Minbar Libya

بقلم علي حسين باكير

يُكثر المصريون مؤخراً من الحديث عن “الأمن القومي”، لكن المفارقة أنّ تخصيص هذا المفهوم يقترن غالباً بالحديث

عن الوضع في ليبيا. يحاول المسؤولون المصريون تضخيم خطر غير موجود بدعوى أنّ قوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً هي مجرّد مليشيات وجماعات إرهابية، وأنّ هذه الجماعات تشكّل خطراً عابراً للحدود بشكل يُهدّد الأمن القومي المصري.

مبررات ضعيفة

يتناقض مثل هذا الادّعاء مع حقيقة أنّ المليشيات الموجودة داخل الأراضي الليبية على الحدود مع مصر هي المليشيات والمرتزقة التابعة لخليفة حفتر وتضم مقاتلين من تشاد والسودان وروسيا وأوكرانيا وصربيا وسوريا وجنوب أفريقيا وعدد آخر من الدول. هذا يعني أنّه إذا كان هناك من خطر حقيقي على أمن مصر، فلا بدّ أنّه سيأتي من هذه المجموعات التي تتمركز على الحدود مع مصر وليس من أي أحد آخر.

لكن إذا ما افترضنا جدلاً أنّ الادعاءات المصرية صحيحة، فلا يُفسّر المصريون كيف بإمكان قوات حكومة الوفاق الوطني التي تتمركز على بعد يزيد على الـ١١٠٠ كلم عن أقرب نقطة عن الحدود المصرية أن تُشكّل خطراً على الأمن القومي المصري. علاوةً على ذلك، يمكن للمراقب أن يلاحظ أنّ تضخيم المسؤولين المصريين للخطر الليبي المزعوم يزيد مع تزايد المخاطر الحقيقية على الأمن القومي المصري.

حالياً، تواجه مصر تحدّيات كبيرة تتمثّل بشكل أساسي في وضع نهر النيل والعلاقة مع إثيوبيا، والوضع الاقتصادي في البلاد، والوضع الأمني في سيناء. ولإخفاء عجزه وفشله في التعامل مع هذه الملفات الخطيرة والحساسة بالنسبة إلى الدولة المصرية والشعب المصري، يلجأ النظام المصري إلى تشتيت انتباه الناس من خلال اختلاق خطر قادم من ليبيا، والتهديد بتدخل عسكري هناك بحجّة “الأمن القومي”، وهو ما من شأنه أن يزيد من تعقيد التحدّيات التي تواجهها مصر.

هناك العديد من المؤشرات التي تقول إنّ الجانب المصري لن يقوم على الأرجح بعملية عسكرية موسّعة داخل ليبيا إذا ما تُرك الأمر له، وذلك لأسباب متعدّدة من بينها أربعة أسباب على وجه التحديد. أولاً، لا مصلحة حقيقية للنظام المصري بسبب غياب التهديد الحقيقي على أمنه الذاتي وعلى الأمن القومي المصري من ليبيا. ثانياً، الانغماس في العمق الليبي سيقوّض قدرات مصر في مواجهة إثيوبيا ويقوّي من موقف أديس أبابا لناحية تحدّي القاهرة وتجاهل مطالبها.

فضلاً عن ذلك، هناك شكوك كبيرة في قدرة القاهرة على تحمّل التكاليف والأعباء الاقتصادية التي ستنجم عن تدخل عسكري في ليبيا سيما وأنّها تقوم بالاستدانة الآن من عدّة مصادر لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها. وأخيراً، لا يوجد غطاء شرعي لتدخّل عسكري مصري لا على مستوى الأمم المتّحدة ولا على مستوى القرار الغربي والأمريكي الذي يرسل مساعدات عسكرية سنوية للقاهرة، ولا على المستوى الليبي.

تحديات التدخل العسكري المصري في ليبيا
لكن بغض النظر عمّا ذكرناه آنفاً، إذا قرّر النظام المصري القيام بعملية عسكرية في ليبيا، فسيؤدي ذلك إلى تعميق الازمة الليبية ـ الليبية، والى تقسيم البلاد. كما أن من المتوقع أن يواجه العمل العسكري المصري سلسلة من التحدّيات لعل أبرزها أنّ الدخول في عمق الـ١١٠٠ كلم يعتبر عمليّة معقّدة من الناحية اللوجستية ويحتاج إلى وقت لكي تقطع الأرتال العسكرية المسافة بين الحدود المصرية وسرت. وإذا ما نجحت في ذلك فإنّ خطوط إمدادها الطويلة جداً قد تصبح عرضة للاستهداف السهل حينها.

