بقلم نور علوان

صاغت الأزمة الليبية منذ بدايتها عددًا من الأسئلة الصعبة والسيناريوهات المعقدة، ومع موافقة البرلمان المصري مؤخرًا على تفويض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي “بإرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية للدفاع عن الأمن القومي المصري”، بحسب وصف بيان البرلمان، فإن البلاد الغارقة في الفلتان الأمني والفوضى السياسية تبتعد أكثر عن بوادر التهدئة أو التسوية.

يتزامن قرار البرلمان مع الوقت الذي يقترب فيه موعد العملية العسكرية التي من المتوقع أن تطلقها حكومة الوفاق الوطني لتحرير مدينتي سرت والجفرة وطرد قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر منها، ما يفسح المجال أمام تغييرات جديدة في المشهد العسكري من شأنها أن تضع مصر وتركيا في صدام مباشر، الأمر الذي سيزيد من زعزعة استقرار ليبيا الغنية بالنفط، كما يرى محللون.

بوادر التصعيد

تدعم مصر، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة وروسيا، الانقلابي حفتر الذي تخلى عن هجومه على العاصمة الشهر الماضي بعد أن كثفت تركيا دعمها لطرابلس، منذ عام 2014، ولا شك أن إرسال قوات من جيش المصري إلى منطقة النزاع يعد تطورًا سريعًا وتصعيدًا كبيرًا في النزاع الليبي، حيث جاءت هذه الخطوة بعد أن حذر السيسي من أي هجوم أو عمل عسكري على سرت أو قاعدة الجفرة الجوية الداخلية، مهددًا بالتدخل عسكريًا ضد القوات المدعومة من تركيا في ليبيا.

يجب قطع الدعم فورًا عن حفتر، فهو يخرب السلام والأمن ووحدة الأراضي الليبية

وحينها اعتبرت حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًا، هذا التهديد بمثابة “إعلان حرب”، منددةً بالتصريح المصري، أعقبت هذه التطورات مكالمة هاتفية بين الرئيس المصري ونظيره الأمريكي دونالد ترامب واتفقا على “الحفاظ على وقف إطلاق النار في ليبيا وتجنب التصعيد تمهيدًا لبدء المحادثات والحل السياسي”، بحسب ما أعلنت الرئاسة المصرية في بيان، لكن رغم تلك التهديدات، أكدت قوات الوفاق أن اقتحام سرت “أمر محسوب وقريب جدًا”.

البرلمان عبّر كذلك عن رفضه للقرار المصري، وقال: “نؤكد رفضنا التام لما جاء في قرار البرلمان المصري، الذي استند لدعوة غير شرعية ممن ينتحلون صفة مجلس البرلمان (في إشارة لبرلمان طبرق) وممن يدعون تمثلهم للقبائل الليبية”، وأضاف: “ندعو حكومة الوفاق إلى الاستعداد التام للرد على هذا التهديد سياسيًا وعمليًا ورصد كل الخيارات المتاحة للرد المناسب”.

كما دخلت الأمم المتحدة على الخط ورأت أن قرار البرلمان المصري “يعد مصدر قلق كبير”، محذرةً من إضافة “الكيروسين إلى النار”، وفق المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك.

تبعت هذه المواقف المتخوفة من التدخل المصري العسكري، استضافة العاصمة التركية أنقرة اجتماعًا ثلاثيًا عقده وزير الدفاع التركي خلوصي أكار مع وزير الداخلية والأمن القومي المالطي بيرون كاميلاري، ووزير الداخلية بحكومة الوفاق الوطني الليبية فتحي باشاغا، وقال خلاله أكار إنه يجب قطع الدعم فورًا عن حفتر، الذي قال إنه يخرب السلام والأمن ووحدة الأراضي الليبية.

هل نشهد صدامًا عسكريًا قريبًا في ليبيا؟

اعتبر وزير الخارجية التركي السابق يسار ياكيش أن ليبيا قد تتحول إلى منطقة مواجهة مباشرة بين تركيا ومصر، مشددًا على ضرورة وقف التوتر وإعطاء الأولوية للدبلوماسية، فقد تصل المسألة إلى “صدام عنيف” بين الجانبين التركي والمصري.

أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سابقًا إلى أن هدف تركيا ليس “القتال” ولكن “دعم الحكومة الشرعية وتجنب مأساة إنسانية”.

