Minbar Libya

بقلم عبدالعزيز الغناي

من خلال جولة اطّلاع على قضايا مشابهة للملف الليبي، وخاصة في خانة التهديد المصري بالتدخل العسكري في ليبيا ضد حكومة الوفاق الليبي المعترف بها دولياً، خاصةً بعد هزائم مُنيت بها قوات حفتر، التي أعلنت هجوماً على العاصمة الليبية طرابلس، في الرابع من أبريل/نيسان من العام الماضي، وبعد توقيع حكومة الوفاق اتفاقية اقتصادية وتجارية وأمنية، وأخيراً عسكرية مع دولة تركيا.

الموقف المصري الذي يتغنّى بأنه يبحث عن تحقيق السلام في ليبيا بعد انتصارات حكومة الوفاق، وتحديده خطوطاً حمراء داخل الأراضي الليبية، لم يكن ذات الموقف عندما كانت حملة حفتر العسكرية على إقليم طرابلس، التي قوضت المساعي الأممية للسلام في أوج قوتها، بل لم تدن مصر العدوان أساساً، ولم تطلب من حليفها حفتر احترام أي هدنة إنسانية اقترحت من البعثة الأممية أو جاءت بعد اتفاقات، كتهدئة عيد الفطر التي اقترحتها البعثة في ليبيا، أو الهدنة بعد اتفاق موسكو، في يناير/كانون الثاني 2020، أو الهدنة بعد مؤتمر برلين، بل يبدو أن النظام المصري كان يأمل في أن ينجح حفتر في السيطرة على ليبيا بالكامل، لتصبح ليبيا الحديقة الخلفية لمصر، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي سفن السيسي.

هناك أزمات حدودية عدة على خارطة العالم، سواء أكانت بين دول باعتباراتها أو بين دول وأقليات، هذه الأزمات والنزاعات لم تجد لها حلولاً حاسمة لا على مستوى دول إقليمية ولا دول كبرى ولا على مستوى مجلس الأمن أو أروقة الأمم المتحدة، مثل النزاع الحدودي بين أرمينيا وأذربيجان، وما ينصهر داخله من صراع ديني، أو مشكلة إقليم كشمير الملتهب بين الهند وباكستان، الدولتين النوويتين، أو الصحراء الغربية في المغرب، أو مشكلة قبرص بشقيها، أو حتى مشكلة سوريا، التي تحتل إسرائيل أجزاء منها، وأخرى تحتلها إيران، وأخرى روسيا، وأخرى تتواجد فيها الولايات المتحدة وكذلك تركيا.

ربما ما يجمع الأمثلة الماضية هو أمر واحد فقط، وهو فقر هذه المناطق والأقاليم، وعدم احتوائها على موارد ذات جدوى كالذهب الأسود مثلاً، أما مشكلة العراق والكويت فوجدت حلاً سريعاً نوعاً ما في مجلس الأمن، كذلك -ورغم كل التداخلات- سيطرت الولايات المتحدة على آبار النفط في سوريا، تاركةً للروس مجالاً فسيحاً للتحرك العسكري في سوريا، وقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية.

مواثيق الأمم المتحدة في كثير من الأحيان لا ترتقي حتى لتكون حبراً على ورق، فما زلنا نتذكر الوضع اللبناني بعد الحرب الأهلية، وكذلك الاشتباك الروسي الجورجي، وضم روسيا لجزيرة القرم الأوكرانية، والاجتياح الهندي لإقليم كشمير، وقائمة تطول بمخالفة مواثيق الأمم المتحدة، والاعتداء على الدول والشعوب دون لَجمها من مجلس الأمن.

ستتعدد الأسباب والتدخل واحد للنظام المصري في ليبيا، مستخدماً شماعة الإرهاب أو عدم الاستقرار أو تأمين الحدود أو الأمن القومي… إلى آخر هذه الحجج، لكن ليبيا المصدر المهم للطاقة وصاحبة الموقع الاستراتيجي المهم لا يمكن للقوى الكبرى المقامرة بها، وترك دولة تعوم على بحيرات من نفط رهناً للنظام المصري، الذي صُمم ليزيد مصر فقراً، أيضاً بالإمكان أن تغضّ الدول الكبرى الطَّرْف عن التدخل المصري في ليبيا، الذي سيكون في حدود المعقول، في حال أنه كان تأميناً للشريط الحدودي بينه وبين ليبيا، وليس تدخلاً بعمق 1000 كيلومتر داخل الأراضي الليبية، حتى سرت والجفرة.

