Minbar Libya

محمد بندريس

محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن بواشنطن، قال للأناضول: -ثمة توافق بين أنقرة وحكومة الوفاق على ضرورة دحر قوات حفتر من موقعين استراتيجيين -أنقرة تجد تبريرات متعددة في الوقوف في صف حكومة شرعية تعترف بها الأمم المتحدة.

اعتبر أكاديمي مغربي مختص بتسوية النزاعات، أن “الأزمة الليبية في طريقها إلى التصعيد العسكري والارتباك الدبلوماسي على رقعة شطرنج متأرجحة ومتسارعة التطورات، لكن حكومة الوفاق أكثر تحكما”. وفي مقابلة مع الأناضول، قال محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن بواشنطن، إن “هناك الآن كثافة قياسية في تقلبات الأحداث الميدانية وبالتالي تذبذب ميزان القوة الهش بين الأطراف الخارجية ومعسكريْ طبرق وطرابلس”. واستدرك: “لكن تبدو حكومة الوفاق حاليا أكثر قدرة على التحكم في العمليات الميدانية والتقدم في مواجهة قوات خليفة حفتر، وأنها تعتزم بسط السيطرة على مدينة سرت على بعد 450 كلم إلى الشرق من طرابلس”.

وحقق الجيش الليبي انتصارات متتالية ضد مليشيا الجنرال المتقاعد الانقلابي، خليفة حفتر، حيث طردها تماما من محيط العاصمة طرابلس (غرب)، ثم حرر مدينة ترهونة، وبعدها بني وليد (180 كم جنوب شرق العاصمة). وأطلق الجيش الليبي، في 6 يونيو/ حزيران الماضي، عملية “دروب النصر”، لاستعادة مدينة سرت الساحلية (450 كم شرق طرابلس)، وقاعدة “الجفرة” العسكرية من مليشيا حفتر. وتدعم أنقرة الحكومة الليبية، المعترف بها دوليا، في مواجهة مليشيا الانقلابي، خليفة حفتر، المدعومة من دول عربية وأوروبية، والتي تنازع الحكومة، منذ سنوات، على الشرعية والسلطة في البلد العربي الغني بالنفط.

التحرك المصري في الميزان

وفي9 يوليوز/ تموز، بدأ الجيش المصري مناورات عسكرية قرب الحدود الليبية ضمن عملية “حسم 2020” تحت شعار “تأمين الحدود المصرية مع ليبيا”. وعن هذه المناورات، قال الشرقاوي إنه “بمنطق الصراعات، يمكن تفسير هذا التحرّك بأنه استعراض للعضلات وتلويح باستدامة الدعم لمعسكر طبرق (حفتر) والذي بدأ من صيف 2014”. وأضاف: “لكن المثير ما جاء في بيان المتحدث باسم الجيش المصري العقيد تامر الرفاعي أن “المرحلة الرئيسية شهدت قيام طائرات متعددة المهام بتأمين أعمال قتال القوات وتقديم المعاونة الجوية بغرض القضاء على عناصر المرتزقة من الجيوش غير النظامية”.

فهذا، وفق الشرقاوي، يعد مؤشرا على مخاطر توسيع الحملة بما يتجاوز “تأمين” الحدود، إلى “إمكانية تدخل عسكري في الأراضي الليبية، كما ألمح الرئيس عبد الفتاح السيسي في العشرين من الشهر الماضي”. وعادة ما تشير السلطات المصرية إلى وجود “مرتزقة” في غرب ليبيا تصفهم بـ”الإرهابيين”، غير أن الحكومة الليبية التي تسيطر على تلك المنطقة تنفي تلك التهم. وتعتبر الحكومة الليبية، مصر مساندة لمليشيا حفتر، الذي حاول السيطرة على مدار عام على العاصمة طرابلس مقر الحكومة وتلقى هزائم كبيرة.