فمع تقدم قوات حكومة الوفاق الوطني، اتخذ الرئيس المصري منعطفًا عدوانيًا، محذرًا من أن المدينة الاستراتيجية في سرت وقاعدة الجفرة الجوية “خطًا أحمر للقاهرة”، إلا أن ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي، يقول: “لدينا معلومات بأن الجيش المصري يرفض خوض أي معارك ضد الجيش التركي أو ضد الجيش الليبي الشرعي، على الرغم من أن الإمارات وفرنسا و”إسرائيل” يدفعون السيسي بكل قوة نحو خوض حرب ضد تركيا من أجل إضعاف الجيشين التركي والمصري”، لافتًا إلى أن التهديد الحقيقي لمصر يأتيها من شرق ليبيا وجنوبها وليس من غربها.

وأشار كذلك إلى تمسك أنقرة بموقفها تجاه الأزمة الليبية وامتلاكها خططًا ميدانية وسياسية لمواجهة أي تهديد في الميدان، ومع ذلك أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سابقًا إلى أن هدف تركيا ليس “القتال” ولكن “دعم الحكومة الشرعية وتجنب مأساة إنسانية”.

في هذا السياق، قال حسن نافع أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة “من المستبعد جدًا أن تدخل مصر حربًا مباشرةً في ليبيا”، وأضاف “رسالة السيسي كانت سياسية أكثر منها عسكرية”.

وساندته في الرأي كلوديا جازيني، من مؤسسة الفكر الدولية للأزمات ومقرها بروكسل، بقولها إن موقف السيسي السياسي الحاد كان بمثابة تحذير “لتنبيه الأمريكيين بشكل رئيسي” للدور التركي في ليبيا، معتبرةً التدخل العسكري المصري “مبادرة عالية المخاطر”.

إضافة إلى كريم سالم، الخبير الليبي في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهي منظمة مناصرة مقرها جنيف الذي قال: “لا أعتقد أن مصر ستشن الحرب حتى لو دخلوا المنطقة الشرقية، فلن يذهبوا إلى مسار المواجهة. في الوقت الحاليّ، إنها طريقة للدفع من كلا الجانبين لإخلاء سرت والجفرة من الوجود العسكري”.

تكاليف التدخل المصري العسكري

تباهي مصر بكونها تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط مع ما بين 438 و458 ألف جنديًا، وفقًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وهي من بين أكبر المستفيدين من المساعدات العسكرية الأمريكية، حيث تلقت ما يقرب من 1.3 مليار دولار. وفي شهر مايو/أيار الماضي، وافقت واشنطن أيضًا على صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار لشراء طائرات هليكوبتر هجومية لمصر.

تزود أيضًا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مصر بالتمويل اللازم للحفاظ على آلة الحرب المصرية في ليبيا، بينما تقدم روسيا وفرنسا الأسلحة، ولدى روسيا أيضًا قواعد عسكرية خاصة بها في شرق ليبيا، وهي نقطة يمكن أن تردع تركيا عن التقدم كثيرًا في مجال نفوذ مصر.

مصر تواجه حاليًا تهديدين أمنيين رئيسيين: متشددون مرتبطون بتنظيم داعش في شبه جزيرة سيناء وخطط إثيوبيا لملء سد النهضة الكبير، الذي يشكل تهديدًا فوريًا لحصة مصر من مياه النيل.

ومع ذلك في حالة بدء نزاع عسكري بين مصر وتركيا في ليبيا، سيكون له تكلفة مالية باهظة لاقتصاد القاهرة وسينتهي الأمر ببساطة باستنزاف مواردها دون كسب أي ميزة، مما قد يؤدي إلى مواجهة طويلة الأمد، فإن مثل هذا التصعيد الخطير بين هاتين القوتين العسكريتين الرئيسيتين هو بالتأكيد أمر غير مرغوب فيه لأي من الجانبين بالنظر إلى مدى تكلفته وخطورته على الأرجح.

بالإضافة إلى ذلك، إن مصر تواجه حاليًا تهديدين أمنيين رئيسيين: متشددون مرتبطون بتنظيم داعش في شبه جزيرة سيناء وخطط إثيوبيا لملء سد النهضة الكبير، الذي يشكل تهديدًا فوريًا لحصة مصر من مياه النيل.