أيضاً لا يمكن مقارنة الوضع في ليبيا والتدخل المصري المحتمل بالوضع في سوريا والتدخل التركي هناك، فنظام الأسد يعيش ما هو أشبه بعزلة على المستوى العربي والإقليمي، جعلت شرعيته غير مقنعة، كما أنه متهم بجرائم إبادة وأخرى ضد الإنسانية، وأخرى باستعمال أسلحة محرّمة دولياً، أما في ليبيا فحكومة الوفاق على علاتها تعتبر الحكومة المعترف بها دولياً، وتفتح قنوات دبلوماسية وتجارية مع كل دول العالم، وتحظى بدعم واعتراف شعبي أيضاً.

خيارات النظام المصري للتدخل في ليبيا

الخيار الأول:

دخول دائم للجيش المصري لغرض الاستيطان وبدافع تأمين مصر، ويحتاج هذا النوع لسقوط الشرعية (المتمثلة في حكومة الوفاق واتفاق الصخيرات) وعدم إمكانية ممارستها لأعمالها، وهو ما يشابه تدخل الجيش السوري في لبنان بعد الحرب الأهلية عام 1975م، وبهذا ستصبح الأزمة الليبية أزمة ككل الأزمات الأخرى الحدودية المزمنة، كأزمة الحدود بين أرمينيا وأذربيجان أو الهند وباكستان، وتستمر هذه الأزمة باستمرار واستقرار حكام مصر وتشظّي المجتمع الدولي، وتنتهي فقط بحدوث تغيرات سياسة أو عسكرية جذرية في مصر، أو تحقيق وحدة وطنية ليبية، وتبني رؤية واحدة ضد التواجد المصري المحتمل.

الخيار الثاني:

هو أن يتم فعلاً اجتياح عسكري مصري لليبيا، يُقابَل برفض أممي ثم سيناريو متكرر لحرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت من العراق 1991)، وتكون احتمالية هذا الخيار مطروحةً بقوة، لأن ليبيا بؤرة مهمة من ناحية الطاقة والموقع الاستراتيجي، إضافة إلى أن مصر دولة حليفة لواشنطن، فبالتالي لن تعترض روسيا على قرار استهداف جيشها، حتى وإن امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن، أيضاً ما يعيشه النظام المصري من تخبط ومراهقة سياسية وانعدام الرؤية وافتقار للموارد قد يدفعه للإقدام على أي خطوة غير محسوبة العواقب كهذه.

أما الخيار الأخير

فهو حدوث تدخل استخباراتي بمحاولة انفصال لإقليم برقة، بتوجيه بسيادة مصرية، وهنا يصبح التواجد المصري شرعياً إلى حد ما، كما حدث في قبرص الشمالية، في هذه الحالة ستتأزم الأمور بشكل كبير، خاصة في إقليم برقة، المستهدف من النظام المصري، بالنظر إلى أن الأقليم شحيح بالسكان، وغني بالثروات، مقارنة بالقطر المصري، كما أن هذا الخيار قد يلقى قبولاً أمريكياً، لأنه سيدفع الروس للخروج -باعتبار أن مصر دولة حليفة للولايات المتحدة- كما أنه من المفترض أن يقلل الفوضى، باعتبار عدائية قيادات الإقليم وبعض القبائل للأتراك.

بالتمعن في تعامل نظام السيسي مع الأزمات، تجد أن هذا الرجل لا ينجح إلا في الإخفاق، فملف الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وملف تنازله عن جزيرتي تيران وصنافير، وبالتالي خسارته للسيطرة على مضيقهما الاستراتيجي، وفشله الذريع في التعامل مع أزمة سد النهضة، كلها شواهد تثظهر أن السيسي يقود نظاماً فاشلاً، لا ينجح إلا في تمكين مزيد من الديكتاتورية والاستبداد، فلا رؤى ولا تنمية، والديون الداخلية والخارجية تزداد، وأكثر من ثلث المصريين تحت خط الفقر.