انحسار دبلوماسي

ويرى الشرقاوي، أن “هناك قرينة زمنية واستراتيجية بين التحركات في شرق ليبيا، وقرار تركيا إنزال دورياتها للمناورات البحرية والجوية عبر ثلاث نقاط في الساحل الليبي”. وأضاف “ثمة توافق بين أنقرة وحكومة الوفاق في طرابلس على ضرورة دحر قوات حفتر من موقعين استراتيجيين: مدينة سرت الساحلية ومينائها والقاعدة الجوية في الجفرة. وثمة انفتاح لديهما في الوقت ذاته على المساعي الروسية للتوصل إلى هدنة مع قوات حفتر”. وأردف: “بمنطق الصراعات، دخلت الأزمة الليبية مرحلة الباب الدوار، وأيضا انحسار دبلوماسي جامد بسبب تراجع دور بعثة الأمم المتحدة وعدم تعيين مبعوث جديد بعد أن رفضت واشنطن ترشيح وزير الخارجية الجزائري السابق رمتان لعمامرة لهذا المنصب من قبل الأمين العام أنطونيو غوتيريش”.

أم المعارك

وحول توقعه لمسار معركة سرت، قال الشرقاوي إن “هناك دلالة استراتيجية ورمزية لمعركة سرت لأنها لا تختزل الميزان العسكري بين قوات حفتر وقوات الوفاق فحسب، بل تنم أيضا عن مؤشر أولي إلى أين تتجه السيطرة الميدانية بين التحالفات والجبهات المحلية والخارجية: حكومة الوفاق وتركيا مقابل محور طبرق وحفتر ومصر والإمارات”. وأكمل: “فيما تتباين الأدوار الثانوية بين الدول ذات المصلحة في الأزمة الليبية مثل فرنسا وروسيا والولايات المتحدة”. وأضاف: “تجسد معركة سرت أيضا مدى ارتفاع وتيرة التدخلات الأجنبية في ليبيا، وهي تدخلات غير مسبوقة كما وصفها الأمين العام للأمم المتحدة”.

ووفق الشرقاوي، فإن “معركة سرت قد تكون أم المعارك في تاريخ النزاع الليبي منذ 2011، لأنها ستزيد مدى انتهاك الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على تصدير الأسلحة إلى ليبيا بما سيعصف بقرارات مجلس الأمن وتعهدات الدول التي حضرت مؤتمر برلين في يناير/ كانون الثاني الماضي”. وتابع: “كلما اشتدت ضراوة هذه المعركة بين الجنود المحليين والدعم الخارجي في اتجاهات متعارضة، سيتم الابتعاد عن آفاق الحل السياسي، وبالتالي تظل الأزمة الليبية تتعثر في طريق الحسم العسكري، وهذا بعد غير واقعي مهما كان مستوى العتاد العسكري”.

الدور التركي

وحول الدور التركي في حماية الشرعية، قال الشرقاوي، إن “أنقرة تجد تبريرات متعددة في الوقوف في صف حكومة شرعية تعترف بها الأمم المتحدة في طرابلس وضرورية صد حملة عسكرية يقودها جنرال قادم من طبرق بمشروع السيطرة على الأراضي الليبية وإقصاء خصومه”. وأضاف: “قد نجد في المرآة توازيا مع الخطاب المقابل لدى مصر أو الإمارات أو أي دولة كانت أو لا تزال تدعم معسكر طبرق”. وقال خبير تسوية النزاعات: “نحن أمام تضاد في التصورات والسرديات في الدفاع عن شرعيتين متنافستين: شرعية الوفاق واتفاق الصخيرات مقابل شرعية انتخابات عام 2014 والمؤسسات السياسية والعسكرية التي قامت في ظلها”.

وأشار إلى أنه “أمام الأطراف أكثر من خيار إزاء ليبيا: إما التمسك بالمناورات ومنطق القوة في مسعى لتقويض قدرات المعسكر المنافس، أو استبدال منطق النزاع بمنطق المساهمة في صناعة السلام بين الليبيين وتحويل ما يعتبرونه وصاية تاريخية أو جغرافية أو استراتيجية إلى وصاية على العمل الدبلوماسي والبناء السياسي”. وختم: “مهما طال أمد الحرب الأهلية وتنافس الخطط الخارجية، لن يستقر الميزان لصالح كفة بشكل حاسم، بل سيتأرجح بين الحين والآخر في متاهة لا متناهية”.

ووقّع طرفا النزاع الليبي، في ديسمبر/كانون أول 2015، اتفاقا سياسيا بمدينة الصخيرات المغربية، نتج عنه تشكيل مجلس رئاسي، برئاسة فايز السراج، يقود حكومة الوفاق، إضافة إلى التمديد لمجلس النواب، وإنشاء مجلس أعلى للدولة، لكن حفتر سعى طيلة سنوات إلى تعطيل وإسقاط الاتفاق. وتقدم أنقرة الدعم للحكومة الليبية الشرعية تنفيذا لمذكرتي تفاهم للتعاون الأمني وترسيم الحدود البحرية شرق المتوسط، وقعهما البلدان في 27 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي.