تسير الحكومتان الآن في مسار تصادمي، ولا أحد يريد أن يرى تصعيدًا عسكريًا في ليبيا، وبالنظر إلى توقعات المحللين السابقة وحساب التكلفة الباهظة للصراع العسكري، قد تكون هذه التطورات مجرد حافز للتسوية السياسية اللازمة لمنع أي مواجهات ميدانية بين البلدين في ليبيا.

********

هل تدفع دول غربية لمواجهة مصرية تركية في ليبيا؟

بقلم صلاح الدين كمال

في ظل تصاعد التوتر بالساحة الليبية، يبرز تساؤل حول دور الدول الغربية في تأجيج أو تخفيف حدوث مواجهة بين تركيا الداعمة لحكومة الوفاق الليبية، ومصر الداعمة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

وتصاعدت حدة التصريحات بين مصر وتركيا حول الخطوة الميدانية القادمة في البلد الغني بالنفط، ففي حين استكملت حكومة الوفاق الجهوزية الميدانية لاستعادة مدينتي سرت والجفرة، تحركت الرئاسة المصرية لمنع ذلك باعتباره “خطا أحمر”، وهددت بالتدخل العسكري في ليبيا، ومهدت لخطوتها بأخذ موافقة من مجلس النواب المصري، وما أسمته تفويضا من “قبائل ليبية”.

وتعد ليبيا، ومنذ عام 2011، مسرحا لتدخلات دولية وإقليمية تتعقد فيها المصالح والدوافع السياسية والاقتصادية، تبلور بدعم عدة دول لأطراف الصراع الداخلي، وقطبيه الحاليين حكومة الوفاق في مقابل قوات خليفة حفتر.

وخشية من تدحرج الأمور لمواجهة عسكرية في ليبيا، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالات في اليومين الماضيين مع الإمارات وفرنسا ومصر (داعمي حفتر) من أجل “خفض التصعيد والتوتر”.

موقف واشنطن الحاسم

ويقول الخبير في الشؤون الأوروبية حسام شاكر إن الرهان الدولي المعني بالمشهد الليبي يتم من خلال “وسطاء وحرب بالوكالة”، ويؤكد أن “اندفاع الموقف المصري إلى التأزيم اللفظي مع تركيا يأتي متساوقا مع اتجاهات أوروبية ترى أهمية تحجيم الدور التركي المتصاعد في ليبيا”.

لكن شاكر، في حديثه لـ”عربي21″، يرى أن الدور الأمريكي المطل حاليا في المشهد، والذي يأتي في صورة “تنسيق واضح” مع الجانب التركي “قد يلجم أي سلوك مصري معاكس”.

ويضيف: “يمكن أن تراهن أطراف أوروبية على تأزيم مصري تركي في ليبيا، لكن العامل الأمريكي حاسم هنا على الأقل بالنسبة للجانب المصري، الذي لا يستطيع أن يتجاوز الإرادة الأمريكية في حساباته العسكرية”.

وأردف: “الاتصالات التركية الأمريكية تضعف الحضور الأوروبي بشكل أو بآخر، خاصة بعد أن اجتهدت القوى الأوروبية بمنافسات في ما بينها، تحديدا إيطاليا وفرنسا، ولسنوات طويلة على الرقعة الليبية”.

كما يشير إلى أن التواصل التركي مع الجانب الروسي من أجل “إدارة العلاقة في ليبيا”، يقلل من فرص “استعمال الأدوار الإقليمية في الصراع مع الجانب التركي”.

ويُعتبر الدور الفرنسي العامل الأهم في الدفع باتجاه مواجهة مصرية تركية بليبيا. ووفقا للخبير السياسي فإن “دور فرنسا مجرب طويلا في لبيبا، ولم يستطع أن يسحم الموقف، وكان جزءا من تأزيم المشهد. ومن المستبعد أن يكون لتعويل فرنسا على الدور المصري أثر ملموس في المعادلة الليبية”.

ومع تأكيد شاكر على أن “الاحتمال الواقعي لمواجهة تركية مصرية في ليبيا محدود جدا بل ومستبعد”، إلا أنه وحتى لو بقي “الاحتمال قائما”، فإن “المشهد الليبي يبقى متحركا” على سيناريوهات عدة.

ويعتقد شاكر أن إحدى الاحتمالات المفترضة أن تتلاقى المصالح المصرية التركية في ما يتعلق بشرق المتوسط وتقسيم الحدود البحرية، وهي المسألة التي كانت محل “خلاف بين اليونان ومصر في الفترة الأخيرة، إذ لم يتفقا على ترسيم الحدود”.

