سيكون أول وأهم عواقبها التمويل، ومدى تقبل المجتمع الليبي لتهديد مصري بتغيير ديموغرافية إقليم برقة.

فرنسا لن تسمح لتركيا بامتلاك الكعكة الليبية وحدها مع إيطاليا، وستسخدم حزامها الجنوبي لليبيا ونفوذها في النيجر ومالي وتشاد لإقلاق الأتراك وإزعاجهم من حين لآخر.

***

عبدالعزيز الغناي ـ محلل سياسي ومهتم بالشأن العربي والإقليمي

_______________