*******

تصعيد سياسي وتحشيد عسكري متبادل

تحبس مدينة سرت (450 كم شرق العاصمة طرابلس) أنفاسها، استعدادا لمعركة تحريرها، والتي يعتبرها مراقبون معركة “الحسم” في ليبيا، في ظل تأهب وتحشيد عسكري متبادل لقوات الحكومة الليبية، المعترف بها دوليا، ومليشيا الجنرال الانقلابي المتقاعد، خليفة حفتر. وتعاني ليبيا، منذ سنوات، من نزاع مسلح دموي، فبدعم من دول عربية وغربية، تنازع مليشيا حفتر الحكومة على الشرعية والسلطة، مما أسقط قتلى وجرحى بين المدنيين، بجانب دمار مادي واسع.

ميدانيا

منذ أيام وسرت على صفيح ساخن، تحدد درجة حرارته عملية تحشيد عسكري متصاعدة للقوات الحكومية ومليشيا حفتر، إذ دفع الجيش الليبي، مؤخرا، بتعزيزات كبيرة إلى مناطق أبوقرين والوشكة قرب سرت، وفق مصدر عسكري مسؤول للأناضول. وأضاف المصدر، طالبا عدم نشر اسمه، أن معركة تحرير سرت قاب قوسين من انطلاقها، ولم تتحدد حتى اللحظة ساعة الصفر لبدء المعركة. وتابع أن الجيش الليبي استكمل كل التجهيزات المطلوبة، وينتظر التعليمات من القائد الأعلى للجيش، رئيس المجلس الرئاسي للحكومة، فائز السراج.

وأفاد بأن الجيش الليبي رصد انسحاب عناصر من مرتزقة “الفاغنر” (الروس) إلى شرق سرت، بعد استكمالهم لعملية تلغيم محيط المدينة وإعادة بعض تمركزاتهم.

ورجح أن مليشيا حفتر ستعتمد بالدرجة الأولى، في معركتها القادمة، على طائرات “ميغ29” الروسية، والألغام التي تم زرعها بمحيط سرت، لإعاقة تقدم الجيش الليبي. فيما أفادت مصادر مطلعة، فضلت عدم الكشف عن هوياتها، للأناضول، بوصول تعزيزات عسكرية لمليشيا حفتر لمدينة الجفرة (وسط)، بينهم مسلحون أغلبهم من مرتزقة “الجنجويد” السودانيين. وعزت هذه التعزيزات إلى “حماية قاعدة الجفرة الجوية، فهي غرفة العمليات الجوية لمليشيا حفتر، وتضم طائرات حربية ومسيرة (من دون طيار)”.

بالتزامن أعلن الجيش الليبي رصد وصول إمدادات عسكرية من مصر إلى مدينة طبرق شرقي ليبيا، لدعم مليشيا حفتر. وبث المركز الإعلامي للجيش الليبي، الأربعاء، صورة لسيارات نقل مخصصة لحمل الأسلحة والعتاد الحربي، يقف بمحاذاتها أشخاص يرتدون زيا عسكريا، من دون ذكر أي تفاصيل أخرى. بينما قال أحمد المسماري، المتحدث باسم مليشيا حفتر، في تصريح متلفز، إن “المعركة بشكلها النهائي قد تجد فيها أطراف أخرى”.

وأعلن المسماري، الثلاثاء، اقتراب “معركة كبرى” في محيط مدينتي سرت (شمال) والجفرة (وسط)، مشيرا إلى وجود تحركات كبيرة لقوات حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، بمحيط المدينتين. وعلى وقع تطورات ليبيا الميدانية، ثمة تحركات عسكرية مصرية قرب الحدود مع ليبيا، كان أبرز شواهدها مناورات “حسم 2020″، التي قال الجيش المصري إنها تستهدف “الاستعداد لما تمر به المنطقة من متغيرات حادة وسريعة”.

وشدد عبد الله المدني، المتحدث باسم الإعلام الحربي لعملية “بركان الغضب” الحكومية، الثلاثاء، على أن تحرير سرت والجفرة هدف رئيسي للجيش الليبي. وقال المدني، عبر حسابه بـ”تويتر”: “الآن حان الوقت لترك المواضيع الجانبية وتسخير كافة الجهود للعمليات العسكرية، لقطع دابر الشر من الغرب والجنوب الليبي”.