التحدّي الثاني هو مسألة التوقيت. إذا بدأت قوات حكومة الوفاق الوطني المعركة، فقد تنتهي قبل وصول القوات المصرية خاصة إذا لم تصمد مليشيات حفتر في المواجهة. أمّا إذا دخلت القوات المصرية قبل بدء أي معركة، فقد تصبح سبباً في تعجيل العمل العسكري، وإذا ما حصل ذلك فقد تستجر دوراً عسكرياً تركيّاً أكبر في ليبيا، مما يزيد من احتمال الصدام المباشر حينها بين أنقرة والقاهرة.

هناك أيضاً تحدّي استخدام القوّة الجوّية، فالمطارات الليبية غير صالحة لاستقدام مقاتلات متطوّرة، وباستثناء قاعدة الخادم التي تستخدمها أبو ظبي فليس هناك قاعدة صالحة تنطلق منها القوات الجوّية المصرية داخل الأراضي الليبية، علماً بأنّ قدرات الأخيرة على استقبال المقاتلات محدودة للغاية. وفي غياب القوّة الجويّة، فإنّ المهمّة المصرية ستصبح أصعب.

يبقى أن نشير إلى أنّ إستخدام القوّة البحرية المصرية قد يكون الخيار الأسهل للقاهرة نظرياً، لكن عملياً يبدو أنّ أنقرة قطعت الطريق على هذا الخيار بسبب الانتشار المسبق للقطع البحرية التركية قبالة الساحل الليبي. إذا قررت القاهرة تجاهل هذا الأمر وشن هجوم عبر البحر، فهذا يعني أنّها تخاطر بتحويل المعركة المفترضة إلى معركة تقليدية مع تركيا، وهذا أمر من الصعب حقيقةً تصوّر حصوله ليس لأنّه لا نيّة عند الطرفين للدخول في حرب مباشرة فقط، بل لأنّ التداعيات ستتجاوز ليبيا حتماً.

********

السيسي لن يتدخل عسكرياً في ليبيا.. ويتلاعب بحلفائه الخليجيين

بقلم ياسر عبدالعزيز

في عملية قياس السلوك النفسي وكذلك السياسي تتبع منهجية الملاحظة المباشرة، أو قياس نتائج السلوك، من أجل التعرف على السلوك المستهدف من جوانبه المختلفة، والتعرف على العوامل التي تؤثر فيه، سواء من حيث البيئة المحيطة أو الإمكانات والقدرات الشخصية للشخص المراد قياس سلوكه، وما ينسحب على الأفراد ينسحب بشكل أو بآخر على زعماء الدول والسياسيين.

خلال الأسبوع الماضي، منح البرلمان المصري تفويضاً للجنرال عبدالفتاح السيسي، لقيام الجيش بمهام قتالية في الخارج. الأمر الذي فسّره عديد من المحللين على أنها رسالة موجهة لفتح جبهة للقتال في ليبيا، لاسيما وقد سبق هذا التفويض لقاءات واجتماعات مع من صوّرهم النظام في مصر على أنهم وجهاء ومشايخ قبائل في ليبيا، يدعون السيسي إلى التدخل عسكرياً لوقف زحف الحكومة الشرعية في ليبيا لاستعادة سيادتها على كامل التراب الليبي، واصفين الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً بالإرهاب، والجيش الوطني بالميليشيات. وجاء في البيان الذي أصدره برلمان السيسي بشأن القرار: (وافق المجلس بإجماع آراء النواب الحاضرين على إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية، للدفاع عن الأمن القومي المصري في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، ضد أعمال الميليشيات الإجرامية المسلحة والعناصر الإرهابية الأجنبية).