استراتيجيات السيسي 

قد يرى السيسي أن ليبيا عموماً، وبرقة خصوصاً، هي طوق نجاته من الإخفاقات في سد النهضة دبلوماسياً، وفي سيناء عسكرياً، خاصةً أن خيار دخوله إلى ليبيا مدعوم إقليمياً من الإمارات والسعودية وفرنسا، ومدعوم من بعض أفراد القبائل الليبية المكلومة من هزائمها في طرابلس، ومدعوم محلياً من قبائل مصرية ترى أن لها حقوقاً وامتداداً اجتماعياً في ليبيا، وهو طوق نجاة محفوف بالمخاطر، فالمال الإماراتي والدعم السعودي لم يكونا كافيين للانتصار على الحوثيين في اليمن وهم لا يمتلكون شرعيةً ولا حليفاً قوياً كتركيا، كما أنهما دولتان غير موثوقتين، فبعض المصريين ينظرون للإمارات والسعودية على أنهما ورّطتا مصر في هذه الأزمات المالية، وبالتالي اضطر النظام المصري للتنازل للنظام السعودي عن جزيرتي تيران وصنافير، والتنازل عن أصول مصرية للإمارات، ناهيك عن تورّط مستثمرين إماراتيين في تمويل سد النهضة، الذي يتوقع أن يحيل مئات آلاف من الهكتارات الزراعية إلى أرض قفر.

كذلك تعد التجارب العسكرية المصرية غير مطمئنة، خاصة خسارة عشرات الآلاف من الجنود في حرب اليمن 1962، وخسارة مدوية في حرب النكسة 1967، وفي 6 أيام فقط، إضافة لعدم تحقيق الكتائب المصرية لأي تغيير نوعي في مجريات الأمور في حرب “عاصفة الحزم” باليمن 2015، مع مشاركة واضحة للجيش المصري فيها، كما أنه ليس من السهل ضمان أن إقليم برقة سيكون لقمة سائغة في يد السيسي، فالإقليم له تركيبته السكانية واستقلاله، وتقاسم موارده مع 3 ملايين ليبي آخرين في إقليمي طرابلس وفزان، أكثر نفعاً من تقاسم موارده مع 104 ملايين مصري في بلد مدان بمليارات الدولارات، وأكثر من ثلث شعبه تحت خط الفقر.

السيسي الذي لا يعرف من أين تأتيه الضربات، من فشل في منتدى الغاز المتوسطي، إلى فشل العديد من مشروعات الاستثمارات، إلى عجزه الكامل أمام التعديات الإثيوبية على حصة مصر من النيل، وفشله في الدفاع عن حقوق المصريين في نهر النيل الذي يجري منذ بداية الخليقة ولم تنقص حصة مصر فيه إلا فترة حكم السيسي، بحاجة لأي انتصار للاستهلاك المحلي، لأن حاكم مصر يشعر بالخجل أمام أنصاره من إخفاقاته المتواصلة، التي قد تؤدي في نهاية المطاف لإزاحته عن عرشه في الاتحادية.

********

كيف تتعامل مصر مع تهديدات أمنها القومي؟

بقلم عمر سمير

تتزامن في مصر اليوم تهديدات وتحديات متعددة الأبعاد تبدو أكثر تعقيداً مما يدركه الخيال السياسي للنخب سواء في السلطة أو المعارضة، تتمظهر تلك التحديات في اجتماع أربع معضلات شديدة الحساسية في نفس الوقت على الأمن القومي المصري، وهي أزمة كورونا، والتهديدات المتزايدة للأمن القومي في ليبيا وأزمة وجود تتعلق بسد النهضة، إضافة إلى أزمة التهديدات الإرهابية المتعمقة في سيناء والتي لم تتوقف ولم تنخفض حدتها رغم ما تحقق من تدخل كثيف للقوات المسلحة في مواجهتها.