سياسيا

ولا يزال التصعيد السياسي في الداخل الليبي سيد الموقف، لا سيما بعد أن “أجاز” مجلس نواب طبرق، الموالي للانقلابي حفتر، لمصر “التدخل عسكريا” في ليبيا؛ بزعم “حماية الأمن القومي” للبلدين. وقال المجلس، في بيان الإثنين، إن “للقوات المسلحة المصرية التدخل لحماية الأمن القومي الليبي والمصري، إذا رأت أن هناك خطرا داهما وشيكا يطال أمن بلدينا”. ورفض مجلس النواب الليبي بطرابلس استدعاء التدخل المصري في ليبيا، معتبرا ذلك تفريطا في السيادة، وجريمة ترقى إلى الخيانة العظمى.

وقال أسعد الشرتاع، المتحدث باسم المجلس، في خطاب متلفز الأربعاء، إن هذا التدخل يمثل مصادرة لحق الشعب الليبي في تقرير مصيره، وخرقا لقرارات مجلس الأمن والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. واستنكرت الحكومة الليبية، الثلاثاء، قرار برلمان طبرق، وتعهدت باستعادة كامل أراضي الوطن، وإنتاج النفط، والضرب على الأيادي التي تعبث بقوت الشعب.

وحذر عضو المجلس الأعلى للدولة الليبي، عبد الرحمن الشاطر، من تداعيات إجازة مجلس نواب طبرق للقاهرة التدخل عسكريا في ليبيا، معتبرا ذلك دعوة لقتل المصريين بالرصاص لمن لم يمت منهم بالعطش جراء “سد النهضة”، في إشارة إلى الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن هذا السد على النيل الأزرق أحد روافد نهر النيل.

اتصالات إقليمية ودولية

خلال أيام قليلة، كثفت أطراف إقليمية ودولية مساعيها واتصالاتها لتغليب الحل السياسي على التصعيد العسكري في ليبيا. واتفق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، في اتصال هاتفي الثلاثاء، على “العمل بشكل وثيق كحلفاء لتحقيق استقرار دائم في ليبيا”. وجاء ذلك غداة اتصال بين أردوغان ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، تباحثا خلاله حول آخر المستجدات في ليبيا، واتفقا أيضا على مواصلة التعاون من أجل السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.

كما بحث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع نظيره الأمريكي، مايك بومبيو، في اتصال هاتفي الثلاثاء، التطورات الأخيرة في ليبيا. وشدد بوتين ونظيره الجزائري، عبد المجيد تبون، خلال اتصال هاتفي الإثنين، على ضرورة إحياء الحوار ووقف إطلاق النار بين الأطراف الليبية، استنادا إلى القرار الأممي رقم 2510 ومخرجات مؤتمر برلين (19 يناير/ كانون الثاني الماضي). وتزامن ذلك مع إعلان تبون رغبة الجزائر في استضافة جولات حوار بين فرقاء ليبيا، لوقف التصعيد العسكري والالتزام بمسار سياسي، وفق خارطة طريق تنتهي بإجراء انتخابات في مدة أقصاها ثلاث سنوات.

وقال وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، في مقابلة مع صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية نشرتها الأحد، إن الحكومة الليبية لا تقبل بوقف إطلاق النار؛ إلا في حال انسحاب مليشيا حفتر من سرت والجفرة، والعودة إلى خط اتفاق الصخيرات (السياسي لعام 2015). ولسنوات عمل حفتر على إسقاط اتفاق الصخيرات، وشن في 4 أبريل/ نيسان 2019 هجوما للسيطرة على طرابلس (غرب)، مقر الحكومة، قبل أن يطرد الجيش الليبي، في 4 يونيو/ حزيران الماضي، هذه المليشيا من مناطق كانت قد سيطرت عليها في العاصمة. وعلى عكس الحال حين كانت مليشيا حفتر تستولي على مدن ليبية، تتصاعد حاليا تحركات وضغوط لوقف إطلاق النار، في ظل تحقيق الجيش الليبي سلسلة انتصارت مكنته من تحرير المنطقة الغربية، باستثناء سرت، التي يتأهب لتحريرها.

_____________

المشهد الآن