وبالتالي “يمكن افتراض أن التصعيد المصري الحالي هو تصعيد تفاوضي، خاصة أن الخبراء المصريين معنيون بحفظ المصالح القومية في مياه المتوسط”، وفق ما قاله شاكر.

مصالح داعمي المواجهة

من جانبه، يؤيد الباحث في العلاقات الدولية جلال سلمي أن “فرنسا هي الدولة الوحيدة التي تدفع باتجاه مواجهة مصرية تركية في ليبيا”.

وفي حديثه لـ”عربي21″، يتفق سلمي مع أن واشنطن “لا تدعم القاهرة في الحرب بلييبا”، وأن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية تستند إلى “الاحتكام للتحالفات الإقليمية، وتعتبر تركيا حليفا للولايات المتحدة، وتلقى دعمها في سبيل احتواء وتطويق الدور الروسي”.

وما يهم واشنطن في ليبيا هو “استمرار التدفق النفطي”، وألا يعود نشاط الجماعات المتطرفة والتي تصفها بـ”الإرهاب” للعمل في ليبيا”، وفق ما قاله الباحث في العلاقات الدولية.

أما عن مصالح فرنسا في تأجيج التصعيد بليبيا، فيشير سلمي إلى أن باريس “لا تريد للدور الروسي أن يتصاعد على حسابها هناك”.

ولوّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، بـ”توسع نفوذ روسيا وتركيا في شرق البحر المتوسط” كتهديد لمصالح “الطاقة والأمن” الأوروبية، وطالب الاتحاد الأوروبي بالرد على “هذه الاستفزازات”، عبر فرض عقوبات على “منتهكي المجال البحري اليوناني والقبرصي”.

وقال ماكرون: “سيكون من الخطأ الجسيم أن نترك أمننا في منطقة البحر المتوسط في يد أطراف أخرى. هذا ليس خيارا لأوروبا وهذا شيء لن تدعه فرنسا يحدث”.

ويبين سلمي أن فرنسا تبنت سياسة “الحسم الصفري عبر التدخل العسكري في ليبيا”، فيما تبنت روسيا سياسة “الحسم الحواري والنسبي، وأخذ المصالح المشتركة مع الخصوم بعين الاعتبار”.

كما أن فرنسا ترى بأن التدخل الروسي يحاول الاستناد على الشرعية البرلمانية الموجودة بطبرق، على العكس من تدخلها عن طريق حفتر غير الشرعي. ونظرا لهذا التصادم على الشرعية “تدفع فرنسا بمصر باتجاه التدخل العسكري”، وفق ما قاله سلمي.

ويعتقد أن “فرنسا والإمارات لديهما أمل من خلال إظهار القوة بتشكيل أوراق ضغط لتحقيق بعض المصالح في ليبيا”، وتحاول فرنسا “إقناع الأطراف أنها فاعل قوي لا يمكن تجاهله، في سبيل الحصول على بعض اتفاقيات النفط في ليبيا”.

وعن سبب عدم دعم أمريكا لفرنسا بدلا من تركيا في مواجهة الدور الروسي، يوضح سلمي أن واشنطن “لا تريد سياسة الحسم والحروب، لأن تصعيد فرنسا يعني تصعيدا روسيا وتركيا في المقابل”.

أما الجانب اليوناني فهو يدعم المواجهة في ليبيا، خوفا على مصالحه البحرية في شرق المتوسط، بحسب ما ذكر سلمي.

وتعتبر أثينا اتفاق ترسيم الحدود بين حكومة الوفاق والحكومة التركية الموقع في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والذي يسمح لأنقرة بالتنقيب عن الثروات الطبيعية في شرق المتوسط، بمثابة “تهديد لمصالحها، و يخترق الجرف القاري لجزيرة كريت اليونانية”.

أما الموقف البريطاني، فهو “أقرب لتركيا من فرنسا في المتوسط”، وفقا لسلمي الذي أوضح أن “للندن قاعدة عسكرية في قبرص، ومن مصلحتها أن يكون الأتراك هناك، كما أن الأتراك دعموا بريطانيا في البلطيق ضد النفوذ الروسي، مقابل تقديمها دعما لتركيا في المتوسط”.

__________