وتأتي هذه الأزمات المتزامنة في ظل انقسام سياسي ومجتمعي حاد، وربما ليس مسبوقاً في تاريخ مصر المعاصر وهو ما يجعل الانقسام والاستقطاب الحاد ينسحب على هذه الأزمات ويتداخل معه تأثيرها على أمن النظام السياسي وأمن مصر كدولة تتجاوز المفهوم الضيق للنظام السياسي وتتضمن الشعب والإقليم والسيادة، كما تأتي هذه الأزمات في ظل أزمة اقتصادية عميقة وهيكلية تتعلق بالنظام الاقتصادي ككل وتفرز أزمات توزيع وتوظيف وتضخم وتدهور لقيمة العملة وأزمة تمويل وعجز ممتدة.

الأزمة في ليبيا.. أين مصر؟

تمثل الأزمة الليبية تحدياً كبيراً للنظام السياسي وللدولة والمجتمع في مصر، بالنسبة للنظام السياسي الحالي فقد اتخذ موقفاً مبكراً بدعم انقلاب تلفزيوني على سلطة ناجمة عن الثورة والتوافقات الليبية والقرارات الأممية. وانبرى يدافع عن هذا الخيار بدعوى محاربة الإرهاب والميليشيات المسلحة، وإذا كان هذا التسويغ لموقفه يحمل بعضاً من الوجاهة إلا أن التحديات القادمة من ليبيا أكبر بكثير من مجرد التهديد الأمني المتمثل في بعض العمليات الإرهابية التي انطلق بعض منفذيها من الشرق الليبي المسيطر عليه من قبل من يؤيده النظام في مصر، إذ تشير التقارير لتراجع حاد في العمالة المصرية المتواجدة في ليبيا بكثافة قبل الثورة، وكذلك تراجع حاد في الاستثمار والتجارة البينية.

كما أن كثافة التدخلات الدولية في دولة جوار يفترض في أوضاع طبيعية أن تكون مصر اللاعب رقم واحد فيها وتنافس هذه الدول على المصالح الاقتصادية وحمايتها بتواجد عسكري يسعى أن يكون دائماً عبر القواعد العسكرية، تضاعف من المخاطر الأمنية والعسكرية وتجعل استنادها على قضية الحرب على الإرهاب فقط أمراً سطحياً جداً مقارنة بالرؤية الأشمل والأوسع للأمن القومي.

تواجه مصر في هذه الأزمة تحديات تتمثل في عدم القدرة على تحديد حلفائها، إذ بينما تدعو كل الأطراف لأهمية الحل السلمي فهي إما متدخلة مباشرة أو تدعم أطرافاً بالعتاد والسلاح والتدريب أو بشكل غير مباشر عبر الشركات الأمنية، وبينما يطفو على السطح صراع مكتوم بين القاهرة وأنقرة، فإن محاولات للتوافق تتصاعد مؤخراً وفقاً لبعض التقاريرالإعلامية.

في المقابل، تشير التصريحات المصرية الرسمية والتطورات على الأرض إلى ارتباك مصري شديد فبينما حددت مصر في 20 يونيو/حزيران الماضي خطاً أحمر، وهو “سرت-الجفرة”، وأجرت عدة مناورات للتأكيد على التزامها به، فإنها بعد تفويض من شيوخ قبائل ليبية موالين وبعد تفويض من البرلمان يبدو أنها توجهت نحو توسيط أطرف إقليمية مثل الأردن والكويت لمحاولة التوافق مع تركيا حول الأوضاع في ليبيا لمنع أي صدام موسع محتمل.

الإرهاب أزمة ممتدة تغذيها سياسات مرتبكة

إذا كانت أزمة التنظيمات الإرهابية في مصر قديمة ومتجذرة وهددت كافة الأنظمة السياسية، فإن تهديدها لنظام حكم قادم من قلب الجيش ويدعي السيطرة الكاملة على مقاليد الحكم ويطلق حروباً ممتدة ضد أهالي مناطق ويحول تنظيمات سياسية إلى مجموعات إرهابية بل ويصدر نفسه ويشرعن نظامه باعتباره يحارب الإرهاب نيابة عن المنطقة والعالم، فإن هذا التحدي يصبح أمراً أشد خطورة، خصوصاً أنه موجه ضد الجيش وقوى الأمن وبتوسع تنظيماته وتصنيفاته أصبح بدرجة ما موجهاً ضد قطاعات من المواطنين وضد فكرة الدولة. ومع صعود وأفول تنظيم داعش أصبحت هناك تساؤلات منطقية حول لماذا خفتت موجات الإرهاب في مناطق مختلفة من الإقليم بينما لا تزال وتيرتها عالية في مصر مقارنة بالسابق؟ 