وإن كان البيان لم يتطرّق إلى الوضع في ليبيا مباشرة، ولعل ذلك ما أرادته المخابرات الحربية -المحرك الحقيقي للبرلمان وصانعته على عينها- لتكون ورقة يمكن اللعب بها في حينها باتجاه إثيوبيا، لكن وكالات أنباء التقت بالنواب الذين ناقشوا القرار، والذين أكدوا أن الحوارات والمناقشات البرلمانية انصبّت كلُّها على الأزمة الليبية، والتدخل التركي فيها، والخط الأحمر (سرت- الجفرة) الذي وضعه السيسي لقوات الحكومة الشرعية وداعميها.

يأتي تصعيد النظام المصري تزامناً مع حشود عسكرية كبيرة أتت من كل أنحاء ليبيا لخوض المعركة المصيرية، كما يراها الثوار، التي على أساسها يمكن الجلوس للحل السياسي، وما قبله فلا حل، في ظل إخلاف الجنرال خليفة حفتر لوعوده والتزاماته الدولية. فبقاء سرت والجفرة تحت سيطرته معناه أن الأزمة باقية، وأن محور الثورة المضادة سيظلّ يعبث بمقدرات ومستقبل ليبيا. وبناءً على المعطيات الدولية الحالية، يمكن تفسير تلك الخطوة المصرية على أنها مدفوعة من الإمارات والسعودية وفرنسا، الذين وعدوا بدعم سياسي دولي لمصر حال تدخلها بشكل حاسم، مستفيدين من حالة الغضب الأوروبي على تركيا، وإن كان الغضب وحده لا يغير موقفاً في السياسة، ولكن الموقف الحقيقي يرسم من خلال ترتيب المصالح وتمرير الفرص، وهو الخطأ الذي ارتكبه ماكرون بالاصطفاف مع روسيا في أزمة ليبيا، ما جعلها في موقف ضعيف في أروقة الناتو.

رحلة البحث عن الرز

معضلة النظام المصري، في الأزمة الليبية وغيرها، أنه يعول على الغير في إيجاد حلول لأزماته، حتى أصبح مثل اللاجئ الذي ينتظر دولة تؤويه وتطعمه وتكسوه وتعلمه، وتحل له مشاكله.
ركون النظام المصري إلى وعد إماراتي بالتدخل في ملف سد النهضة مقابل الدخول إلى ليبيا لا يبدو بالحل الحاسم، أو الذي يرجى منه الكثير في ظل حالة العناد والمراوغة الإثيوبية. وهو الأمر الذي جعل النظام المصري يناور هو الآخر، آخذاً نصف خطوة للأمام نحو ليبيا بالقرار الذي صدر من البرلمان، الذي يقوم بدور أقرب إلى السكرتارية التنفيذية لأجهزة أمن النظام. 

أقصى ما يمكن أن يقوم به السيسي هو تسليح القبائل كما ذكر في خطابه أمامهم، وإن فعل، فإنه يضغط على زر البدء لصوملة -أي خلق صومال جديد- الحالة الليبية.

والمتتبع لسلوك النظام المصري مع دول الخليج يعلم جيداً أن دخول السيسي إلى ليبيا قد يكون من المستبعدات، فلقد حاولت كل من السعودية والإمارات إقحام النظام المصري في سوريا لضرب المصالح التركية، وتعاون النظام مع ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية، وميليشيات قوات سوريا الديمقراطية (YPG)، وأرسل بعض الضباط إرضاء للكفيل الخليجي، ثم قتل الموضوع لتنخرط الإمارات بنفسها بعد تخاذل الطرف المصري. وفي حربهم على اليمن دخل النظام المصري في التحالف العربي لدعم الشرعية، لكن رفض الدخول والزج بقواته. وفي فترة من الفترات ابتزّ السعودية بفتح حوار مع طهران. وفي حصارهم المفروض على قطر دخل النظام المصري على الخط، ومصر دولة غير خليجية، للاستفادة من الضغط، منتظراً أن ينتج عنه تسليم المعارضين المقيمين في الدوحة، لكنه في النهاية لم يقدّم شيئاً ملموساً إلا مؤتمرين صحفيين، دفع فيهما وزير خارجيته ليلتقط الصورة ويرضي القصور الخليجية.

صوملة الحالة الليبية

وفي ليبيا نستطيع أن نقرأ من خلال تسلسل الأحداث بعد الهزائم التي مني بها حفتر خلال الشهرين الماضيين، والمتمثلة في اقتراح السيسي مبادرة سلام، ثم استجلابه لبعض الوجهاء ومشايخ العشائر بشكل دراماتيكي أقرب إلى الأفلام الهندية للاستنجاد به، ثم عرضه لقواته الخاصة ومدرعاته وطائراته على الحدود مع ليبيا في المنطقة الغربية العسكرية، أنه لا تغيير جوهرياً في طريقة تعامل النظام المصري مع الضغوط الخليجية، أو في طريقة حفاظه على مصالحه؛ إذ إن أقصى ما يمكن أن يقوم به السيسي هو تسليح القبائل كما ذكر في خطابه أمامهم، وإن فعل، فإنه يضغط على زر البدء لصوملة الحالة الليبية، وهو ما لا أظنه مقبولاً دولياً. لكن في النهاية، ومع الضغط الشعبي المكبوت تحت ضغط الاقتصاد، وفشل ملف سد النهضة، لن يقدم السيسي على مواجهة تركيا.

*******

التدخل المصري في ليبيا سيُضعف الجزائر إقليمياً

صوّت البرلمان المصري بالإجماع في 20 يوليو/تموز على دعم نشر الجيش المصري خارج حدود البلاد، ما قد يؤدي إلى دخوله صراع مع الجيش التركي داخل ليبيا. ونتيجة تلك المعركة -إذا حدثت- غير معروفة. غير أن أي انتشار للقوات المصرية في ليبيا دعماً لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في شرق البلاد يبدو ضربة قاضية أخرى في صراع طويل يهمّش دور الجزائر ويضعف دورها الإقليمي، كأكبر بلد في إفريقيا كان معروفاً بهيمنته الدبلوماسية بين دول المغرب العربي، كما يقول موقع المونيتور الأمريكي.

موقف محايد 

منذ بداية الاشتباكات في ليبيا تقريباً، اتخذت الجزائر والاتحاد الإفريقي موقفاً محايداً معظم الوقت، سعياً للتوسط بين الأطراف المتحاربة في واحدٍ من أطول الصراعات في العالم وأكثرها فوضوية. ومع ذلك، بعد ما يقرب من 10 سنوات على الثورة التي أدت إلى إطاحة الديكتاتور الليبي معمر القذافي، لم يؤدِّ أي انفراج دبلوماسي إلى أي توقف دائم في القتال، ومع دخول عدد كبير من المقاتلين إلى الصراع- تصبح فرص إبرام أي اتفاق إقليمي يؤدي إلى استقرار دائم شبه معدومة.

ولم تأتِ آخر المبادرات التي تهدف إلى المساعدة في إحلال السلام في ليبيا، من أي جهة إقليمية، ولكن من مؤيدي حفتر في موسكو الذين -إلى جانب تركيا، التي تدعم حكومة طرابلس المعترف بها دولياً- أعلنوا عن خطط للعمل على تشكيل مجموعة عمل مشتركة للمساعدة في توجيه عملية السلام نحو غاية من المرجح أن تساهم في أهداف سياستهم الخارجية.

وعلى هامش هذا الموقف توجد الجزائر وتونس والاتحاد الإفريقي. أما عن تونس والجزائر فيقترب الصراع في ليبيا من تهديد وجودهما. إذ تشترك كلتاهما في حدود طويلة مع دولة شمال إفريقيا الممزقة وكلتاهما تضررتا من هذا الصراع. فتونس، التي تعاني بالفعل من خسارة شريك تجاري رئيسي، ما تزال تعاني من إغلاق الحدود الذي يعيق تدفق الدخل، المشروع وغير المشروع، من جارتها. ويتعين على الجزائر، من جانبها، أن تنفق كمية كبيرة من أموالها المتقلصة لدعم عشرات الآلاف من القوات المتمركزة على طول حدودها التي تبلغ 966 كم تقريباً مع ليبيا التي مزقتها الحرب.

في منتصف يوليو/تموز، التقى البلدان للتعهد بتكثيف مباحثاتهما مع طرفي النزاع، ودعتا أيضاً إلى وقف فوري لإطلاق النار. ولا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كانت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة أو حفتر يهتمان ذلك.

النفوذ الأمريكي في شمال إفريقيا

رغم شهرتها بثقلها الدبلوماسي، تكمن قوة الجزائر -كما يرى بعض المراقبين- بشكل أساسي في عملها جنباً إلى جنب  مع السياسة الخارجية الأمريكية، في حين تظل تونس “سمكة صغيرة تطغى عليها المياه التي تسبح فيها”.