وتكمن خطورة الموقف الحالي في الحرب ضد الإرهاب في توسيع تصنيف السلطة لدوائر معارضيها باعتبارهم إرهابيين منضمين لتنظيمات إرهابية مسلحة أو يشاركونها في تحقيق أهدافها، وهي التهمة التي نالت جميع المعارضين للنظام الحالي. وهو الأمر الذي ينهك الأجهزة الأمنية في ملاحقة المعارضين من ناحية، ويغذي مقولات بعض الأطراف بأن الإرهاب مفتعل، وأن السلطة تستخدمه لتصفية معارضيها.

ويشوش هذا المناخ الاستقطابي على أية محاولة للفهم لهذه التنظيمات ويقلل من فرص مراجعة وتحسين السياسات في مواجهتها وعزلها، وإذا ما أضيف لتصنيفات الإرهاب في الداخل ملايين الليبيين في الغرب ممن لا يدعمون الطرف السياسي الذي تدعمه السلطة في مصر باعتبارهم إرهاباً، فإن المعركة ستطول ويتوسع نطاق محاربته وسيصبح تحدياً استراتيجياً أوسع من قدرة النظام السياسي والدولة المصرية على تجاوزه أو تخفيف حدته.

خلاصة القول إنه وبرغم اجتماع السلطة بشكل غير مسبوق في يد النظام السياسي الأمني كما لم تجتمع لأي من حكام مصر في التاريخ الحديث حيث تدين له البيروقراطية في الواقع وفي الواقع الافتراضي ولا يوجد صوت معارض أو عقلاني في الإعلام الموالي.

بينما تبدو مؤسسات الحكم كلها على قلب رجل واحد أو هكذا تصور نفسها، ولا يوجد مكان لأحزاب تقول رأياً مختلفاً، فإن هذه الحالة تحمله مسؤولية غير مسبوقة وتفرز أزمات أكبر تتعلق بمعادلة السلطة والحكم وتنعكس بالسلب على كافة الملفات الإقليمية والمحلية. تكمن أهمية تلك الملفات في أنها تزاحم البعد الأمني العسكري التقليدي المسيطر على صناع القرار في فهمهم للأمن القومي، فلم يعد الأمن مقتصراً على التهديدات الإرهابية أو العسكرية الخارجية بقدر ما أصبح يحمل أبعاداً ترتبط بافتراضات حول الجائحة والتهديدات الإلكترونية والبيولوجية وكذلك الأمن الإنساني المرتبط بالصحة والغذاء وقدرة الدولة على التعامل مع انتشار وبائي كبير بمؤسساتها الطبية المترهلة.

وذلك يفرز احتياجاً لتوسيع تلك المفاهيم ومن ثم يفرض سياسات لم يكن متوقعاً أن تتبناها السلطات من ذاتها، وهذه الالتزامات تتطلب تمويلاً وإعادة تحديد للأولويات، في الوقت نفسه فإن الاستجابة المصرية للتحديات والأزمات المتزامنة لم تكن على نفس القدر من الاهتمام.

تتجاوز التحديات الحالية النظام السياسي وتهدد المجتمع والمعارضة وتجعل من إمكانية تجاوزها بالوضع الحالي من الاستقطاب الحاد والسياسات المرتبكة أمراً بعيد المنال. ويضيف تزامن تلك الأزمات تعقيداً على تعقيد، وإذا كانت مصر قد واجهت تهديدات أعمق وأشد فتكاً في الماضي، فإنه على الأقل لم تكن شرعية النظام وأزمات معارضته على المحك ومتفاقمة بهذا السوء الحالي، وهو ما ينذر بتحولات ومخاطر غير معلوم أبعادها ولا توجد سيناريوهات للتعامل معها، وتحتاج لجهد كبير لتجاوز مرحلة التراشق والاستقطاب الحاد الحالي والتفسخ المجتمعي الشديد.

____________