يقول جليل الحرشاوي، المحلل الليبي في معهد كلينغنديل الهولندي: “معظم الدبلوماسية الجزائرية اتكأت على مدى عقود وبشكل غير مباشر على “السلام الأمريكي” في المنطقة. أي أنه كان على الجزائر أن تعتمد على نفسها طوال سنوات، لكنها في الوقت نفسه تمتعت بشكل من أشكال الدعم الأمريكي”.

والآن، مع تراجع نفوذ الولايات المتحدة في معظم أنحاء المنطقة، يبدو موقف الجزائر ضعيفاً، في حين أن خصومتها الإقليمية مع المغرب على مستقبل الصحراء الغربية، ومع مصر، التي قد تنشر قواتها قريباً داخل ليبيا، وضعتها في موقف ملتبس في مواجهة التصعيد الدولي المتنامي على حدودها.

والحقيقة هي أن الدبلوماسية الجزائرية لم تمر من قبل قط بأزمة جيوسياسية معقدة أو دولية مثل أزمة ليبيا الحالية. يقول الحرشاوي: “صحيح أن الجزائر واجهت مواقف خطيرة في الماضي مثل موقفها في مالي، ولكن دون انخراط العديد من الدول مع الطرفين المتصارعين. إن مصداقية الجزائر في المجال الدبلوماسي شديدة القوة، ولكن ليس من المؤكد مطلقاً أنه بإمكانها التأثير في الفوضى الحالية في ليبيا”.

الانشغال بالأزمات الداخلية

كانت الجائحة العالمية أحد الأمور التي فاقمت صعوبات تونس والجزائر في التأثير في الموقف. يقول الحرشاوي: “عانى اقتصاد البلدين كثيراً نتيجة لكوفيد-19”. بالنسبة للجزائر، كانت نتيجة ذلك- في فترة تراجع أسعار الطاقة- الانخفاض الكبير في الإنفاق في محاولة لاحتواء الجائحة. وبالنسبة لتونس، صاحبة الاقتصاد الهش الذي يتوق لتدفق أموال السياحة التي لن ينالها هذا العام، فإن جائحة فيروس كورونا تعني المزيد من الصعوبات وزيادة الاضطراب في المناطق الجنوبية المتقلبة التي تقع على الحدود الليبية.

وفي حين أن الجزائر ربما تجاهد دبلوماسياً لاحتواء الفوضى المتزايدة خارج حدودها، فإن نفوذها ما يزال قائماً. وبحسب طارق مجريسي، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، كان التصور السائد داخل معسكر حفتر أن الجزائر أصبحت منشغلة باحتجاجاتها الاجتماعية الداخلية، وهو ما ساهم في اتخاذ القرار بشن الهجوم على طرابلس في أبريل/نيسان عام 2019.

ومع ذلك، في حين أن جهود الجزائر وتونس الفردية في ليبيا قد تكون ضعيفة، فإن هذا لا يعني أنه ليس لهما دور. فالاتحاد الإفريقي -رغم سمعته داخل ليبيا التي شوهها إلى حد ما تلقيه تمويلاً من القذافي- ما يزال حاضراً ويتمتع بإمكانية التأثير وإحداث فرق.

وأضاف مجريسي: “أولاً، يجب أن يقرر ماهية هذا الدور. لقد كان يحاول أداء دور الأمم المتحدة، وهو ما لا يمكنه فعله. ولكنه قد يؤدي دوراً قيماً في القضايا الأساسية مثل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. والاستعانة بتجارب الدول الأعضاء للمساعدة في قيادة الليبيين نحو الاستقرار”.

إلا أنه في الوقت الحالي لا يعرف إن كانت كل من الجزائر وتونس ستبقيان مكتوفتا الأيدي فيما تستعد القوى الأخرى للمساومة على مستقبل ليبيا -وهو ما يثير قلق الجزائر- تتجهز مصر للدخول في المعركة. وبعد سنوات من الحياد الإقليمي القوي والخروج بإعلانات سياسية لا تعد ولا تحصى، لم يتحقق الكثير للمساعدة في وقف استمرار انزلاق ليبيا إلى الفوضى.

_____________________